الثلاثاء فبراير 10, 2026

(توحيد الله فى الفعل)

   التوحيد الذى أمرنا الله به هو اعتقاد وحدانية الله فى ذاته وفى صفاته وفى فعله فمعنى كون الله واحدا فى ذاته أن ذاته ليس مركبا ولا يقبل الانقسام لأنه منزه عن الحجم والحد ومعنى كون الله واحدا فى صفاته أن صفاته تعالى لا تشبه صفات غيره ومعنى كونه تعالى واحدا فى فعله أن الله تعالى هو الخالق الذى يبرز الأشياء من العدم إلى الوجود من غير أن يشاركه فى ذلك أحد فلا فاعل على هذا الوجه إلا الله وهو معنى ما قاله الإمام أبو الحسن الأشعرى إن التوحيد هو التفرد النافى للاشتراك والازدواج فى الذات والفعل والصفة لأنه فى ذاته غير منقسم وفى نعته لا مثل له وفى تدبيره لا شريك له فهو واحد من هذه الأوجه اﻫ فالله سبحانه وتعالى خالق الأسباب والمسببات (روى عن الجنيد) البغدادى (إمام الصوفية العارفين عندما سئل عن التوحيد أنه قال اليقين ثم استفسر عن معناه فقال إنه لا مكون لشىء من الأشياء من الأعيان والأعمال خالق لها إلا الله تعالى ا قال تعالى) فى سورة الصافات (﴿والله خلقكم﴾) أى خلق ذواتكم (﴿وما تعملون﴾) أى أعمالكم فما مصدرية مؤولة هى وما بعدها بالمصدر[1] والمراد أن كل شىء من المخلوقات سواء كان ذاتا أم صفة لم يخلقه أحد إلا الله تعالى كما قال ربنا عز وجل ﴿هل من خالق غير الله﴾ (و)كما (قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن الله صانع) أى خالق (كل صانع وصنعته) اﻫ أى وعمله (رواه الحاكم والبيهقى وابن حبان من حديث حذيفة) رضى الله عنه (إذ العباد لا يخلقون شيئا من أعمالهم وإنما يكتسبونها) اكتسابا وليس الخلق لغير الله تبارك وتعالى (فقد قال الله تعالى) فى سورة الرعد (﴿الله خالق كل شىء﴾ تمدح تعالى بذلك) فدل أنه لا يوجد شىء بغير تخليقه (لأنه شىء يختص به) إذ لو كان له فيه شريك لم يكن فى ذلك تمدح له (وذلك يقتضى العموم والشمول للأعيان والأعمال والحركات والسكنات) لأن الأفعال أشياء كالأعيان فوجب أن يكون الله خالقها فإنها لو كانت غير مخلوقة لله لكان الله جل وعز خالقا لقسم من الأشياء دون جميعها ولكان قوله ﴿الله خالق كل شىء﴾كذبا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (و)قد (قال تعالى) فى سورة الأنعام (﴿قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ ساق الله الصلاة والنسك والمحيا والممات فى مساق واحد وجعلها ملكا له) والصلاة والنسك إشارة إلى الأعمال الاختيارية والمحيا والممات إشارة إلى الصفات غير الاختيارية (فكما أن الله خالق الحياة والموت كذلك الله خالق للأعمال الاختيارية كالصلاة والنسك و)خالق (الحركات الاضطرارية من باب الأولى) دلنا القرءان على هذا المعنى دلالة واضحة وبين لنا أن هذا ما يجب علينا الإيمان به (وإنما تمتاز الأعمال الاختيارية أى التى لنا فيها ميل بكونها مكتسبة لنا فهى محل التكليف) أى ما يحاسب العبد على فعله وأما غير الاختيارية فليست مكتسبة لنا. (والكسب الذى هو فعل العبد وعليه يثاب أو يؤاخذ فى الآخرة هو توجيه العبد قصده وإرادته نحو العمل أى) أن (يصرف إليه قدرته فيخلقه الله عند ذلك) ولأجله أضيفت الأفعال الاختيارية إلى العبد ومن هذه الجهة أثيب العبد على ما كان منها خيرا واستحق العقاب على ما كان منها ذنبا (فالعبد كاسب لعمله والله تعالى خالق لعمل هذا العبد الذى هو كسب له وهو من أغمض المسائل فى هذا العلم قال الله تعالى) فى سورة البقرة (﴿لها ما كسبت﴾) أى تنتفع بما عملت من الخير بمشيئتها وقدرتها الحادثتين بإحداث الله لهما (﴿وعليها ما اكتسبت﴾) أى عليها وبال ما عملت من المعاصى بمشيئتها وقدرتها الحادثتين فتستحق العقاب بذلك (فليس الإنسان مجبورا) خاليا عن الإرادة (لأن الجبر ينافى التكليف) والشرع قد صرح بأن الإنسان مكلف.

