(الإيمان بعذاب القبر) لقسم من الناس (ونعيمه) لقسم منهم (وسؤاله)
(قال الله تعالى) فى سورة غافر (﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب﴾) والمعنى أن النار تعرض عليهم ففى الآية قلب للمبالغة كما دل عليه حديث الشيخين وابن مردويه عن ابن عمر مرفوعا أى يحصل لهم ذلك مرتين مرة أول النهار ومرة ءاخر النهار والآية صريحة فى أن هذا العرض قبل يوم القيامة وظاهر أنه ليس فى الدنيا فلم يبق إلا أن يكون حصوله بعد الدفن ولذلك قال البقاعى فى نظم الدرر إن هذه الآية نص فى عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب اﻫ (وقال تعالى) فى سورة طه (﴿ومن أعرض عن ذكرى﴾) أى أعرض عن الإيمان (﴿فإن له معيشة ضنكا﴾) أى معيشة ضيقة ﴿ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ ففى الآية بيان أن المعيشة الضيقة تحصل له قبل يوم القيامة وقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذاب القبر كما رواه مرفوعا ابن حبان والطبرانى من طريق أبى هريرة رضى الله عنه والبيهقى من طريقه وطريق أبى سعيد الخدرى رضى الله عنهما (فهاتان الآيتان واردتان فى عذاب القبر للكفار وأما عصاة المسلمين من أهل الكبائر الذين ماتوا قبل التوبة فهم صنفان صنف يعفيهم الله من عذاب القبر) فلا يصيبهم (وصنف يعذبهم) الله فى القبر (ثم ينقطع عنهم) العذاب (ويؤخر لهم بقية عذابهم إلى الآخرة فقد روى البخارى ومسلم والترمذى وأبو داود والنسائى عن ابن عباس) رضى الله عنهما أنه قال (مر رسول الله) صلى الله عليه وسلم (على قبرين فقال إنهما ليعذبان) أى أثبت لهما العذاب فى القبر (وما يعذبان فى كبير إثم) أى بحسب ما يتوهم الناس (قال بلى) أى فى الحقيقة إنهما يعذبان فى ذنب كبير (أما أحدهما فكان يمشى بالنميمة) وهى نقل الكلام بين اثنين للإفساد بينهما (وأما الآخر فكان لا يستتر من البول) أى لا يتنزه من البول بل يتلوث به (ثم دعا) رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعسيب رطب) أى بغصن نخل أخضر (فشقه اثنين فغرس على هذا واحدا) من جهة رأسه (وعلى هذا واحدا) من جهة رأسه أيضا (ثم قال لعله يخفف عنهما) أى لعل عذاب القبر يخفف عنهما ما دام هذان الشقان رطبين كما يدل عليه رواية البخارى وفيها لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا اﻫ قال ابن دقيق العيد فى إحكام الأحكام وغيره إن التسبيح إذا حصل بحضرة الميت حصلت له بركته فخفف عنه من العذاب وهذا يطرد فى كل ما فيه رطوبة فى النبات وكذلك ما فيه بركة كالذكر وتلاوة القرءان من باب أولى ولهذا استحب العلماء قراءة القرءان عند القبر وأما ما رواه مسلم من أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فأحببت بشفاعتى أن يرفه عنهما فليس فيه نفى فائدة الجريد الرطب بل تشفع النبى صلى الله عليه وسلم بأن يكون فى تسبيح الجريد الأخضر فائدة للميت المسلم فيخفف عنهما بذلك ثم ينسحب ذلك على من يكون بعدهما ولهذا أوصى بعض الصحابة أن يجعل على قبره الجريد وكذا بعض التابعين واستمر ذلك بعدهم فى الأمة إلى أيامنا ولو لم يكن نفع فى وضع الجريد على القبر لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لكان عبثا وهو عليه الصلاة والسلام منزه عنه بل الأصل فى أفعاله هذه عليه الصلاة والسلام أنها للتعليم ولتقتدى بها الأمة لا للخصوصية كما ذكره الأصوليون.
