الْمُصَوِّرُ:
الذي أَنشَأَ خَلقَهُ على صُوَرٍ
مختلفَةٍ تَتَمَيَّزُ بها على اختلافِها وكَثرَتِها ﭧﭐﭨ ﭐﱡﭐ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﳆﱠ([1])
وقالَ تعالى: ﭐﱡﭐﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨﱬﱠ([2])
قيلَ في تفسيرِها: أيْ لم يخلُقْهُم
منكوسينَ كالبهائمِ ([3]).
فاللهُ تعالى يُرْسِلُ مَلَكًا، والملَكُ
يفعلُ ذلكَ بإذنِ اللهِ تعالى يُدْخِلُ الملَكُ يَدَهُ في بطنِ المرأةِ التي هيَ
حاملٌ فَيُصَوِّرُ الجنينَ بإذنِ اللهِ تعالى وأمرِهِ مِنْ غيرِ أنْ تحسَّ المرأةُ
فالملائكةُ أجسامٌ لطيفةٌ، والمصوِّرُ سبحانَه ليسَ مصوَّرًا، فالذي يصوِّرُ في
الأرحامِ منزهٌ أنْ يكونَ لهُ صورةٌ منزهٌ عنِ الشكلِ والهيئةِ سبحانَه، فاللهُ
تعالى أنشأَهُ حتى انتقلَ مِنْ طورٍ إلى طورٍ، مِنْ طَوْرِ النطفةِ إلى أنْ جعلَه
جنينًا مؤلَّفًا مِنْ لحمٍ وعظمٍ، ثُمَّ جعلَ فيهِ الروحَ ثم أخرجَه مِنْ بطنِ أمِّه،
ثم جعلَه في الوقتِ الذي شاءَ أنْ يَتَكَلَّمَ فيهِ يَتَكَلَّمُ فيعبرُ عمَّا في
ضميرِه، ثم أعطاهُ قوةً بعدَ ضعفٍ كانَ عليهِ، فبعدَ أنْ كانَ ضعيفًا لا يحمي نفسَه
مِنَ المهلِكاتِ جعلَه يَقْوَى على حِفْظِ نفسِه وحفظِ غيرِه فجعلَه رجلًا، فهذهِ
الأطوارُ التي تَطَوَّرَهَا ليستْ إِلَّابخلْقِ اللهِ قالَ اللهُ تعالى: ﱡﭐﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹﱺ ﱻ ﱼ ﱽﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂﱠ([4]).
مَسْئَلَةٌ مُهِمَّةٌ:
بعضُ الأحاديثِ يوهمُ ظاهرُها نسبةَ الصورةِ أوِ الكيفيةِ للهِ تعالى فلا بدَّ
مِنْ حَمْلِهَا على معنىً يليقُ باللهِ تعالى، ومنهَا ما وردَ عنِ النبيِّ ﷺ:
((فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ ءَادَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) ([5]):
§
وَاعْلَمْ
أَنَّ هَذَا الحَدِيْثَ مِمَّا ضَلَّ فِي تَفْسِيْرِهِ البعضُ فَقَالَ: ”
إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَهُ صُوْرَةٌ لَا كَالصُّوَرِ” وَالعِيَاذُ بِاللهِ
عَزَّ وَجَلَّ.
§
قَالَ
القَاضِي عِيَاضٌ في الردِّ على مَنْ قالَ بنسبةِ الصورةِ للهِ عزَّ وجلَّ:
“وَالَّذِي قَالَهُ لَا يَخْفَى فَسَادُهُ لِأَنَّ الصُّوْرَةَ تُفِيْدُ
التَّرْكِيْبَ، وَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْدَثٌ، وَالبَارِئُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
لَيْسَ بِمُحْدَثٍ فَلَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وَمَا لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ فَلَيْسَ
بِمُصَوَّرٍ. وَهَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْمُبْتَدِعَةِ: “إِنَّ البَارِئَ
جَلَّ وَعَزَّ جِسْمٌ لَا كَالأَجْسَامِ، لَمَّا رَأَوْا أَهْلَ السُّنَّةِ
قَالُوا: شَىْءٌ لَا كَالأَشْيَاءِ، فَقَالُوا: جِسْمٌ لَا كَالأَجْسَامِ”([6])
ثُمَّ قَالَ عَنْ هَذَا الحَدِيْثِ: ” وَقَدْ رَوَاه بَعْضُهُم: “إِنَّ
اللهَ خَلَقَ ءَادَمَ عَلَى صُوْرَةِ الرَّحَمنِ”([7])
وَلا يَثْبُتُ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ ([8])
([9])“.
§
وَقَالَ
العِرَاقِيُّ([10]):
” صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ عَلَى صُورَةِ الْمَضْرُوبِ”([11]).
§
وَقَالَ
السُّيُوْطِيُّ: ” وَأَحْسَنُ مَا قِيْلَ فِي تَأْوِيله إِنَّ الْإِضَافَةَ
لِلتَّشْرِيْفِ كَنَاقَةِ اللهِ وَبَيْتِ اللهِ أَيْ الصُّورَةِ الَّتِي
اخْتَارَهَا لآدَمَ”([12]).
فاللهُ تعالى منزهٌ عنِ الصورةِ والكيفيةِ والشكلِ
والحدِّ والمقدارِ لأَنَّها مِنْ صفاتِ المخلوقاتِ فقدْ قالَ
أبو سليمانَ الخطابيُّ: إِنَّ الذي يجبُ علينا وعلى كلِّ مسلمٍ أنْ يعلَمَه أَنَّ
ربَّنا ليسَ بذي صورةٍ ولا هيئةٍ، فإِنَّ الصورةَ تقتضي الكيفيةَ وهيَ عنِ اللهِ
وعنْ صفاتِه منفيةٌ.اهـ ([13])
([8]) قال النووي: قال المازري: ورواه بعضهم إن الله خلق آدم على صورة
الرحمن، وليس بثابت عند أهل الحديث، وكأن من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له وغلط
في ذلك.اهـ المنهاج في شرح صحيح مسلم بن
الحجاج ج 16 ص 141.
([9])
قال المناوي: فيتعين إجراء ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من
إيراده على ما جاء بغير اعتقاد تشبيه أو تأويله على ما يليق بالرحمن جل وعلا .اهـ
فيض القدير للمناوي ج 1 ص 397.
([10])العراقي الحافظ
الإمام الكبير الشهير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي
بكر ابن إبراهيم العراقي حافظ العصر، ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة بمنشأة المهراني
بين مصر والقاهرة، واشتغل بالعلوم وأحب الحديث فأكثر من السماع وتقدم في فن الحديث
بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة. كالسبكي والعلائي والعز بن
جماعة وغيرهم ونقل عنه الشيخ جمال الدين الإسنوي في المهمات ووصفه بحافظ العصر مات
في ثامن شعبان سنة ست وثمانمائة.اهـ طبقات الحفاظ للسيوطي ج 1 ص 543.