الثلاثاء فبراير 10, 2026

(إثبات أن الأسباب العادية لا تؤثر على الحقيقة وإنما المؤثر الحقيقى هو الله)

    السبب كما عرفه علماء التوحيد حادث يتوصل به إلى حادث ءاخر يقال له المسبب بفتح الباء وقد يتخلف فيوجد السبب ولا يوجد المسبب كالدواء يتوصل به إلى الشفاء والطعام يتوصل به إلى الشبع والماء يتوصل به إلى الرى والسكين يتوصل بها إلى القطع والنار يتوصل بها إلى الإحراق وهكذا وليس شىء من الأسباب خالقا لمسبباته فالدواء لا يخلق الشفاء والطعام لا يخلق الشبع والماء لا يخلق الرى والسكين لا تخلق القطع والنار لا تخلق الإحراق وإنما خالق الأسباب ومسبباتها هو الله تعالى وهو المؤثر على الحقيقة ليس غير. وقد تظاهرت الآيات القرءانية والأحاديث النبوية فى الدلالة على ما تقدم واعتضد ذلك أيضا بمشاهدات عديدة ووقائع كثيرة رواها الثقات وقيدها الأكابر ومن جملة ذلك ما (ذكر الحاكم صاحب المستدرك فى تاريخ نيسابور قال سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبرى يقول سمعت أبا العباس عيسى بن محمد بن عيسى الطهمانى المروزى يقول إن الله تبارك وتعالى يظهر ما شاء إذا شاء من الآيات والعبر فى بريته فيزيد الإسلام بها عزا وقوة ويؤيد ما أنزل) على رسول الله صلى الله عليه وسلم (من الهدى والبينات وينشر أعلام النبوة ويوضح دلالة الرسالة ويوثق عرى الإسلام ويثبت حقائق الإيمان منا منه) أى فضلا (على أوليائه وزيادة فى البرهان بهم وحجة على من عاند فى طاعته) فأعرض عن الإيمان به وبرسله (وألحد فى دينه) أى كذبه (ليهلك من هلك عن بينة) أى بعد قيام الحجة عليه (ويحيا من حى عن بينة) أى بعد قيام الحجة أيضا (فله الحمد) أى هو المستحق له (لا إله إلا هو ذو الحجة البالغة) المتينة (والعز القاهر) الذى لا ينازع (والطول) أى الفضل (الباهر) أى القوى الغالب (وصلى الله على سيدنا محمد نبى الرحمة ورسول الهدى وعليه وعلى ءاله الطاهرين السلام ورحمة الله وبركاته. وإن مما أدركنا عيانا وشاهدناه فى زماننا وأحطنا علما به) أى تحققنا منه (فزادنا يقينا فى ديننا وتصديقا لما جاء به نبينا) صلى الله عليه وسلم (ودعا إليه من الحق فرغب فيه من الجهاد من فضيلة الشهداء) أى شهداء المعركة (وبلغ عن الله عز وجل فيهم إذ يقول جل ثناؤه) فى سورة ءال عمران (﴿ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين﴾ أنى وردت فى سنة ثمان وثلاثين ومائتين مدينة من مدائن خوارزم) قاعدة بلاد خراسان (تدعى هزاراسب) ومعناها بالفارسية ألف فرس (وهى فى غربى وادى) أى نهر (جيحون) الذى يفصل بين خوارزم وخراسان وبين بخارى وسمرقند فإذا قيل بلاد ما وراء النهر كان هذا النهر هو المعنى (ومنها) أى هزاراسب (إلى المدينة العظمى) أى الجرجانية قاعدة خوارزم (مسافة نصف يوم وخبرت أن بها امرأة من نساء الشهداء رأت رؤيا كأنها أطعمت فى منامها شيئا فهى لا تأكل شيئا ولا تشرب منذ عهد أبى العباس بن طاهر والى خراسان وكان توفى قبل ذلك بثمان سنين رضى الله عنه ثم مررت بتلك المدينة سنة اثنتين وأربعين ومائتين) أى بعد نحو أربع سنين من سماع خبر تلك المرأة قال (فرأيتها وحدثتنى بحديثها فلم أستقص عليها) بحثا وتتبعا (لحداثة سنى) أى