(واعلم أنه ثبت فى الأخبار الصحيحة) المرفوعة والموقوفة (عود الروح إلى الجسد فى القبر) أى بعد الدفن (كحديث البراء بن عازب) الطويل (الذى رواه الحاكم والبيهقى وأبو عوانة وصححه غير واحد) وفيه ويعاد الروح إلى جسده اﻫ (وحديث ابن عباس) رضى الله عنهما (مرفوعا ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام) اﻫ (رواه ابن عبد البر) فى التمهيد والاستذكار بإسناد صحيح كما نقل المناوى فى فيض القدير عن الحافظ العراقى (و)رواه الحافظ (عبد الحق الإشبيلى وصححه) فى كتاب العاقبة له (فيستلزم ذلك رجوع الروح إلى البدن كله وذلك ظاهر الحديث أو إلى بعضه. ويتأكد عود الحياة فى القبر إلى الجسد مزيد تأكد فى حق الأنبياء فإنه ورد من حديث أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم) قال (الأنبياء أحياء فى قبورهم يصلون) اﻫ (صححه) الحافظ (البيهقى) فى جزء حياة الأنبياء (وأقره الحافظ) ابن حجر العسقلانى فحكم بقوته فى الفتح ويشهد له ما رواه مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم مر ليلة الإسراء بقبر موسى عليه الصلاة والسلام وهو قائم يصلى فيه اﻫ وغير ذلك (وروى البخارى ومسلم عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال إن العبد إذا وضع فى قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان ما كنت تقول فى هذا الرجل محمد) صلى الله عليه وسلم (فأما المؤمن) أى الكامل (فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا) أى ويعرف حينذاك فضل الإسلام معرفة عيانية كما كان يعرف فى الدنيا معرفة قلبية (وأما الكافر أو المنافق) شك الراوى (فيقول لا أدرى كنت أقول ما يقول الناس فيه فيقال) أى له (لا دريت ولا تليت) أى لا عرفت إهانة له (ثم يضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه) أى ضربة لو ضرب بها الجبل لاندك (فيصيح صيحة يسمعها من يليه) أى من حيوان (إلا الثقلين) أى الإنس والجن فإن الله حجب تلك الصيحة عن أسماعهم ولولا ذلك لما تدافن الناس. (وعن عبد الله ابن عمرو) بن العاص (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فتانى القبر) أى الملكين اللذين يمتحنان الناس فى القبر (فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه أترد علينا عقولنا يا رسول الله) أى عند السؤال (قال نعم كهيئتكم اليوم) اﻫ أى فيكون الجواب بالجسد والروح (قال فبفيه الحجر) أى فسكت سيدنا عمر رضى الله عنه وانقطع عن الكلام لأنه سمع خلاف ما كان يظنه (وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قبر الميت أو الإنسان) شك الراوى (أتاه ملكان أسودان أزرقان) أى لونهما أسود ممزوج بزرقة (يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير فيقولان له ما كنت تقول فى هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم فهو قائل) أى فى الجواب لهما (ما كان يقول) أى قبل الموت (فإن كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقولان له إن كنا لنعلم أنك لتقول ذلك ثم يفسح له فى قبره سبعين ذراعا فى سبعين ذراعا) أى إن كان تقيا (وينور له فيه فيقال له نم فينام كنوم العروس الذى لا يوقظه إلا أحب أهله) إليه أى بلا قلق ولا وحشة (حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك فإن كان منافقا) أى ومثله الكافر المعلن (قال لا أدرى كنت أسمع الناس يقولون شيئا فكنت أقوله فيقولان له إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يقال للأرض التئمى فتلتئم عليه) أى فتضيق (حتى تختلف أضلاعه) أى تتشابك (فلا يزال معذبا حتى يبعثه الله تعالى من مضجعه ذلك) اﻫ (والحديثان رواهما ابن حبان وصححهما) ورواهما غيره كذلك (ففى الأول منهما إثبات عود الروح إلى الجسد فى القبر والإحساس وفى الثانى إثبات استمرار الروح فى القبر وإثبات النوم) فيه (وذلك ما لم يبل الجسد) وأما بعد بلاه فالروح تنتقل من القبر ولا تكون فيه. (وهذا النعيم) فى القبر هو (للمؤمن القوى وهو الذى يؤدى الفرائض ويجتنب المعاصى وهو الذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الدنيا سجن المؤمن وسنته) أى دار جوع وضيق له أى إن الدنيا بالنسبة لما يلقاه من النعيم فى الآخرة كالسجن والسنة (فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة) اﻫ (حديث صحيح أخرجه ابن حبان يعنى المؤمن الكامل. ثم إذا بلى الجسد كله ولم يبق إلا عجب الذنب) وهو عظم صغير قدر حبة خردل (يكون روح المؤمن التقى فى الجنة وتكون أرواح عصاة المسلمين أهل الكبائر الذين ماتوا بلا توبة بعد بلى الجسد فيما بين السماء والأرض وبعضهم فى السماء الأولى وتكون أرواح الكفار بعد بلى الجسد فى سجين وهو مكان فى الأرض السفلى) فوق جهنم (وأما الشهداء فتصعد أرواحهم فورا إلى الجنة) مع أن أجسادهم لا تبلى وتكون أرواحهم فى جوف طير خضر تأكل من ثمار الجنة وتأوى إلى قناديل معلقة بالعرش فتتنعم أرواحهم بهذه الطريقة.
(تنبيه. يستثنى من السؤال) أى من سؤال الملكين (النبى والشهداء أى شهداء المعركة وكذلك الطفل أى الذى مات دون البلوغ فإن قيل كيف يمكن سؤال عدد كثير من الأموات) الذين دفنوا فى وقت واحد (فالجواب ما قال الحليمى إن الأشبه أن يكون ملائكة السؤال جماعة كثيرة يسمى بعضهم منكرا وبعضهم نكيرا فيبعث إلى كل ميت اثنان منهم) اﻫ ويجوز أن يكونا اثنين فقط ولكل منهما أشباح كثيرة تديرها روح واحدة.