باب الظروف
والظرف نوعان فظرف أزمنه *** يجري مع الدهر وظرف أمكنه
والكل منصوب على إضمار في *** فاعتبر الظرف بهذا واكتفي
تقول صام خالد أياما *** وغاب شهرا وأقام عاما
وبات زيد فوق سطح المسجد *** والفرس الأبلق تحت معبد
والريح هبت يمنة المصلي *** والزرع تلقاء الحيا المنهل
وقيمة الفضة دون الذهب *** وثم عمرو فادن منه واقرب
وداره غربي فيض البصره *** ونخله شرقي نهر مره
اعلم أن كل فعل لا بد له من وقت ومكان يقع ذلك الفعل فيه، فإذا ذكرت وقت الفعل أو مكانه معه نصبته لأنه مفعول فيه ويسمى ظرف الفعل كالظروف التي توضع فيها الأمتعة كقولك: كسا زيد عمرا ثوبا يوم الجمعة تحت المنبر، فكسا: فعل ماض، وزيد: فاعله، وعمرا: مفعول أول، وثوبا: مفعول به ثان، ويوم الجمعة: زمان الفعل، وتحت المنبر: مكانه، فهما منصوبان على إضمار في، أي في يوم الجمعة وفي تحت المنبر، فاعتبر بذلك في ظروف الزمان الجارية مع الدهر أي السائرة بسيره، فالدهر كل الزمان وهي أبعاضه المعبر بها عن أوقاته كعام، وسنة، وشهر، ويوم، ويومين، وساعة، ووقت، وزمان، وظهر، وعصر، وعشاء، ومنه: “صام خالد أياما”، وشهرا، وعاما وجئتك عشاء، وظروف المكان كالجهات الست السابقة وهي فوق وتحت ووراء وأمام ويمين وشمال وما أدى معناها كأعلى، وأسفل وتجاه، وحذاء، وتلقاء، وخلف، وقدام، وغربي، وشرقي، ودون، ولدن، وثم بفتح التاء المثلثة، وأمثلة ذلك ظاهرة في النظم.
فائدة: “الفرس الأبلق” الأبيض، و”الحيا” مقصورا سبق أنه المطر، و”المنهل” المنصب بشدة، و”دون” هنا بمعنى تحت، و”ثم” يشار بها إلى المكان البعيد نحو: {وإذا رأيت ثم رأيت} [سورة الإنسان/20] أي هناك، و”فيض البصرة” موضع زيادة دجلتها، و”مره” رجل كمعبد وخالد وزيد.
وقد أكلت قبله وبعده *** وخلفه وإثره وعنده
أي وهذه من الظروف وإنما أفردها هنا لأنها تصلح لأن تكون ظروف زمان وظروف مكان باعتبار ما تضاف إليه فإن أضفتها إلى زمان كقولك: صمت بعد الخميس وقبل السبت وإثر رمضان وخلف شعبان وعند طلوع الفجر، وشبه ذلك، نصبتها نصب ظروف الزمان، وإن أضفتها إلى ما هو ظرف مكان وقلت مثلا: داري قبل المسجد وبعد الحمام وخلفه وعنده، نصبتها نصب ظروف المكان.
وعند فيها النصب يستمر *** لكنها بمن فقط تجر
وأينما صادفت في لا تضمر *** فارفع وقل يوم الخميس نير
أي أن “عند” ملازمة للظرفية فلا يدخلها الرفع بحال وكذا الجر إلا بمن فقط أي فحسب، نحو: {ولو كان من عند غير الله} [سورة النساء/82]، وأما غيرها من أسماء الزمان والمكان فإنها لا تنصب إلا إذا كانت مفعولا فيها، وسبق أن ذلك يعتبر بإدخاله في عليها، فإن صح جرها بفي فهي ظرف وإلا فهي كغيرها من الأسماء على حسب ما تقتضيه عوامل الإعراب فإذا قلت مثلا: أقبل يوم الجمعة فهو فاعل، و”يوم الخميس نير” أي كثير النور فهو مبتدأ، وفضل الله يوم الجمعة، فهو مفعول به، أو سألت عن يوم الجمعة، فهو مجرور، وحينئذ يحمل قول الشيخ: “فارفع” على ما إذا ابتدأت النطق بها كما في: “يوم الخميس نير” وعبارته توهم أن الظرف منصوب على نزع الخافض وليس كذلك بل على تضمن معناها.