الأحد مارس 15, 2026

فتح مكة

الرابعة والعشرون فتح مكة [39]: في رمضان سنة ثمان، وسبب ذلك نقض قريش بإعانتهم بني بكر الذين دخلوا في عقدهم وعهدهم على خزاعة الذين دخلوا في عهد المصطفى وعقده، فناصوهم سرا حتى قتلوا منهم رجالا فجاء عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء إلى المدينة وأخبراه بمظاهرة قريش بني بكر عليهم وإجابتهم إلى مناصرتهم، ثم قدم أبو سفيان المدينة ليشد العقد ويزيد في المدة فدخل على بنته أم حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فطوته فقال: يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس، فقال: لقد أصابك بعدي شر، ثم خرج فلقي المصطفى فكلمه فلم يرد عليه، فكلم أباب بكر أن يكلم المصطفى فقال: ما أنا بفاعل، فكلم عمر فقال: أنا أشفع لكم والله لو لم أجد إلا الدرة لجاهدتكم بها، فدخل على علي وعنده فاطمة وابنها حسن فقال: يا علي أنت أمس القوم بي رحما جئت في حاجة وذكرها قال: لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلمه، فقال: يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى ءاخر الدهر قالت: ما بلغ ابني أن يجير، قال: يا أبا الحسن قد اشتد الأمر فانصحني قال: ما أعلم شيئا يغني عنك لكنك سيد بني كنانة فقم فاجر بين الناس ثم الحق بأرضك، فقام فقال: أيها الناس قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قدم مكة أخبرهم قالوا: فهل أجاز لك محمد؟ قال: لا، قالوا: فما يغني عنك ما قلت، قال: ما وجدت غير ذلك.