ءانذاك (ثم إنى عدت إلى خوارزم فى ءاخر سنة اثنتين وخمسين ومائتين فرأيتها) حية (باقية ووجدت حديثها شائعا مستفيضا) بين الناس مشهورا (وهذه المدينة على مدرجة القوافل) يمر بها المسافرون وينزلونها فى سفرهم (وكان الكثير ممن نزلها إذا بلغهم قصتها أحبوا أن ينظروا إليها فلا يسألون عنها رجلا ولا امرأة ولا غلاما إلا عرفها ودل عليها فلما وافيت الناحية طلبتها) أى قصدتها للقائها (فوجدتها غائبة على عدة فراسخ) من فراسخ خراسان أو من الفراسخ المعروفة وواحدها ثلاثة أميال والميل أربعة ءالاف خطوة وفراسخ خراسان أطول كما سيأتى قال (فمضيت فى أثرها) أى تبعت أثرها (من قرية إلى قرية فأدركتها بين قريتين تمشى مشية قوية فإذا هى امرأة نصف) أى فى متوسط العمر الغالب (جيدة القامة حسنة الثدية ظاهرة الدم متوردة الخدين ذكية الفؤاد) أى لبيبة (فسايرتنى) أي مشت معى (وأنا راكب فعرضت عليها مركبا) أى دابة تركبها (فلم) تقبل ولم (تركبه وأقبلت تمشى معى بقوة وحضر مجلسى قوم من التجار والدهاقين) أى ملاك الأراضى (وفيهم) أى بين من حضره (فقيه يسمى محمد بن حمدويه الحارثى وقد كتب عنه) الحديث (موسى بن هارون البزار بمكة كهل له عبادة ورواية للحديث و)فيهم أيضا (شاب حسن يسمى عبد الله بن عبد الرحمٰن وكان) على وظيفة أنه (يحلف أصحاب المظالم بناحيته فسألتهم عنها فأحسنوا الثناء عليها وقالوا عنها خيرا وقالوا إن أمرها ظاهر) أى معروف مقرر (عندنا فليس فينا من يختلف فيها قال المسمى عبد الله بن عبد الرحمٰن أنا أسمع حديثها منذ أيام الحداثة) أى الصغر (ونشأت والناس يتفاوضون فى خبرها وقد فرغت بالى لها وشغلت نفسى بالاستقصاء عليها فلم أر إلا سترا وعفافا) أى فلم يعرف عنها ما يعيبها فى دين ولا خلق (ولم أعثر لها على كذب فى دعواها ولا حيلة فى التلبيس) أى الخداع (وذكر أن من كان يلى خوارزم من العمال) أى الولاة (كانوا فيما خلا يستحضرونها) أى يطلبون حضورها (ويحصرونها) إليهم (الشهر والشهرين والأكثر فى بيت يغلقونه عليها) فيحبسونها فيه (ويوكلون من يراعيها) أى يراقبها (فلا يرونها تأكل ولا تشرب ولا يجدون لها أثر بول ولا غائط فيبرونها) أى يحسنون إليها بمال (ويكسونها) أى يعطونها اللباس (ويخلون سبيلها) أى يتركونها (فلما تواطأ) أى توافق (أهل الناحية على تصديقها استقصصتها عن حديثها) أى طلبت منها أن تقصه على (وسألتها عن اسمها وشأنها كله فذكرت أن اسمها رحمة بنت إبراهيم وأنه كان لها زوج نجار فقير معيشته من عمل يده يأتيه رزقه يوما فيوما) أى يحصل كل يوم معيشته ليوم واحد (لا فضل) أى لا زيادة (فى كسبه عن قوت أهله وأنها ولدت له عدة أولاد) قالت (وجاء الأقطع ملك) كفار (الترك) فى ذلك الزمن (إلى القرية) أى مدينة هزاراسب (فعبر الوادى عند جموده إلينا فى زهاء ثلاثة ءالاف فارس وأهل خوارزم يدعونه كسرى) بفتح الكاف (قال أبو العباس) أى عيسى بن محمد الطهمانى (والأقطع هذا كان كافرا عاتيا) أى شديد الظلم (شديد العداوة للمسلمين قد أثر على أهل الثغور) أى أضر بأهل النواحى التى تلى بلاد الكفار (وألح على أهل خوارزم بالسبى والقتل والغارات) أى كرر ذلك عليهم مرة بعد مرة (وكان ولاة خراسان يتألفونه) أى يدارونه (وأشباهه من عظماء) كفار (الأعاجم ليكفوا غاراتهم عن الرعية ويحقنوا) أى يحفظوا (دماء المسلمين فيبعثون إلى كل واحد منهم بأموال وألطاف كثيرة وأنواع من فاخر الثياب وإن هذا الكافر استاء فى بعض السنين على السلطان) قال أبو العباس (ولا أدرى لم ذاك أستبطأ المبار) أى الهدايا (عن وقتها أم استقل ما بعث إليه) أى وجده قليلا (فى جنب ما بعث إلى نظرائه من الملوك فأقبل فى جنوده واستعرض الطرق فعاث وأفسد وقتل ومثل فعجز عنه خيول خوارزم وبلغ خبره أبا العباس عبد الله بن طاهر رحمه الله فأنهض) أى أرسل (إليه أربعة من القواد طاهر بن إبراهيم بن مدرك ويعقوب بن منصور بن طلحة وميكال مولى طاهر وهارون العياض وشحن البلد بالعساكر والأسلحة ورتبهم فى أرباع البلد كل فى ربع فحموا الحريم بإذن الله تعالى ثم إن وادى جيحون وهو الذى فى أعلى نهر بلخ جمد لما اشتد البرد وهو واد عظيم شديد الطغيان كثير الآفات وإذا امتد كان عرضه نحوا من فرسخ وإذا جمد انطبق فلم يوصل منه إلى شىء) من الماء (حتى يحفر فيه كما تحفر الآبار فى الصخور وقد رأيت كثف الجمد عشرة أشبار وأخبرت أنه كان فيما مضى يزيد على عشرين شبرا وإذا هو انطبق صار الجمد جسرا لأهل البلد تسير عليه العساكر والعجل) أى المركبات ذوات الدواليب (والقوافل فينظم ما بين الشاطئين وربما دام الجمد مائة وعشرين يوما وإذا قل البرد فى عام بقى سبعين يوما إلى نحو ثلاثة أشهر. قالت المرأة فعبر الكافر) النهر (فى خيله) بسبب جموده (إلى باب الحصن وقد تحصن الناس وضموا أمتعتهم) إليهم ولم يفرقوها وقصد الكفار أهل البلد (وصبحوا المسلمين) أى هاجموهم صباحا (وأضروا بهم فحصر من ذلك أهل الناحية وأرادوا الخروج) أى إلى خارج السور لقتال الغزاة (فمنعهم العامل دون أن تتوافى عساكر السلطان) أى المرتزقة (وتتلاحق المتطوعة) للجهاد (فشد طائفة من شبان الناس وأحداثهم فتقاربوا من السور بما أطاقوا حمله من السلاح وحملوا) لحماستهم (على الكفرة) وظنوا أنهم يغلبونهم (فتهارج الكفرة) أى تظاهروا بالهزيمة على غير نظام (واستجروهم) أى أغروا شباب المسلمين ليلحقوهم ويخرجوا (من بين الأبنية والحيطان) أى البساتين (فلما أصحروا) أى صاروا فى فضاء لا بنيان فيه (كر) أولئك (الترك عليهم وصار المسلمون فى مثل الحرجة) أى فى وسط الكفار محاطين بهم ولا يوصل إليهم كالشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها الآكلة لترعى (فتحصنوا واتخذوا دارة) أي حاجزا يحوطهم (يحاربون من ورائها وانقطع ما بينهم وبين الحصن وبعدت المعونة عنهم فحاربوا كأشد حرب وثبتوا حتى تقطعت الأوتار) جمع وتر (والقسى) جمع قوس (وأدركهم التعب ومسهم الجوع والعطش وقتل معظمهم وأثخن الباقون بالجراحات. ولما جن عليهم الليل) أى دخل (تحاجز الفريقان) أى توقفا عن محاربة أحدهما الآخر. (قالت المرأة ورفعت النار على المناظر ساعة عبور الكافر) أى لإيصال الخبر بعبوره (فاتصل الخبر بالجرجانية وهى مدينة عظيمة فى قاصية) أى طرف (خوارزم) وهى قاعدتها كما تقدم (وكان) القائد (ميكال مولى طاهر بها فى عسكر فخف فى الطلب) أى أسرع فى قصد الناحية التى عبر الكافر إليها (هيبة للأمير أبى العباس عبد الله بن طاهر رحمه الله