   (وهذا) أى أن الإنسان مختار تحت مشيئة الله وإن شئت قلت له اختيار تابع لمشيئة الله لا هو مختار استقلالا عن مشيئة الله ولا هو مجرد من الاختيار هذا (هو المذهب الحق وهو خارج عن الجبر والقدر أى) خارج عن (مذهب الجبرية) فليس فيه نفى تكليف العبد (و)خارج عن مذهب (القدرية) فليس فيه نسبة العجز إلى الله.

   (ويكفر من يقول إن العبد يخلق أعماله كالمعتزلة) لأنه كذب بقوله تعالى فى سورة الرعد ﴿قل الله خالق كل شىء﴾ وغيره من الآى (كما قال ابن عباس رضى الله عنه كلام القدرية كفر) اﻫ (والقدرية هم المعتزلة) القائلون بأن مشيئة العبد تنفذ ولا تنفذ مشيئة الله تعالى وأن العبد هو الذى يخلق فعله وليس الله هو الخالق ولذا (قال أبو يوسف) يعقوب بن إبراهيم الأنصارى أكبر أصحاب الإمام أبى حنيفة رضى الله عنهما (المعتزلة زنادقة) اﻫ كيف لا وقد قالوا إن الله كان قادرا على خلق أفعال العباد قبل أن يعطيهم القدرة عليها فلما أعطاهم القدرة عليها صار عاجزا عنها اﻫ وكيف وقد جعلوا مع الله خالقين كثيرين يشاركونه فى صفة الخالقية (و)لذلك (وصفهم) الإمام (أبو منصور) عبد القاهر بن طاهر (التميمى) البغدادى (فى كتابه الفرق بين الفرق بأنهم مشركون) اﻫ (وأبو منصور هو الذى قال فيه ابن حجر الهيتمى هذه العبارة وقال الإمام الكبير إمام أصحابنا) يعنى الشافعية والأشعرية (أبو منصور البغدادى) اﻫ (وهو ممن كتب عنهم البيهقى فى الحديث. ولا تغتر بعدم تكفير بعض المتأخرين لهم) فإنه معاكس لكلام أئمة المذاهب الأربعة (فقد) ثبت عن الإمام الشافعى رضى الله عنه أنه صرح بتكفير بعض رءوس المعتزلة أعنى حفصا المنفرد وقال له لقد كفرت بالله العظيم اﻫ رواه البيهقى وثبت عن الإمام أبى حنيفة رضى الله عنه تكفيرهم كما فى العالم والمتعلم وغيرها من رسائله ونقله عنه الماتريدى والطحاوى وغيرهما من أساطين مذهبه. وثبت عن الإمام مالك تكفيرهم أيضا كما رواه البيهقى وغيره ونقله عنه أبو بكر بن العربى وءاخرون من أساطين المالكية. وكفرهم الإمام أحمد بن حنبل كما رواه عنه ولده عبد الله والإمام البيهقى ونقله عنه أبو الفضل التميمى والحافظ ابن الجوزى وغيرهما من أكابر الحنابلة بل (نقل الأستاذ أبو منصور التميمى البغدادى فى كتابه أصول الدين وكذلك فى كتابه تفسير الأسماء والصفات تكفيرهم عن الأئمة. و)مما (قال الإمام البغدادى فى كتابه تفسير الأسماء والصفات أصحابنا أجمعوا على تكفير المعتزلة) اﻫ (أى الذين يقولون العبد يخلق أفعاله الاختيارية وكذلك الذين يقولون فرض على الله أن يفعل ما هو الأصلح للعباد) أى الذين يزعمون أنه واجب على الله أن يفعل بالعبد ما هو أصلح لهذا الأخير قال علماء أهل السنة لو كان الأمر كذلك لما قدر الرب على أن يخلق غير ما خلق ولخلق العباد كلهم فى الجنة إذ هو الأصلح لهم. (وقوله) أى أبى منصور التميمى (أصحابنا يعنى به الأشعرية والشافعية بل هو رأس كبير فى الشافعية كما قال ابن حجر) الهيتمى (وهو) فوق هذا (إمام مقدم فى النقل معروف بذلك بين الفقهاء والأصوليين والمؤرخين الذين ألفوا فى الفرق فمن أراد مزيد التأكد فليطالع كتبه هذه فلا يدافع نقله بكلام الباجورى وأمثاله) من المتأخرين (ممن هو من قبل عصره) أى الباجورى (أو بعده) فلا يسوغ لمنتسب لمذهب الشافعى رضى الله عنه أن يخالف كلام إمام مذهبه وأصحابه الأوائل كما لا يسوغ لمنتسب إلى مذهب الحنفية أو المالكية أو الحنابلة مخالفة أئمة مذاهبهم وأصحابهم الأوائل فى هذه المسئلة. والعجب من بعض المتأخرين كيف يجرؤون أن يقولوا إن تكفير القدرية فيه خلاف والراجح عدم تكفيرهم اﻫ فإن قالوا ذلك مع جهلهم بما قاله أئمة المذاهب فقد تكلموا بما لم يحيطوا به علما وتسوروا مرتبة ليسوا لها أهلا وإن كانوا قالوا ما قالوا مع علمهم بما قاله الأئمة الأربعة وغيرهم فأمرهم أعجب وأعجب كيف يقدمون رأيهم أو رأى بعض من سبقهم على كلام أئمة الهدى فيجعلون كلام الأئمة مرجوحا ورأيهم المخالف راجحا. ومن أعجب ما رأيت فى هذا الباب كلام بعض المالكية نقل عن الإمام مالك رضى الله عنه النص على تكفير القدرية وأتبع ذلك بنقله تكفيرهم عن السلف عامة ثم قال والراجح عدم تكفيرهم اﻫ ولا أدرى كيف يرجح رأى على خلاف كلام الأئمة ومجموع السلف وهل أخذنا الدين إلا منهم وعن طريقهم وهل يكون القول المخالف لأصولهم بعد ذلك إلا شاذا مبتدعا غير قوى ولا راجح لا يقام له وزن ولا يلتفت إليه والعاصم من الزلل هو الله.

