وفي المصدر نفسه يقول ما نصه([9]): «ولا يلزم أيضا أن تسمى جزية ما داموا يأنفون من ذلك وقد أخذ عمر من نصارى بني تغلب الجزية باسم الصدقة تألفا لهم واعتبارا بالمسميات لا بالأسماء».
وفي المصدر نفسه يقول ما نصه([10]): «وقد بينت فيما سبق وجه إيجاب الجزية على الذميين وأنها بدل عن فريضتي الجهاد والزكاة».اهـ.
وفي (ص174) من كتابه المسمى «المدخل لدراسة السنة النبوية» يقول([11]) عن الذين يصرون ويتمسكون بإخراج الزكاة بالقمح مثلا: «وهل التشديد في هذا على الناس اتباع للسنة حقا أم مخالفة لروح السنة التي شعارها دائما يسروا ولا تعسروا».اهـ.
الرد:
لقد شط القرضاوي في غلوائه في مجافاة الصواب وذهب بنفسه مذهبا أفرط فيه بالتطرف في مخالفة الجمهور والإجماع وما عليه الحق وبالغ في نقل الروايات المكذوبة ليشبع هواه وءاراءه الشاذة.
ولا بد ابتداء أن نقسم ما جاء عنه إلى عدة مسائل ليسهل التفنيد والتفصيل.
المسألة الأولى:
يسمي الزكاة ضريبة في كثير من المواضع وقد قال عن زكاة الفطر أيضا ضريبة والعجيب الغريب أنه يسمي الزكاة ضريبة والله سماها زكاة ويرفض تسمية الجزية جزية وقد سماها الله كذلك فقال: {حتى يعطوا الجزية} [سورة التوبة: 29] فيقول: ولا يلزم أن تسمى جزية ما داموا يأنفون من ذلك. ثم افترى على سيدنا عمر برواية مكذوبة أنه أخذ الجزية من نصارى تغلب باسم الصدقة.
فالعجب العجاب يسمي الجزية صدقة، ويسمي الصدقة ضريبة.
والحقيقة هذه من أسخف ما رأيت بالتكلف والتعسف والاعتباط.
ثم إن اسم الضريبة والتي هي المكس والمكس ظلم كما هو معلوم من الدين بالضرورة فلا ينطبق اسم الضريبة على الصدقة أو الزكاة لا في الشرع ولا في اللغة ولا في القانون ولا في العرف. ولكن القرضاوي من شدة إعجاب بنفسه يريد أن يأتي باصطلاحات لم يسبق إليها فتأمل لا بل نتحداه أن يسوق لنا نصا أو كلاما لأحد الأئمة المعتبرين بهذا المعنى.
نقل القرضاوي عن بعض العلماء أنهم أجازوا دفع الزكاة للمصالح العامة كعمارة المساجد وبناء المدارس الإسلامية مفسرين قوله تعالى: {وفي سبيل اللـه} [سورة التوبة: 60] بهذا المعنى العام، وهذا الكلام مردود؛ لأن جمهور المفسرين والإجماع أجمعوا على أن معنى: {وفي سبيل اللـه}، أي: الجهاد في سبيل الله فقط ليس غير وقال بعضهم: يدخل الحج في ذلك أيضا وإلا لو كان الأمر كما قال بعض هؤلاء المتأخرين الذين لا حظ لهم في الاجتهاد لكان الله قال: إنما الصدقات في سبيل الله وعلى ذلك تشمل الفقراء والمساكين والغارمين وفي الرقاب إلى ما هنالك؛ لأن كل ذلك في سبيل الله.
ثم قال القرضاوي بعد أن نقل هذا القول الشاذ قال: وأرى أن يقتصر هذا المصرف على الجهاد الإسلامي، فقول: وأرى أي أنه يزعم أنه من أهل الاجتهاد والرأي وهذا عنه بعيد وكان الحق أن يقول: والحق أن نقول كما ثبت عند كل الأئمة المجتهدين إن وفي سبيل الله هم المجاهدون الغزاة في سبيل الله فقط والحج عند أحمد ليس كل عمل خيري؛ لأن القضية محسومة أساسا ورأيه لا يقدم ولا يؤخر، ورحم الله عبدا عرف حده فوقف عنده. ثم بعد ذلك عاد إلى الخلط والافتراء والاجتهاد المزعوم فقال وما في معناه: أي معنى الجهاد فقال: من كل عمل به رفع راية الإسلام ونصرة دعوته وتحكيم شريعته في الأرض وإعلاء نظامه على كل نظام.