وركض إلى هزاراسب فى يوم وليلة أربعين فرسخا بفراسخ خوارزم وفيها فضل كثير على فراسخ خراسان) أى تزيد عليها زيادة كبيرة (وغدا الترك) أى بكروا غدوة (للفراغ من أمر أولئك النفر) أى الجماعة (فبينما هم كذلك إذ ارتفعت لهم الأعلام السود) علامة الجند العباسى (وسمعوا أصوات الطبول) التى ترافق العسكر (فأفرجوا) أى تفرقوا (عن القوم) وانهزموا (ووافى) أى حضر (ميكال موضع المعركة فوارى القتلى) أى غطاهم (وحمل الجرحى) من ساحة القتال إلى حيث يداوون (قالت المرأة وأدخل الحصن علينا عشية ذلك زهاء أربعمائة جنازة فلم تبق دار إلا حمل إليها قتيل وعمت المصيبة وارتجت الناحية بالبكاء قالت ووضع زوجى بين يدى قتيلا فأدركنى من الجزع والهلع عليه ما يدرك المرأة الشابة على زوجها أبى الأولاد وكانت لنا عيال) أى صغار يحتاجون فى معيشتهم إلى من يعيلهم (قالت فاجتمع النساء من قراباتى والجيران يسعدننى على البكاء) أى يساعدننى فى حال بكائى وحزنى (وجاء الصبيان وهم أطفال لا يعقلون من الأمر شيئا) أى لا يدركون معنى هذه المصيبة (يطلبون الخبز وليس عندى ما أعطيهم فضقت صدرا بأمرى ثم إنى سمعت أذان المغرب ففزعت إلى الصلاة) أى بادرت إليها (فصليت ما قضى لى ربى ثم سجدت أدعو وأتضرع إلى الله تعالى وأسأله) أن يلهمنى (الصبر وأن يجبر يتم صبيانى فذهب بى النوم) أى نمت (فى سجودى فرأيت فى منامى كأنى فى أرض خشناء) أى (ذات حجارة وأنا أطلب زوجى) أى أبحث عنه (فنادانى رجل إلى أين أيتها الحرة قلت أطلب زوجى فقال خذى ذات اليمين قالت فأخذت ذات اليمين فرفع لى) أى ظهر لى (أرض سهلة طيبة الرى ظاهرة العشب وإذا) هناك (قصور وأبنية لا أحفظ أن أصفها) أى أعجز عن وصفها (ولم أر مثلها وإذا أنهار تجرى على وجه الأرض بغير أخاديد) أى ليست فى مثل الخنادق و(ليس لها حافات) على صفة أنهار الجنة (فانتهيت إلى قوم جلوس حلقا حلقا) أى فى دوائر (عليهم ثياب خضر قد علاهم النور فإذا هم الذين قتلوا فى المعركة يأكلون على موائد بين أيديهم فجعلت أتخللهم) أى أمشى بينهم (وأتصفح وجوههم) أى أتأملها (أبغى زوجى لكى ينظرنى فنادانى يا رحمة يا رحمة فيممت) أى قصدت (الصوت فإذا به فى مثل حال من رأيت من الشهداء وجهه مثل القمر ليلة البدر وهو يأكل مع رفقة له قتلوا يومئذ معه فقال لأصحابه إن هذه البائسة جائعة منذ اليوم أفتأذنون لى أن أناولها شيئا تأكله فأذنوا له فناولنى كسرة خبز قالت وأنا أعلم حينئذ أنه خبز ولكن لا أدرى كيف يخبز هو أشد بياضا من الثلج واللبن وأحلى من العسل والسكر وألين من الزبد والسمن) أى أشد طراوة منهما (فأكلته فلما استقر فى جوفى قال اذهبى كفاك الله مؤونة الطعام والشراب ما حييت فى الدنيا فانتبهت من نومى شبعى ريى لا أحتاج إلى طعام ولا شراب وما ذقتهما منذ ذلك اليوم إلى يومى هذا ولا شيئا يأكله الناس وقال أبو العباس وكانت تحضرنا وكنا نأكل فتتنحى) أى تبتعد عنا (وتأخذ على أنفها تزعم أنها تتأذى من رائحة الطعام فسألتها أتتغذى بشىء أو تشرب شيئا غير الماء) يعوضها منه (فقالت لا فسألتها هل يخرج منها ريح أو أذى) أى بول أو غائط (كما يخرج من الناس قالت لا عهد لي بالأذى منذ ذلك الزمان قلت والحيض أظنها قالت انقطع