الخميس يناير 22, 2026

روى البخاري في صحيحه في كتاب المناقب[(90)]: «حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيمَانَ عَن شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي نَمِرٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيْلَةِ أُسرِيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِن مَسجِدِ الكَعبَةِ جَاءَهُ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَن يُوحَى إِلَيهِ».

ورواه أيضًا في كتاب التوحيد[(91)]، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان[(92)]، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السمـوات وفرض الصلوات.

فالمذكور في هذه الرواية أن الإسراء كان قبل أن يوحى للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأما غيرها من الروايات فليس فيها ذلك.

قال القاضي عياض اليحصبي المالكي (544هـ) في كتابه «الشفا»[(93)] بعد أن ذكر رواية مسلم للحديث من طريق ثابت البناني عن أنس رضي الله عنهما: جوَّد ثابت رحمه الله هذا الحديث عن أنس ما شاء ولم يأتِ أحد عنه بأصوب من هذا وقد خَلَّط فيه غيره عن أنس تخليطًا كثيرًا لا سيما من رواية شريك بن أبي نَمِر» ثم قال: وقد قال شريك في حديثه (وذلك قبل أن يوحى إليه) وذكر قصة الإسراء ولا خلافَ أنها كانت بعد الوحي» وقال[(94)]: «والإسراء بإجماعٍ كان بعد المبعث» اهـ.

وقال في كتابه «إكمال المعلم بفوائد مسلم» في شرحه على صحيح مسلم[(95)]: «وقد جاء في مسلم من رواية شريك في هذا الحديث اضطراب وأوهام، وأنكرها عليه العلماء، وقد نبَّه مسلم على ذلك بقوله (فقدَّم وأخَّر وزاد ونقص منها). قوله (وذلك قبل أن يوحى إليه) وهو غلط لم يوافق عليه، فإن الإسراء أقل ما قيل فيه: إنه كان بعد البعثة بخمسة عشر شهرًا» ثم قال[(96)]: «وقال ابن إسحاق: أسري به وقد فشى الإسلام بمكة والقبائل» ثم قال: «كما أن العلماء مجمعون أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون هذا كله قبل أن يوحى إليه؟» اهـ.

فلا تأويل بعد الإجماع، إذ لا يُقبَل التأويل بقولهم (قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء أو الصلاة). ومثله قال الحافظ النووي الشافعي (676هـ) في شرحه على صحيح مسلم[(97)]، وقال أيضًا[(98)]: «قال الحافظ عبد الحق رحمه الله في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد ذكر هذه الرواية: هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس، وقد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأتِ أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث» اهـ.

ونقل محمد بن يوسف الكرماني (786هـ) في كتابه «شرح الكرماني على صحيح البخاري» قول القاضي عياض وقال[(99)]: «وشريك ليس بالحافظ وهو منفرد به عن أنس، وسائر الحفاظ لم يرووا عنه كذلك»[(100)] اهـ.

وفي كتاب «كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري» ومعه «التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح» للزركشي (794هـ) يقول الحافظ ابن الجوزي[(101)]: «- قولهم- (جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه) قد أنكرت هذه الزيادة وقيل ليست بمحفوظة» وقال[(102)]: «أو أن يكون في الحديث تخليط من الرواة، وقد انزعج لهذا الحديث أبو سليمان الخطابي وقال: هذا الحديث منام[(103)]، ثم هو حكاية يحكيها أنس ويخبر بها من تلقاء نفسه، لم يعزها إلى رسول الله ولم يروها عنه، وما ذكر فيه من التدلي[(104)] إما رأي أنس، وإما من شريك بن عبد الله ابن أبي نمر، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ، قال[(105)]: وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك فلم يذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، فكان ذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من شريك، قال: وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرد بها شريك ولم يذكرها غيره وهي قوله (فقال وهو مكانه)[(106)]، والمكان لا يضاف إلى الله تعالى، وإنما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك قال القاضي أبو يعلى في (المعتمد): إن الله لا يوصف بالمكان. وقد قال أبو محمد بن حزم الأندلسي: في هذا الحديث ألفاظ مقحمة[(107)]، والآفة فيها من شريك. منها: قوله (قبل أن يوحى إليه) فإن المعراج كان بعد الوحي بنحو اثنتي عشرة سنة».

