الثلاثاء يوليو 16, 2024

أقوال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه (ت40هـ)

قال الإمام عليّ رضي الله عنه([1]): «سيرجع قوم من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفارًا» فقال رجل: يا أمير المؤمنين، كفرهم بماذا أبالإحداث أم بالإنكار؟ قال: «بل بالإنكار، ينكرون خالقهم فيصفونه بالجسم والأعضاء([2])» اهـ. ومعنى سؤاله: أبالإحداث؟ أي هل يكفرون بوصفهم له تعالى بما لايليق به.

وقال أيضًا رضي الله عنه([3]): «من زعم أنّ إلهنا محدود فقد جهل الخالقَ المعبود» اهـ. والمحدود عند علماء التوحيد ما له حجم صغيرًا كان أو كبيرًا، فالحدُّ عندهم هو الحجم صغيرًا كان أو كبيرًا، فالذَّرَّة محدودة والعرش محدود والنور والظلام والريح كلٌّ محدود. قال الله تعالى: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور {1} (الأنعام)، السموات والأرض هما من الأجسام الكثيفة، والنور والظلام هما من الأجسام اللطيفة، فالآية فيها دليل على أن الله خالقٌ للأجسام الكثيفة واللطيفة وهو لا يشبهها، علمًا أنَّ الجسم الكثيف هو ما يُضبط باليد كالإنسان والشجر والشمس والماء، والجسمَ اللطيف هو ما لا يُضبط باليد كالنور والظلام والروح والهواء، والأجسام الكثيفة، واللطيفة لها حدّ ومقدار وحجم وكمية، قال تعالى: وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ {8} (الرعد)، فالتحيُّز في المكان والجهة من صفات الحجم، حتى الذَّرَّة التي هي أصغر حجم خلقه الله مما تراه العيون وهي الهَبَاء فهي محدودة. وهناك شىء يطلق عليه علماء التوحيد اسم «الجَوْهَر الفَرْد» وهو أصغر حجم خلقه الله وهو لا يُرى بالعين المجرّدة وهو الجزء الذي لا يتجزّأ. فتبيَّن بهذا أن المحدودية وصفٌ شامل لما كان صغيرًا أو كبيرًا من المخلوقات مهما تناهى في الصغر أو الكبر، وليس معنى المحدود مخصوصًا فقط بما له حجم صغير بل مَن كان له حجم كبير فهو محدود أيضًا.

وروى الحافظ أبو نُعَيم الأصبهاني([4]): «عن النعمان بن سعد، قال: كنت بالكوفة في دار الإمارة ـ دار عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ـ إذ دخل علينا نوف بن عبد الله فقال: يا أمير المؤمنين بالباب أربعون رجلًا من اليهود، فقال عليّ: عليَّ بهم، فلمّا وقفوا بين يديه قالوا له: يا عليّ، صِفْ لنا ربَّك هذا الذي في السماء([5])، كيف هو؟ وكيف كان؟ ومتى كان؟ وعلى أيّ شىء كان؟

فاستوى عليٌّ جالسًا وقال: «معشر اليهود، اسمعوا مني ولا تبالوا ألّا تسألوا أحدًا غيري، إن ربي هو الأول لم يبدُ ممّا ـ أي ليس له بداية ـ، ولا ممازج معما ـ أي لا يحلّ في شىء ـ، ولا حالٌّ وهمًا  ـ أي ليس كما يقتضي الوهم ـ، ولا شبح يُتَقَصَّى ـ أي ليس جسمًا ـ، ولا محجوب فَيُحْوَى  ـ أي لا يحويه مكان ـ، ولا كان بعدَ أن لم يكن فيقال حادث، بل جلَّ أن يُكَيَّف المكيّف للأشياء كيف كان، بل لم يزل ولا يزول لاختلاف الأزمان ولا لتقلّب شأن بعد شأن، وكيف يوصف بالأشباح، وكيف ينعت بالألسن الفصاح، مَن لم يكن في الأشياء فيقال بائن([6])، ولم يبن عنها فيقال كائن، بل هو بلا كيفية» اهـ.

ثم قال: «علمه بالأموات البائدين كعلمه بالأحياء المتقلّبين، وعلمه بما في السموات العلى كعلمه بما في الأرض السفلى وعلمه بكل شىء، لا تحيّره الأصوات، ولا تشغله اللغات، سميع للأصوات المختلفة بلا جوارح له مؤتلفة، مدبّر بصير، عالم بالأمور، حيٌّ قيّوم، سبحانه كلّم موسى تكليمًا بلا جوارح ولا أدوات، ولا شفة ولا لَهَوات([7])، سبحانه وتعالى عن تكييف الصفات، من زعم أن إلهنا محدود، فقد جهل الخالق المعبود» اهـ. فمن زعم أن الله له حجم وكميّة فقد جهل خالقه لأنَّ معرفته بالله لم تصحّ.