بانقطاع الطعم) أى الأكل (قلت هل تحتاجين حاجة النساء إلى الرجال قالت أما تستحي منى تسألني عن مثل هذا قلت إنى لعلى أحدث الناس عنك ولا بد أن أستقصى قالت لا أحتاج قلت فتنامين قالت نعم أطيب نوم قلت فما ترين في منامك قالت مثل ما ترون قلت فتجدين لفقد الطعام وهنا) بسكون الهاء وفتحها الضعف (في نفسك قالت ما أحسست بجوع منذ طعمت ذلك الطعام وكانت تقبل الصدقة فقلت لها ما تصنعين بها قالت أكتسى وأكسو ولدي قلت فهل تجدين البرد وتتأذين بالحر قالت نعم قلت فهل تدرين كلل اللغوب والإعياء إذا مشيت) أى هل تحسين بالتعب عند ذلك (قالت نعم ألست من البشر قلت فتتوضئين للصلاة قالت نعم قلت لم) أى طالما لا يخرج منك ريح ولا بول ولا غائط ولا دم حيض (قالت أمرنى الفقهاء بذلك قلت إنهم أفتوها على حديث لا وضوء إلا من حدث أو نوم وذكرت لى أن بطنها لاصق بظهرها فأمرت امرأة من نسائنا فنظرت) إلى بطنها (فإذا بطنها كما وصفت) أى لاصق بظهرها (وإذا قد اتخذت كيسا فضمت القطن وشدته على بطنها كي لا ينقصف ظهرها إذا مشت) قال أبو العباس عيسى (ثم لم أزل أختلف إلى هزاراسب بين السنتين والثلاث فتحضرنى فأعيد مسألتها) أى سؤالها (فلا تزيد ولا تنقص وعرضت كلامها على عبد الله بن عبد الرحمٰن الفقيه فقال أنا أسمع هذا الكلام منذ نشأت فلا أجد من يدفعه) أى ينكره (أو يزعم أنه سمع أنها تأكل أو تشرب أو تتغوط ا فهذه القصة فيها أن لا تلازم عقلى بين فقدان) بضم الفاء وفتحها (الأكل وبين المرض وذهاب الصحة وانهدام البنية) أى لا يلزم فى حكم العقل من عدم الأكل ذهاب الصحة وإنما جرت العادة بذلك ليس غير ويجوز أن تنخرم هذه العادة (وكذلك سائر الأسباب العادية) لا يلزم فى حكم العقل أن توجد مسبباتها عند وجودها بل (يصح عقلا أن تتخلف مفعولاتها) أى ما يتسبب وينشأ عنها فى العادة (و)ذلك (أن) الأسباب ليست خالقة لمسبباتها وإنما تحصل (الأشياء بمشيئة الله تعالى) فإن لم يشإ الله حصول المسبب لا يحصل ولو وجد السبب وإذا شاء الله حصول المسبب من غير وجود السبب حصل على وفق مشيئة الله تعالى وفى مجابى الدعوة لابن أبى الدنيا القرشى رحمه الله قال أخبرنى العباس بن هشام بن محمد الكوفى عن أبيه عن جده قال  كان رجل من بنى أبان بن دارم يقال له زرعة شهد قتل الحسين رضى الله عنه فرمى الحسين بسهم فأصاب حنكه فجعل يتلقى الدم يقول هكذا إلى السماء فيرمى به وذلك أن الحسين دعا بماء ليشرب فلما رماه حال بينه وبين الماء فقال اللهم ظمئه اللهم ظمئه قال فحدثنى من شهده وهو يموت وهو يصيح من الحر فى بطنه والبرد فى ظهره وبين يديه المراوح والثلج وخلفه الكانون وهو يقول اسقونى أهلكنى العطش فيؤتى بعس[1] عظيم فيه السويق أو الماء واللبن لو شربه خمسة لكفاهم قال فيشربه ثم يعود فيقول اسقونى أهلكنى العطش قال فانقد بطنه كانقداد البعير اﻫ

   (و)تشهد قصة رحمة بنت إبراهيم رحمها الله تعالى أيضا لما دلت عليه النصوص الشرعية من (أن الشهداء لهم حياة برزخية) أى بعد استشهادهم إلى قيام الساعة فتتنعم أرواحهم فى الجنة ويصل أثر هذا النعيم إلى أجسادهم فى القبور فلا تبلى ويبقى جريان الدم فيها كما شوهد ذلك فى شهداء أحد ومن بعدهم ما لا يحصى من المرات.

