تفسير سورة الفتح من الآية أحد عشر إلى الآية عشرين
- تفسير سورة الفتح من الآية أحد عشر إلى الآية عشرين
سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما (14) سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (16) ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (20) - {سيقول لك} إذا رجعت من الحديبية {المخلفون من الأعراب} هم الذين خلفوا([1]) عن الحديبية، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام حين أراد الـمسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربا، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فيقاتلهم! وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة {شغلتنا أموالنا وأهلونا} اعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم، وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم {فاستغفر لنا} ليغفر لنا الله تخلفنا عنك {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} تكذيب لهم في اعتذارهم، وأن الذي خلفهم ليس ما يقولون، وإنما هو الشك في الله، والنفاق، فطلبهم الاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة {قل فمن يملك لكم من الله شيئا} فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه {إن أراد بكم ضرا} ما يضركم من قتل أو هزيمة {أو أراد بكم نفعا} من غنيمة وظفر {بل كان الله بما تعملون خبيرا} [لم يزل متصفا بذلك].
- {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا} [أي: أنهم يستأصلون بالقتل فلا يرجعون] {وزين ذلك في قلوبكم} زينه الشيطان {وظننتم ظن السوء} من علو الكفر وظهور الفساد {وكنتم قوما بورا} أي: وكنتم قوما فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم.
- {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين} من لم يجمع بين الإيمانين الإيمان بالله والإيمان برسوله ﷺ فهو كافر {سعيرا} [نارا شديدة].
- {ولله ملك السماوات والأرض} يدبره تدبير قادر حكيم [وهو مستغن عن هؤلاء المافقين وعن الاعتضاد بهم في نصرة نبيه] {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} يغفر ويعذب بمشيئته وحكمته، وحكمته المغفرة للمؤمنين، وتعذيب الكافرين {وكان الله غفورا رحيما} [فيه تحريك للمنافقين على التوبة، ووعد من الله تعالى بقبولها منهم، وفيه دلالة على صحة نبوة نبينا ﷺ حيث أخبر أهم سيقولون كذا، وكان كما أخبر].
- {سيقول المخلفون} الذين تخلفوا عن الحديبية {إذا انطلقتم إلى مغانم} إلى غنائم خيبر {لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله} يريدون أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية، وذلك أنه وعدهم أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين([2]) لا يصيبون منهم شيئا {قل لن تتبعونا} إلى خيبر، وهو إخبار من الله بعدم اتباعهم، ولا يبدل القول لديه {كذلكم قال الله من قبل} من قبل انصرافهم إلى المدينة: إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية دون غيرهم {فسيقولون بل تحسدوننا} أي: لم يأمركم الله به، بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة {بل كانوا لا يفقهون} من كلام الله {إلا قليلا} إلا شيئا قليلا [ولو فقهوا لكفوا عن مسألتكم الإذن لهم بعد إخباركم إياهم أن الله قد خصكم بغنائم خيبر].
- {قل للمخلفين من الأعراب} هم الذين تخلفوا عن الحديبية [ومنعوا عن الخروج إلى خيبر في حياة النبي ﷺ]: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} يعني بني حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر رضي الله عنه، لأن مشركي العرب([3]) والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف {تقاتلونهم أو يسلمون} أي: يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام، قيل: هم فارس وقد دعاهم عمر رضي الله عنه، ومعنى: {يسلمون} على هذا التأويل: ينقادون. وفي الآية دلالة صحة خلافة الشيخين حيث وعدهم الثواب على طاعة الداعي عند دعوته بقوله: {فإن تطيعوا} من دعاكم إلى قتالهم {يؤتكم الله أجرا حسنا} فوجب أن يكون الداعي مفترض الطاعة {وإن تتولوا كما توليتم من قبل} عن الحديبية {يعذبكم عذابا أليما} في الآخرة.
- {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} نفى الحرج عن ذوي العاهات في التخلف عن الغزو {ومن يطع الله ورسوله} في الجهاد وغير ذلك {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول} يعرض عن الطاعة {يعذبه عذابا أليما} [في جهنم يوم القيامة].
- {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} هي بيعة الرضوان، وقصتها أن النبي ﷺ حين نزل بالحديبية بعث خراش ابن أمية الخزاعي رسولا إلى مكة، فهموا به، فمنعه الأحابيش([4])، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه، فقال: إني أخافهم على نفسي لما عرف من عداوتي إياهم، فبعث عثمان بن عفان فأخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا للبيت، فوقروه واحتبس عندهم، فأرجف([5]) بأنهم قتلوه، فقال رسول الله ﷺ: «لا نبرح حتى نناجز القوم([6])»، ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه على أن يناجزوا قريشا ولا يفروا تحت الشجرة، وكانت سمرة، وكان عدد المبايعين ألفا وأربعمائة {فعلم ما في قلوبهم} من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه {فأنزل السكينة عليهم} أي: الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم {وأثابهم} وجازاهم {فتحا قريبا} هو فتح خيبر غب([7]) انصرافهم من مكة.
- {ومغانم كثيرة يأخذونها} هي مغانم خيبر، وكانت أرضا ذات عقار وأموال، فقسمها عليهم {وكان الله عزيزا} منيعا فلا يغالب {حكيما} فيما يحكم فلا يعارض.
{وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} هي ما أصابوه مع النبي ﷺ وبعده إلى يوم القيامة {فعجل لكم هذه} المغانم، يعني: مغانم خيبر {وكف أيدي الناس عنكم} أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد([8]) وغطفان([9]) حين جاؤوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا، وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح {ولتكون} هذه الكفة {ءاية للمؤمنين} عبرة يعرفون بها أنهم من الله عز وجل بمكان([10]) {ويهديكم صراطا مستقيما} ويزيدكم بصيرة ويقينا وثقة بفضل الله.
([3]) هذا على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه – أي أن الجزية لا تقبل من مشركي العرب وتقبل من مشركي العجم – وأما على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه فلا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب.
([4]) الأحابيش: فرق مختلفة من قبائل شتى، حلفاء لقريش، تحالفوا عند جبل بأسفل مكة يسمى حبشيا، ويقال: منه سمي أحابيش قريش.
([5]) أرجف: جيء بخبر كاذب يحصل مه اضطراب.