وروى الإمام المقدَّم الأستاذ أبو منصور البغداديّ([8]) أن عليًّا كرّم الله وجهه قال: «كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان» اهـ. أي بلا مكان، لأنَّه تعالى موجود بلا كيفٍ ولا مكان، فلو كان لله تعالى مكان وجِهة لكان له أمثال وأبعاد وطول وعرض وعمق، ومن كان كذلك كان مُحدَثًا مخلوقًا محدودًا له حجم محتاجًا لِمن حدَّه بِالطول والعرض والعُمق.

وفي الكتاب نفسه([9]) روى البغداديّ أنّ الإمام عليًّا رضي الله عنه قال: «إن الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانًا لذاته» اهـ. رواهما في بيان الأصول التي اجتمع عليها أهل السنّة. فالله تبارك وتعالى هو خالقُ السَّمـوات السبع والأرضين والعرش والكرسيّ وخالق الأماكن كلها، لذلك لا يجوز أن يُعتقد أنَّ الله تعالى موجود في مكان أو في كل الأمكنة أو أنَّه موجود في السَّماء، أو مُتمكّن وجالس على العرش، أو مُنبَثّ ومنتشر في الفضاء، أو أنَّه قريبٌ منا أو بعيدٌ بالمسافة، تعالى الله سبحانه وتنـزَّه عن هذه الكيفيات كلها.

وقد سئل الإمام عليّ رضي الله عنه([10]): «أين كان ربّنا قبل أن يخلق السماء والأرض؟» فقال: «أين توجب المكان، وكان الله عزّ وجلّ ولا مكان» اهـ.

وفي كتاب بحر الكلام([11]) لأبي المعين النسفي([12]) عن سيّدنا عليّ رضي الله عنه أنّه سئل: أين كان ربّنا قبل أن يخلق العرش، فقال رضي الله عنه: «أين سؤال عن المكان، وكان الله ولا مكان ولا زمان، وهو الآن كما كان» اهـ.

وقال رضي الله عنه أيضًا([13]): «إن الذي أيّن الأين لا أين له، وإنّ الذي كيّف الكيف لا كيف له» اهـ. ومعناه أن الذي خلق المكان لا يحتاج إلى المكان، والذي خلق الكيفيّات ـ وهي كل ما كان من صفات المخلوقين ـ لا كيف له.

وقوله: «إن الذي أيّن الأين لا أين له» معناه أن الله موجود لا مكان له، لأن الله هو الذي خلق المكان وقد كان موجودًا قبله بلا مكان ولا جهة، ولا يزال الله كما كان في الأزل بلا مكان ولا جهة.

وقوله: «وإن الذي كيّف الكيف لا كيف له» أي أن الله هو خالق الأجرام وصفاتها، فلا يجوز أن يكون جِرْمًا أو أن يتصف بصفات الجِرْم، والجِرْم هو الجسم. فمعرفة الله لا تُطلب بالتصوُّر ولا بالتوهُّم، لأنَّ حكْم الوهم يُؤدّي إلى الغلط. بعض الجهال من شدة جهلهم لا يقبلون أن يعتقدوا بوجود الله تعالى دون أن يتصوَّروه، يقولون: كيف نعتقد بوجود موجود دون أن نتصوَّره؟ فيقال لهم: الله تبارك وتعالى لا يجوز أن تُطلَبَ معرفته بالتصوُّر لأن الله ليس شيئًا يُتصوَّر، لذلك مهما أتعب الإنسانُ فكْرَهُ ليتصوَّرَ اللهَ بزعمه لن يصل إلى نتيجة صحيحة لأن الله لا صورة له، فكيف يُتَصَوَّر ما ليس له صورة. ثم إن الله هو خالق كل وهم، فلا تطلب معرفته سبحانه بالأوهام والأفكار، ولم يُكلفنا الله باتباع الوهم إنما كلفنا باتباع الشرع، والقرآن أثبت أن الله تبارك وتعالى لا تدركه الأوهام والأفكار، قال تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ {103} (الأنعام) أَيْ لا تُحِيطُ به الأوهامُ([14]).

زد على ذلك أن من أسماء الله المصَوِر أي خالق الصّوَرِ وكيفياتها فحاشى له أن يوصف بالصورة والكيفية، والصّورة هي التخاطيط ذوات التراكيب،  قال الله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ {8} (الانفطار)، والمركَّب محتاج إلى من ركَّبه، وتلك صفة المخلوق، والله خالق وليس بمخلوق.