ويدعي قائلا: وبغير الزكاة لا يستحق رحمة الله التي أبى أن يكتبها إلا على المؤمنين المتقين المؤتين للزكاة. وهنا نريد أن نسأله من أين أتى بهذا الحكم على هذا الشكل فالله تعالى قال: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} [سورة الأعراف: 156] والمتقون معناها هنا المتقون للكفر فيموتون على الإيمان ولو كانوا عصاة فمن المعلوم أن المؤمن إذا مات من غير توبة من معاصيه فهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه ولكن لو عذبه لا يخلد في نار جهنم إذ لا يخلد في نار جهنم إلا الكفار الذين حرموا من رحمة الله مطلقا من مماتهم إلى معادهم في الآخرة إلى خلودهم الأبدي في نار جهنم، هؤلاء هم المحرومون.
فمن أين للقرضاوي أن يزعم أن المؤمن إن مات وهو لا يدفع الزكاة فهو محروم من رحمة الله إلا إذا كان يعتقد تكفيره وهذا باطل؛ لأن المسلم لا يكفر لمجرد ارتكاب الكبائر، ومقالتك تدل على تأييدك لفكر الخوارج.
وأما إن زعم أن الزكاة دين والله لا يغفر الدين فالرد عليه في المسألة التالية.
المسألة الثانية:
زعم القرضاوي أن حديث: «يغفر للشهيد كل ذنب إلى الدين» ومن ذلك دين الزكاة إذا أخرها حتى استشهد وهي في ذمته.
الرد:
إن هذا الكلام بلا دليل والمقصود بالدين هو حق العباد وليس حق الله في الزكاة وغيرها فقد قال النبي ﷺ: «السيف محاء الخطايا»([12])، أي: أن الشهيد يغفر له كل شيء من حقوق الله تعالى عليه ومن ذلك إذا قصر في الزكاة. والزكاة هي من حقوق الله على عبده. والحديث الذي فيه أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين ليس معناه: إن كان عليه دين يعذب وإنما معناه: إن الدائن لا يضيع عليه ما أقرضه للشهيد المدين جمعا بينه وبين حديث «السيف محاء الخطايا» لكن القرضاوي جهله أعماه وساقه إلى الخوض بما لا يعلم.
المسألة الثالثة:
لقد أوسع الفرية على سيدنا عمر لما زعم أنه أمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين ثم قال: قال الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [سورة التوبة: 60] وهذا من مساكين أهل الكتاب.
أقول: إن هذه القصة لا أصل لها وهي من أكذب؛ بل أكذب ما روي عن عمر بن الخطاب ونتحدى القرضاوي أن يثبت إسنادها؛ لأن الزكاة لا تعطى إلا لمسلم توفرت فيه شروط استحقاقها.
المسألة الرابعة:
لقد زعمت أن الجزية واجبة على الذميين؛ لأنها تؤخذ كبدل عن الجهاد والزكاة.
نقول لك: من أين لك هذا يا قرضاوي، نتحداك أن تثبت ذلك بآية أو حديث أو بكلام لأهل السلف أو إمام معتبر، ألا يكفيك مثل هذه التحرضات والتوهمات؟
المسألة الخامسة:
يزعم القرضاوي أن الذين يصرون ويتمسكون بإخراج الزكاة بالقمح فهذا تشديد؛ لأنه يرى أن ذلك مخالف لروح السنة وهو تعسير وليس تيسيرا.
الرد:
أنت بهذا الكلام يا قرضاوي تتطاول على أئمة أعلام؛ كالشافعي وغيره وأين مخالفة السنة بزعمك؟ هل قال قائل: إن مذهب الشافعي باطل غيرك.
[1])) انظر: الكتاب (ص206).
[2])) انظر: الكتاب (ص241).
[3])) انظر: الكتاب (ص249).
[4])) انظر: الكتاب (ص252).
[5])) انظر: الكتاب (ص67).
[6])) انظر: الكتاب (ص71)
[7])) انظر: الكتاب (ص77)
[8])) انظر: الكتاب (ص47).
[9])) انظر: الكتاب (ص56).
[10])) انظر: الكتاب (ص55).
[11])) انظر: الكتاب (ص174).
[12])) رواه البيهقي في السنن (9/164)، والطبراني في المعجم الكبير (17/126).