الأربعاء يناير 28, 2026

مصطلحات صوفية

اعلم حفظك الله أن لهذه الطائفة الشريفة ألفاظا قد انفردوا بها عمن سواهم، لها معان جليلة ومقاصد كريمة أرادوا بها الكشف عن معانيها لأنفسهم، وسترها عن مخالفهم، وهي معان غامضة على غيرهم ممن باينهم وذلك غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، وهي معان لها أسرار أودعها الله في قلوبهم وها نحن ننقل بعض هذه المصطلحات كما وردت في الرسالة القشيرية باختصار وتصرف:

الوقت، المقام، الحال، القبض والبسط، الوجد، الغيبة والحضور، الصحو والسكر، الذوق والشراب، المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة، القرب والبعد، الشريعة والحقيقة، النفس، الخواطر، الوارد، الشاهد.

الوقت: وهو الزمان.

وقال العارف الشيخ عبد الله الهرري: “الوقت أغلى من الذهب إن لم تصرفه في طاعة الله ذهب”.

وقال الصوفية: “الوقت أعز الأشياء عليك، فاصرفه في أعز الأشياء عليك الله رب العالمين.

وقيل: “يريدون بالوقت ما يصادفهم من التصريف لهم دون ما يشغلك بما لا ينفعك”.

المقام: الإقامة والمنزلة.

وهو ما يتحقق به العبد بمنازلته من الآداب، وما هو مشتغل بالرياضة له.

وشرطه أن لا يرتقى من مقام إلى مقام ءاخر ما لم يستوف أحكام ذلك المقام فإن من لا قناعة له لا يصح له التوكل، ومن لا توكل له لا يصح التسليم، ومن لا توبة له لا تصح له الإنابة، ومن لا ورع له لا يصح له الزهد.

الحال: قيل: هو معنى يرد على القلب من غير تعمد ولا اجتلاب اكتساب من طرب أو حزن أو بسط أو فيض أو شوق أو انزعاج أو هيبة أو اهتياج فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب.

وقال العارف بالله الشيخ عبد الله الهرري: “الحال أمر ذوقي يحصل للشيخ والمريد فيتأثر منه القلب والجسد، لذلك قالوا من ذاق عرف”.

القبض والبسط: وهما حالتان بعد ابتعاد العبد عن حالتي الخوف والرجاء فالقبض للعارف بمنزلة الخوف للمبتدىء بالطريق إلى الله والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمستأنف.

ومن أدنى موجبات القبض أن يرد على قلبه وارد موجبه إشارة إلى عتاب أو رمز باستحقاق تأديب فيحصل في القلب قبض.

وقد يكون موجب بعض الواردات إشارة إلى تقريب أو إقبال فيه لطف وترحيب فيحصل للقلب بسط.

يقول الجنيد: “الخوف من الله يقبضني والرجاء منه يبسطني والحقيقة تجمعني والحق يفرقني”.

الوجد: ما يصادف قلبك ويرد عليك بلا تكلف.

قال المشايخ: “الوجد هو المصادفة والمواجيد ثمرات الأوراد”.

وسئل الشبلي: هل تظهر ءاثار صحة الوجد على الواجدين فقال: “نعم نور يزهر مقارنا لنيران الاشتياق فتلوح على الهياكل ءاثارها”.

الغيبة والحضور: غيبة القلب وحضوره.

فالغيبة هي غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحس بما ورد عليه ثم يغيب إحساسه بنفسه وبغيره بوارد من تذكر ثواب أو تفكر عقاب.

ويقال لرجوع العبد إلى إحساسه بأحوال نفسه وأحوال الخلق إنه رجع عن غيبته فهذا يكون حضورا بخلق والأول يكون حضورا بحق وقد تختلف أحوالهم في الغيبة فمنهم لا تطول غيبته ومنهم من تدوم غيبته.

وروي عن علي بن الحسين أنه كان في سجوده فوقع حريق في داره فلم ينصرف عن صلاته فسئل عن حاله فقال: “ألهتني النار الكبرى عن هذه النار”.

المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة: فالمحاضرة حضور القلب ثم بعدها المكاشفة وهي حضوره بنعت البيان ثم المشاهدة وهي الحضور من غير بقاء تهمة.

ويقال: المشاهدة ما قاله عمرو بن عثمان المكي رحمه الله أنه تتوالى أنوار التجلي على قلبه من غير أن يتخللها ستر وانقطاع كما لو قدر اتصال البروق.

القرب والبعد: فالقرب هو القرب من طاعته والبعد هو التدنيس بمخالفته والتجافي عن طاعته.

فقرب العبد أولا بإيمانه وتصديقه ثم قربه من الحق بإحسانه وتحقيقه ولا يكون قرب العبد القرب المعنوي من الحق إلا ببعده عن الخلق وهذه من صفات القلوب دون أحكام الظواهر والكون وأول البعد بعد عن التوفيق ثم عن التحقيق، وأما القرب بالذات فتعالى الله الملك الحق عنه فإنه متقدس عن الحدود والأقطار والنهاية والمقدار، ما اتصل به مخلوق وما انفصل عنه حادث مسبوق.

الشريعة والحقيقة: فالشريعة التزام بالعبودية والحقيقة طريقة الوصول فكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فأمرها غير مقبول فالشريعة قيام بالأمر والحقيقة شهود لما قضى وقدر وأخفى وأظهر.

واعلم أن الشريعة حقيقة من حيث أنها وجبت بأمره والحقيقة أيضا من حيث أن المعارف به سبحانه أيضا وجبت بأمره.

النفس: ترويح القلوب بلطائف الغيوب وصاحب الأنفاس أرق وأصفى من صاحب الأحوال.

فالأحوال وسائط والأنفاس نهاية الترقي فالله خلق القلوب وجعلها محلا للتوحيد.

فالأوقات لأصحاب القلوب والأحوال لأرباب الأرواح والأنفاس لأهل السرائر.

الخواطر: والخواطر خطابات ترد على القلوب وقد يكون الخطاب بإلقاء ملك أو شيطان أو أحاديث نفس.

وقالوا: إذا كان الخاطر من الملك فإنما يعلم صدقه بموافقة العلم، وإذا كان من قبل الشيطان فأكثره يدعو إلى المعاصي، وإذا كان من النفس فأكثره يدعو إلى اتباع شهوة أو استشعار عبر.

الوارد: ما يرد على القلب من الخواطر المحمودة مما لا يكون بتعمد العبد، والواردات قد تكون وارد سرور أو وارد حزن أو وارد قبض أو وارد بسط إلى غير ذلك من المعاني.

الشاهد: هو ما يكون حاضر قلب الإنسان فكل ما يستولي ذكره على قلب صاحبه فهو يشاهده فإن كان الغالب عليه العلم فهو يشاهد العلم فإن كان الغالب عليه الوجد فهو الوجد فكل ما هو حاضر قلبك فهو شاهدك.