وأهل السُّنَّة هداهم الله تعالى ووفَّقهم للمعاني التي توافق الشرع والعقل فنزَّهوا الله عن الصورة والمثل، أما أولئك الذين لا يقبلون إلا أنْ يتصوَّروا الله فمحرومون من هذا، محرومون من التفكر الذي أمرنا الله تعالى به في قوله سبحانه: أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَىْءٍ (الأعراف). فالله تعالى أمرنا بالتفكر في مصنوعاته (أي مخلوقاته) حتى نعرفَ أنه لا يشبهها، وهذه الآية تأمرنا بالتفكر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى، والتفكر في خلق الله مطلوب، لأنه يقوّي اليقين بوجود الله وقدرته وعلمه، أما التفكر في ذات الله فممنوع، لأنه سبحانه وتعالى لا يشبه شيئًا، فلا يمكن لنا تصوّره في نفوسنا.

[1] ) نجم المهتدي ورجم المعتدي، ابن المعلم القرشيّ، ص551.

    ابن المعلم هو محمد بن محمد بن عثمان بن عمر بن عبد الخالق بن حسن القرشيّ المصريّ فخر الدين بن محيي الدين، ولد في شوال 660هـ، كان فاضلًا، وولي قضاء بلد الخليل وأذرعات، وله مصنفات، توفي سنة 725هـ بدمشق. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ابن حجر، 4/197.

[2] ) لأنّ الذي وصف الله بالجسم والأعضاء ما عرَفَهُ وما أثبت وجوده على الوجه اللائق به فيكون منكرًا لوجود الله. المجسّمة يعترفون باللسان بوجود الله لكنّهم يعبدون غيره، يعبدون شكلًا وصورة، فهم مشركون أنكروا ما يليق به سبحانه.

 

[3] ) حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني، 1/73.

 

[4] ) حلية الأولياء، أبو نُعَيْم الأصبهاني، 1/72، 73.

    أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهانيّ، ت 430هـ، أبو نعيم، حافظ مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية. ولد ومات في أصبهان. من تصانيفه: «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»، و«معرفة الصحابة»، و«طبقات المحدثين والرواة». الأعلام، الزركلي، 1/157.

[5] ) يزعم اليهود أن الله يسكن السماء ويجلس على العرش، وهذا ضدّ المعتقد الحق.

 

[6] ) الله لا يشبه أحدًا من خلقه.

 

[7] ) «اللَّهاةُ: اللَّحْمَةُ المُشْرِفَةُ على الحَلْقِ أَو ما بين مُنْقَطَعِ أصْل اللِسانِ إلى مُنْقَطَعِ القلْبِ من أعْلَى الفَمِ، والجمعُ: لَهَواتٌ ولَهَياتٌ ولُهِيٌّ ولِهِيٌّ ولَـهَاءٌ ولِـهَاءٌ» اهـ. القاموس المحيط، الفيروزأبادي، مادة ل هـ و، ص 1718.

 

[8] ) الفرق بين الفرق، البغداديّ، ص 333.

    عبد القاهر بن طاهر الأسفرايينيّ، ت 429هـ، عالم متفنن، من أئمة الأصول. كان صدر الإسلام في عصره، ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان فاستقر في نيسابور، وفارقها على أثر فتنة التركمان، قال السبكي: «ومن حسرات نيسابور اضطرار مثله إلى مفارقتها» اهـ. ومات في أسفرائين. كان يدرّس في سبعة عشر فنًّا. من تصانيفه: «أصول الدين»، و«الناسخ والمنسوخ»، و«تفسير أسماء الله الحسنى»، و«فضائح القدرية»، و«تأويل المتشابهات في الأخبار والآيات»، و«الفَرْق بين الفِرَق». الأعلام، الزركلي، 4/48.

[9] ) الفرق بين الفرق، البغداديّ، ص333.

 

[10] ) الكامل في اللغة والأدب، المبرد، 1/55. العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي، 2/92.

 

[11] ) بحر الكلام، أبو المعين النسفي، ص117.

 

[12] ) ميمون بن محمد بن محمد بن معبد بن مكحول، أبو المعين النسفي الحنفي، ت 508هـ، عالم بالأصول والكلام. كان بسمرقند وسكن بخارى. من كتبه: «بحر الكلام »، و«تبصرة الأدلة» في الكلام، و«التمهيد لقواعد التوحيد»، و«العمدة في أصول الدين». الأعلام، الزركلي، 7/341.

 

[13] ) التبصير في الدين، الأسفراييني، ص162.

 

[14] ) مفاتيح الغيب، الرازي، 13/98.