وقال بدر الدين الزركشي[(108)]: (فيه حديث شريك) عن أنس وقد خلط فيه شريك بأشياء، وذكر ألفاظًا منكرة، وقدَّم وأخَّر، ووضع الأنبياء في غير مواضعهم في السمـوات[(109)]، وقد خالفه الثقات الحفاظ عن أنس، وقد رواه قتادة عن أنس وأتى به ملخصًا مرتبًا على ما تقدم من حديث المعراج، وكذلك رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس على نحو رواية قتادة فليستمسك برواية هذين الإمامين عن أنس، ولا يعوَّل على رواية شريك، قاله أبو العباس القرطبي. وقال ابن حزم: في هذا الحديث ألفاظ معجمة فمنها قوله: قبل أن يوحى إليه وهو باطل ولا خلاف أن الإسراء كان بعد النبوة بمدة» اهـ.

وقال أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن المُلقّن (804هـ) في كتابه «التوضيح لشرح الجامع الصحيح»[(110)]: وقوله في حديث أنس: (جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه) ليس في أكثر الروايات هذه اللفظة، وإن تكن محفوظة فلم يأته في عقب تلك الليلة، بل بعدها بسنين، لأنه إنما أسري به قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل لسنتين، وقيل لسنة، ذكره كله ابن التين» اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) في كتابه «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»[(111)]: وقوله (وقبل) (قبل أن يوحى إليه) أنكرها الخطابي وابن حزم وعبد الحق والقاضي عياض والنووي، وعبارة النووي وقع في رواية شريك – يعني هذه – أوهام أنكرها العلماء، أحدها قوله (قبل أن يوحى إليه) وهو غلط لم يوافق عليه، وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي»، وقال[(112)]: «وقد سبق إلى التنبيه على ما في رواية شريك من المخالفة مسلمٌ في صحيحه؛ فإنه قال بعد أن ساق سنده وبعض المتن: فقدم وأخر وزاد ونقص. وسبق ابنَ حزم أيضًا إلى الكلام في شريك أبو سليمان الخطابي كما قدمته، وقال فيه النسائي وأبو محمد ابن الجارود: «ليس بالقوي»، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه. نعم، قال محمد بن سعد وأبو داود: «ثقة»، فهو مختلف فيه فإذا تفرَّد عُدَّ ما ينفرد به شاذًّا، وكذا منكرًا على رأي من يقول: المنكر والشاذ شىء واحد. والأولى التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيرُه، والجواب عنها إما بدفع تفرُّدِهِ وإما بتأويله على وفاق الجماعة، ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيرَه من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك» اهـ.

وكذا قال التَّاوُدي (1209هـ) في «حاشية التَّاوُدي ابن سودة على صحيح البخاري»[(113)].

وقال بدر الدين العيني الحنفي (855هـ) في كتابه «عمدة القاري شرح صحيح البخاري»[(114)]: قوله: (قبل أن يوحى إليه)، قيل: ليس في أكثر الروايات هذه اللفظة، وأن تلك محفوظة فلم يأته عقيب تلك الليلة، بل بعدها بسنتين، لأنه إنما أسري به قبل الهجرة بثلاثة سنين، وقيل بسنتين» وقال[(115)]: وقال النووي جاء في رواية شريك أوهام أنكرها العلماء، من جملتها أنه قال ذلك (قبل أن يوحى إليه) وهو غلط لم يوافق عليه، وأيضا العلماء أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي. قوله (ابن مالك) هو أنس بن مالك، كذا وقع في كثير من النسخ وصرح في بعضها أنس بن مالك رضي الله عنه.

ثم إن البخاري أورد حديث الإسراء من رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر في أوائل كتاب الصلاة، وأورده من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة في بدء الخلق وفي أوائل البعثة قبيل الهجرة، وفي صفة النبي عن إسماعيل بن أبي أويس، وأخرجه مسلم في الإيمان عن هارون بن سعيد الأيلي» ثم قال: «قوله (قبل أن يوحى إليه) أنكرها الخطابي وابن حزم وعبد الحق والقاضي عياض والنووي، وقد مضى الآن ما قاله النووي، وقد صرح هؤلاء المذكورون بأن شريكا تفرد بذلك» اهـ.

وقال الحافظ السيوطي (911هـ) في كتابه «الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج»[(116)]: (قبل أن يوحى إليه) هذا مما أنكر على شريك في هذا الحديث، فإن المعروف أن الإسراء بعد البعثة، وتلك الليلة فرضت الصلاة، حتى تجاسر ابن حزم وادعى أن هذا الحديث موضوع، وانتقد على الشيخين حيث أخرجاه» ثم نقل قول ابن طاهر: «وأكثر ما يقال إن شريكًا وهِم في هذه اللفظة ولا يُرَدُّ جميع الحديث بوهم في لفظة منه، ولعله أراد أن يقول (بعد أن يوحى إليه) فجرى على لسانه (قبل) غلطًا» اهـ.

