المقالة السادسة والعشرون
* تقول سعاد ميبر ص246 قوله سبحانه: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم في ماأخذتم عذاب عظيم}، أي لولا أن كتاب الله وحكمه سبق بعدم مؤاخذة المجتهد على اجتهاده لعاقبكم بالعذاب العظيم على قبول الفداء ولما نزلت هذه الآية بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى معه أبو بكر رضي الله عنه بكاء شديدا وقال الرسول عليه الصلاة والسلام لعمر رضي الله عنه كاد أن يصيبنا في خلافك بلاء.
ثم قالت: وكان هذا الاجتهاد منه عليه الصلاة والسلام خلاف الأولى.
الرد: في كلامها هذا ما يوهم أن الفداء لم يكن بوحي من الله وهذا باطل وفاسد بل ثبت في الحديث الصحيح أن جبريل خير الرسول صلى الله عليه وسلم بين الفداء وبين الإثخان في قتل الأعداء والأسارى. وهذا الحديث رواه ابن حبان وصححه غيره.
فقولك إنه اجتهد خلاف الحديث بل الرسول عمل بالنص، وما نقل أن الرسول بكى وبكى معه أبو بكر وأنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر كاد أن يصيبنا في خلافك بلاء مردود وإن كان رواه مسلم فالرسول لم يعمل إلا بما أوحي إليه به فأي داع للبكاء.
فرواية مسلم التي انفرد بها رواية معلولة لا يحتج بها لأن فيها مخالفة للأصول، لأن ما وافق عليه الرسول أبا بكر مستحيل شرعا أن يكون سببا للعذاب.
فهذه الرواية خالفت القاعدة الدينية لأن الرسول خيره جبريل بين أن يأخذ الفداء من الكفار وبين أن يقتلهم فاختار الفداء فكيف يترتب على أمر جاء به الإذن من الله عذاب.
ومن أقوى الأدلة على أن الرسول لا يخطئ في اجتهاده قوله صلى الله عليه وسلم: “ما منكم من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله” وفي رواية: “إلا النبي” أخرجه الطبراني في الأوسط وحسنه الحافظ زين الدين العراقي في تخريجه أحاديث إحياء علوم الدين. وهذا صريح في أن الرسول لا يخطئ في اجتهاده كما يخطئ أفراد الامة. وهذا هو قول جمهور الأصوليين وهو الذي يقتضيه أيضا حديث مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر فإذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر”.