(تنبيه مهم)

   (لا يعفى الجاهل مما ذكرناه من الأصول) بل يجب وجوبا عينيا على كل مكلف معرفة الله تعالى على ما يجب وذلك بمعرفة أنه ذات لا يشبه الذوات ولا هو معطل عن الصفات ومعرفة ثلاث عشرة صفة منها لا يسلم من الكبيرة من قصر فى معرفتها (ولا يعذر فى ما يقع منه من الكفر) نتيجة ذلك التقصير و(لعدم اهتمامه بالدين) وما ذكره بعض المتأخرين من أنه يعذر بالجهل فى ما لو شبه الله بخلقه أو اعتقد عدم نفاذ مشيئة الله تعالى فى كل مراداته سبحانه أو شتم الله عز وجل أو النبى صلى الله عليه وسلم وهو غير عارف بأن ما اعتقده أو قاله كفر قول فاسد صرح المحققون بأنه خلاف الصحيح فلا يقام له وزن (ولو كان الجهل يسقط المؤاخذة لكان الجهل خيرا من العلم وهذا خلاف قوله تعالى) فى سورة الزمر (﴿قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾) فإنه يدل على أن العلم يعلو على الجهل وأن العالم خير من الجاهل والنصوص الدالة على ذلك كثيرة (إلا أن من كان قريب عهد بإسلام) أى أسلم من وقت قريب (ونحوه) أى شبيه قريب العهد بالإسلام كمن نشأ بعيدا عن أهل العلم (لا يكفر بإنكار) حكم من الأحكام التى لا يستقل العقل بإدراكها بل لا بد لمعرفتها من النقل وليس فى إنكارها جهلا مناقضة للشهادتين وذلك كإنكار (فرضية الصلاة وتحريم الخمر ونحو ذلك إن لم يكن سمع أن هذا) من (دين الإسلام) أى لم يسبق له علم بهذه الأحكام ولا بمثيلها مما يستلزم العلم بها لزوما واضحا لكل أحد فإن من سمع تحريم قول أف للوالد يعرف من ذلك تحريم ضربه ولو لم يكن قد سمع هذه المسئلة بعينها. (والفرض الأول) على الشخص (فى حق الأهل) أى تجاه أهله (تعليمهم أصول العقيدة كى لا يقعوا فى الكفر بجهلهم بالعقيدة) فإن الطفل إذا ترك بلا تعليم قد يعتقد أن الله جسم يسكن السماء أو يتنقل مع الغيم أو يسكن الكعبة أو أن له لونا أبيض أو أسود أو غير ذلك (فإن اعتقدوا أن الله جسم نورانى أبيض أو نحو ذلك فاستمروا بعد البلوغ على ذلك فماتوا عليه خلدوا فى النار نتيجة اعتقاداتهم الفاسدة) هذه. وكم من الناس لا يهتمون بتعليم أولادهم أمور الدين وإنما يعاملون أولادهم معاملة الدواب التى يملكونها فيطعمونهم ويكسونهم ويؤوونهم ويداوونهم إذا مرضوا ولا يهتمون بما وراء ذلك فينشأ الولد كافرا وهو لا يدرى أو يعيش غارقا فى المعاصى وهو لا يعلم نسأل الله أن يعيذنا من مثل ذلك وأما من يهتم بتعلم علم الدين وتعليمه لأهله فهم الأقل فى هذه الأيام بين المنتسبين إلى الإسلام مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم بدأ الدين غريبا وسيعود غريبا اهـ ومصداق قوله صلى الله عليه وسلم فإن من بعدكم أيام الصبر القابض فيها على دينه كقابض على جمر اهـ رواه الحاكم فى المستدرك ومع ذلك فالعاقل لا يترك طريق السلامة ولو قل سالكوها ولا يضيع سبيل الجنة ولو اعترضته المكاره (قال الفضيل بن عياض) رضى الله عنه لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها و(لا يغرنك كثرة الهالكين) اﻫ (فهل هذا الجهل فى العقيدة هو نتيجة محبة الأهل لأبنائهم) أو هو نتيجة إهمال الاعتناء بهم. (وقد قال الله تعالى) فى سورة الذاريات (﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وجاء فى تفسير الآية أى وما خلق الله الجن والإنس إلا ليأمرهم بعبادته) ومن لم يعرف المعبود كيف يعبده ومن لم يعرف أوامر السيد كيف يطيعه (وبعد أن جاءنا الهدى وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وقامت علينا الحجة به) إذ قد أدى الأمانة وبلغ الرسالة كما أمره ربه جل وعز (فلا عذر لنا) بتقصيرنا (قال تعالى) فى سورة الإسراء (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) أى لم يكن الله ليعذب من لم تبلغه دعوة الأنبياء ونحن قد بلغتنا الدعوة فمن أعرض أو زاغ أو فجر أو فسق فلا يلومن إلا نفسه.

(92) العس هو القدح الكبير.