   (وأما كلام بعض المتقدمين من ترك تكفيرهم) أى المعتزلة (فمحمول على مثل بشر) أى بشر بن غياث (المريسى والمأمون) بن الرشيد (العباسى فإن بشرا كان موافقهم فى القول بخلق القرءان) أى فى إطلاق لفظ القرءان مخلوق مع عدم إرادة الكلام الذاتى الذى هو صفة الله تعالى ومع عدم إرادة نفى صفة الكلام عن الله عز وجل (وكفرهم فى القول بخلق الأفعال) أى كفر من يقول بمقالة القدرية إن العبد يخلق فعله (فلا) يحتج بعدم تكفير بعض السلف لهذين وأمثالهما على عدم كفر المعتزلة على الإطلاق أو على نفى التكفير عن القدرية ولا (يحكم على جميع من انتسب إلى الاعتزال بحكم واحد) فلا يقال كل من انتسب إليهم كافر بلا استثناء كما لا يقال إن كل من انتسب إليهم ليس كافرا (و)إن كان (يحكم على كل فرد منهم بكونه ضالا) فإن وصل إلى حد القول بأن الله لم يشأ حصول الشر أو بأن العبد يخلق فعله حكم عليه بالكفر وإن كان اقتصر على القول بالمنزلة بين المنزلتين أو على نفى رؤية أهل الجنة لربهم عز وجل أو نحو ذلك فهو مبتدع فاسق لكن الراجح عدم تكفيره.

(90) أى وعملكم.