الخميس فبراير 19, 2026

في كتاب التوحيد[(159)]، باب قوله تعالى {…وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} : «وَدَنَا الجَبَّار رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنهُ قَابَ قَوسَينِ أَو أَدنَى».

قال الإمام أبو سليمان الخطَّابي (388هـ) في كتابه «أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري»[(160)]: قلتُ: إنما سردنا هذه القصة بطولها ولم نختصر موضع الحاجة منها لبشاعة ما وقع فيها من الكلام الذي لا يليق بصفة الله تعالى، ولا ينبغي لمسلم أن يعتقده على ظاهره، وهو قوله: (وَدَنَا الجَبَّار رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنهُ قَابَ قَوسَينِ أَو أَدنَى)، وذلك أن هذا يوجب تحديد المسافة بين أحد المذكورَين وبين الآخَر وتمييزَ مكانِ كلِّ واحدٍ منهما هذا إلى ما في التدلّي من التشبيه والتمثيل له بالشىء الذي يعلو من فوق إلى أسفل، فمن لم يَبلُغْه من هذا الحديث إلا الفصلُ مقطوعًا عن غيره منه ولم يَعتَبِرْه بأوّل القصة، وآخرِها اشتَبَه عليه وَجهُ الحديثِ ومعناه، وكان قُصاراه إمَّا رَدُّ الحديثِ على وجهه وإمَّا حملُه على أسوأ ما يكون من التأويل الذي هو عين التشبيه، وكلاهُما خُطَّتان مرغوبٌ عنهما، وليس في هذا الكتاب حديثٌ أشنَع ظاهرًا وأبشعُ مَذاقًا من هذا الحديث» ثم قال: ألا تراه يقول في أول الحديث: (جاءَه ثلاثةُ نفر قبل أن يوحَى إليه)» وقال[(161)]: ثم إن القصة بطولها إنما هي حكاية يحكيها أنس بن مالك، ويُخبِر عنها من تلقاء نفسه لم يَعزُها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا رواها عنه ولا أضافها إلى قوله، فحاصلُ الأمر في التَّدَلِّي وإطلاقِ اللفظِ به على الوجه الذي تضمَّنه الخَبَر أنه رأيُ إمَّا أنس بن مالك، وإمَّا راويه شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، فإنه كثيرُ التّفرّد بمناكير الألفاظ في مثل هذه الأحاديث إذا رواها من حيث لا يُتابعُه عليها سائرُ الرواة، وأيُّهما صَحَّ هذا القول عنه أُضيف إليه فقد خالفَه فيه عامة السلف المتقدِّمين والعلماءُ وأهلُ التفسير والتأويلِ منهم ومن المتأخرين» وقال[(162)]: ولم يَثبُت في شىء مما رُوِيَ عن السلف أن التّدلّي مُضافٌ إلى الله سبحانه جلَّ ربُّنا عن صفات المخلوقين ونُعوتِ المربوبين المحدودين. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن أنس من غير طريق شريك بن عبد الله، فلم تُذكَر فيه هذه الألفاظُ البَشِعة، فكان ذلك مما يُقوّي الظَّنَّ أنها صادرةٌ من قِبَل شريك، والله أعلم. وفي هذا الحديث لفظةٌ أُخرى تَفرَّد بها شريك أيضًا لم يَذكُرها غيرُه وهي قوله: (فقال وهو مكانَه) والمكانُ لا يُضاف إلى الله سبحانه، إنما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم ومُقامُه الأولُ الذي أُقيم فيه» وقال[(163)]: هذا منتهى القول فيما تيسَّر من تفسير أحاديثِ الجامع الصحيح، وقد اختصَرنا الكلام في عامَّتِها إلا في مواضع لم نجد من إشباع القولِ فيها بُدًّا لإشكالها وغُموضِ معانيها» اهـ.

وقال ابن بطَّال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (449هـ) في كتابه «شرح صحيح البخاري»[(164)]: وأما قوله: (فدنا الجبار رب العزة) فهو دنو محبة ورحمة وفضيلة لا دنو مسافة ونقلة لاستحالة النقلة والحركة على الباري إذ لا يجوز أن تحويه الأمكنة» اهـ.