وقال أبو يحيى زكريا بن محمد الأنصاري (926هـ) في كتابه «تحفة الباري بشرح صحيح البخاري»[(117)]: «إذ الإسراء كان بعده – أي بعد نزول الوحي – بلا ريب» اهـ.

وقال المحدث أحمد بن محمد بن الصديق الغماري (1380هـ) في كتابه «فتح الملك العلي»[(118)]: «كحديث الإسراء الذي رواه البخاري ومسلم من رواية شريك فإن فيه زيادات باطلة مخالفة لما رواه الجمهور، وُهِّمَ فيها شريك، إلا أن مسلمًا ساق إسناده ولم يسق لفظه» اهـ.

فتبين بما ذكرنا من النقول أن الرواية التي فيه قبل أن يوحى إليه هي مما تفرد به شريك عن أنس وخالفه فيها غيره من الرواة. فإما التأويل وإما أن يحكم بوهم شريك فيها.

ـ[90] صحيح البخاري كتاب المناقب: باب كان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه، (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421هـ ص652 رقم الحديث 3570).

ـ[91] صحيح مسلم كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: {…وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} ، (ص1358 رقم الحديث 7517).

ـ[92] كتاب الإيمان: باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، ص80 رقم الحديث 262 (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421هـ).

ـ[93] كتاب الشفا (دار الكتب العلمية، الجزء الأول ص179 – 180).

ـ[94] الشفا (ص/193).

ـ[95] إكمال المعلم بفوائد مسلم، في شرحه على صحيح مسلم (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1427هـ، المجلد الأول ص362).

ـ[96] إكمال المعلم بفوائد مسلم، في شرحه على صحيح مسلم (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1427هـ، المجلد الأول ص362).

ـ[97] دار الكتاب العربي طبعة 1407هـ، (2/ص209 – 210).

ـ[98] دار الكتاب العربي طبعة 1407هـ، (ص/210).

ـ[99] شرح الكرماني على صحيح البخاري (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1431هـ).

ـ[100]   ونقل الكرماني أيضًا قول النووي (ص/382).

ـ[101]   كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1424هـ الجزء الخامس ص30).

ـ[102]   كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري (الجزء الثامن ص400).

ـ[103]   لأنه في أول الرواية أن أنسا قال: جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام إلخ.

ـ[104]   أي في رواية أنس التي فيها: ودنا للجبار رب العزة فتدلى حتى كان منذ تاب قوسين أو أدنى.

ـ[105]   أي أبو سليمان الخطابي.

ـ[106]   أي في قوله: فعلا به (أي علا جبريل بالنبي) فقال وهو مكانه يا رب خفف عنا.

ـ[107]   أي مزيدة وليست منه.

ـ[108]   (الجزء الثامن ص399 – 400).

ـ[109]   الذي في رواية شريك أنه رأى ءادم في الأولى وهو صحيح وأما غيره فلا لأنه جعل إدريس في الثانية والذي في الصحيح أنه في الرابعة، وجعل هارون في الرابعة والذي في الصحيح أنه كان في الخامسة، وجعل إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة والذي في الصحيح أن إبراهيم كان في السابعة وموسى في السادسة.

ـ[110]   التوضيح لشرح الجامع الصحيح (دار الفلاح، إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – دولة قطر، الطبعة الأولى 1429هـ، المجلد العشرون ص149).

ـ[111]   فتح الباري بشرح صحيح البخاري (دار الريان – القاهرة، الطبعة الأولى 1407هـ، الجزء الثالث عشر ص488).

ـ[112]   فتح الباري بشرح صحيح البخاري (13/493 – 494).

ـ[113]   حاشية التَّاوُدي ابن سودة على صحيح البخاري (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1428هـ، الجزء السادس ص563 – 564).

ـ[114]   عمدة القاري شرح صحيح البخاري (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421هـ، الجزء السادس عشر ص162).

ـ[115]   عمدة القاري، كتاب التوحيد (ج25/ص256).

ـ[116]   الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، دار الأرقم، (المجلد الأول ص302).

ـ[117]   تحفة الباري بشرح صحيح البخاري (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1425هـ، الجزء الرابع ص159).

ـ[118]   فتح الملك العلي (الطبعة الثانية 1428هـ، ص130 – 131).