قال القاضي عياض المالكي اليحصبي (544هـ) في كتابه «الشفا»[(165)]: – الزيادة – (ودنُوِّ الرب عز وجل) الواقعة في هذا الحديث إنما هي من رواية شريك عن أنس فهي منكرة من روايته» اهـ.

وقال محمد بن يوسف الكرماني (786هـ) في كتابه «شرح الكرماني على صحيح البخاري»[(166)]: – قال – الخطابي: ليس في هذا الكتاب حديث أبشع مذاقًا ولا أشنع ظاهرًا من هذا الحديث لقوله (ودنا الجبار فتدلى حتى كان قاب قوسين أو أدنى) فإن الدنو يوجب تحديد المسافة، والتدلي إذا اعتبر الناظر أول الحديث بآخره لا يشكل عليه، وإن كان في الرؤيا فبعضها مثل ضرب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله، ثم إن القصة إنما يحكيها أنس بعبارته من تلقاء – نفسه – لم يعزها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا رواها عنه، ولا أضافها إلى قوله، ثم إن شريكًا كثير التّفرّد بمناكير لا يتابعه عليها سائر الرواة، ثم إنهم أولوا التدلي، فقيل تدلى جبريل بعد الارتفاع حتى رآه النبي متدليًا كما رآه مرتفعًا، وقيل تدلى محمد شاكرًا لربه على كرامته، ولم يثبت في شىء صريحًا أن التدلي مضاف إلى الله تعالى، ثم أولوا المكان بمكان النبي صلى الله عليه وسلم » اهـ. وكذا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) في كتابه «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»[(167)].

وفي كتاب «كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري» ومعه «التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح» للزركشي (794هـ) [(168)]، يقول الحافظ ابن الجوزي وبدر الدين الزركشي: «ومنها قوله (دنا الجبار) وعائشة تروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي دنا فتدلى جبريل» اهـ.

وقال الحافظ أبو الفرج ابن رجب الحنبلي (795هـ) في «فتح الباري – لابن رجب»[(169)]: وقد تفرَّد شريك بهذه الألفاظ في هذا الحديث، وهي مما أُنكِرت عليه فيه» اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) في كتابه «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»[(170)]: وفي رواية شريك عن أنس كما سيأتي في التوحيد (حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة تبارك وتعالى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه خمسين صلاة)، الحديث، وقد استشكلت هذه الزيادة» وقال[(171)]: قوله (ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى) في رواية ميمون المذكورة (فدنا ربك عز وجل فكان قاب قوسين أو أدنى)، قال الخطابي: ليس في هذا الكتاب يعني صحيح البخاري حديث أشنع ظاهرًا ولا أشنع مذاقًا من هذا الفصل؛ فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشىء الذي تعلق من فوق إلى أسفل، قال: فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعًا عن غيره ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قصاراه ما رد الحديث من أصله وإما الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما» اهـ.

ـ[159]   كتاب التوحيد (ص1358 رقم الحديث 7517).

ـ[160]   أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (المملكة العربية السعودية، جامعة أم القرى، المسمى معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة، الطبعة الأولى 1409هـ الجزء الرابع ص2352).

ـ[161]   أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (ص/2353).

ـ[162]   أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (ص/2354 – 2355).

ـ[163]   أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (ص/2358).

ـ[164]   شرح صحيح البخاري مكتبة الرشد، (الطبعة الثانية 1423هـ، الجزء العاشر ص510).

ـ[165]   الشفا (دار الكتب العلمية، الجزء الأول ص193).

ـ[166]   شرح الكرماني على صحيح البخاري (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1431هـ الجزء الثاني عشر ص383 – 384).

ـ[167]   فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (دار الريان – القاهرة، الطبعة الأولى 1407هـ، الجزء الثالث عشر ص492).

ـ[168]   كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري، (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1424هـ الجزء الثامن ص400).

ـ[169]   فتح الباري – لابن رجب، دار ابن الجوزي – الدمام، الطبعة الثانية 1422هـ، في باب: كيف فُرِضَت الصلاة في الإسراء، (2/ص114).

ـ[170]   فتح الباري بشرح صحيح البخاري» دار المعرفة-بيروت 1379هـ، الجزء السابع ص216).

ـ[171]   فتح الباري بشرح صحيح البخاري (ج13/483).