وأمر المصطفى الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه فدخل أبو بكر على عائشة وهي تحرك تصلح بعض الجهاز، قال: أين ترينه يريد؟ قالت: لا أدري، ثم أعلم الناس أنه قاصد مكة وأمرهم بالجد ثم قال: “اللهم خذ الأخبار والعيون عن قريش” ثم خرج في عشرة ءالاف وقيل: في اثني عشر حتى نزل بمر الظهران، وعميت أخباره على قريش فلا يأتيهم عنه خبر، وخرج في تلك الليلة أبو سفيان وحكيم بن حزام يتجسسان الأخبار وكان العباس لقي المصطفى بالطريق مهاجرا بعياله من مكة إلى المدينة قال العباس: فلما نزل مر الظهران قلت: واصباح قريش إن دخل مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاكهم إلى ءاخر الدهر، فجلس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء وخرج لعله يجد بعض الحطابة تأتي مكة فيخبرهم وإذا هو يسمع كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء خرجا وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط، فقال العباس: أبا حنظلة قال: يا أبا الفضل ما لك؟ قلت: هذا رسول الله واصباح قريش، فمال الحيلة، قلت: إن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب على عجز هذه البغلة لآتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، فركب فجئت به كلما مر بنار قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا البغلة قالوا: عم رسول الله على بغلته، حتى مررت بنار عمر فلما رأى أبا سفيان قال: عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدواب الرجل، فدخلت عليه ودخل عمر فقال: هذا أبو سفيان اضرب عنقه، قلت: يا رسول الله إني أجرته، فقال: “اذهب به إلى رحلك فإذا أصبحت فائتني به” فغدوت به فلما رءاه قال: “ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله”، قال: لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد، قال: “ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله” قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك أما هذه ففي نفسي منها شيء حتى الآن فقال له العباس: أسلم قبل أن يضرب عنقك فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله إنه رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا قال: “من دخل دار أبي سفيان فهو ءامن، ومن أغلق عليه بابه فهو ءامن، ومن دخل المسجد فهو ءامن” فذهب لينصرف فقال المصطفى: “يا عباس احبسه بمضيق الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها” ففعل فمرت به القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فيقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمر قبيلة فيقول: من هذه؟ فيقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفذت القبائل فمر المصطفى في كتيبته الخضراء فيها المهاجرين والأنصار [لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: من هؤلاء؟ قال: رسول الله في المهاجرين والأنصار]، قال: يا أبا الفضل قد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، قال: إنها النبوة، قال: فنعم إذا الحق إلى قومك، فجاء فصرخ بأعلى صوته: هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو ءامن، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بلحيته وقالت: [اقتلوا] الشيخ الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم، قال: لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، ولما انتهى المصطفى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة بردة حمراء وأنه ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه به من الفتح حتى إن عثنونه يكاد يمس واسط الرحل، فلما دخل مكة دحل المسجد فأتاه أبو بكر بأبيه يقوده فقال: “هلا تركت الشيخ في بيته حتى ءاتيه” فقال: هو أحق أن يمشي إليك، فمسح صدره وقال له: “أسلم” فأسلم، ورأى كأن رأسه ثغامة فقال: “غيروا هذا بشيء”.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوى الزبير أن يدخل بمن معه من كدى، [وكان على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل من كدى] فذكروا أن سعدا قال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، فسمعها عمر وغيره فقالوا: يا رسول الله ما نأمن أن يكون لسعد في قريش صولة فقال لعلي: “خذ الراية فادخل بها”، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وكان على المدينة فدخل من أسفل مكة فلقيه بنو بكر فقاتلوه فقتل منهم نحو عشرين وانهزموا، وارتفعت طائفة على الجبل وتبعهم المسلمون بالسيوف، ولما علا المصطفى بنفسه كذا نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين فقال: “ألم أنه عن القتال”؟ فقال المهاجرون: نظن أن خالدا قوتل وبدئ بالقتال فلم يكن بد من أن يقاتل من قاتله وما [كان] ليعصيك، وكان المصطفى عهد إلى امرئه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم لكنه أمر بقتل نفر سماهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن أبي سرح وكان أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، ففر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاع فغيبه حتى أتى به المصطفى فاستأمنه له فسكت طويلا ثم قال: “نعم”، فلما انصرف قال لمن حوله: “لقد صمت ليقوم عليه أحدكم فيضرب عنقه؟” قالوا له: هلا أومأت لنا قال: “إن النبي لا ينبغي أن يكون خائنة الأعين”، ومنهم عبد الله بن خطل كان مسلما فارتد فقال: “اقتلوه وإن تعلق بأستار الكعبة” فقتلوه، ومنهم الحويرث بن نفيل كان يؤذي المصطفى بمكة، ولما حمل العباس فاطمة وأم كلثوم ابنتي المصطفى من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث فرمى بهما إلى الأرض فقتله علي يوم الفتح، ولما أتاه خالد قال له: “قد نهيتك عن القتال؟” قال: هم بدأوا ووضعوا فينا السلاح وقد كففت يدي ما استطعت قال: “قضاء الله خير”، وفر صفوان بن أمية عامدا للبحر وعكرمة بن أبي جهل عامدا لليمن فقال عمير بن وهب: يا نبي الله صفوان سيد قومه وقد خرج ليقذف نفسه في البحر فأمنه فإنك أمنت الأحمر والأسود قال: “أدرك ابن عمك فهو ءامن”، فأدركه قال: هذا أمان قد جئتك به قال: اغرب عني لا تكلمني، قال: أي صفوان ابن عمك عزه من عزك وشرفه من شرفك قال: أخافه على نفسي قال: هو أحلم من ذلك، فرجع معه إليه فقال صفوان: هذا يزعم أنك أمنتني قال: “صدق”، قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين قال: “أربعة أشهر” وأقبلت زوجة عكرمة بن أبي جهل وهي مسلمة يومئذ فاستأمنته له فأمنه فأقبل معها فأسلم، فوثب به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا به، وأتته أم هانئ أخت علي وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة فيها أثر العجين وفاطمة بنته تستره بثوبه، فلما اغتسل صلى ثماني ركعات من الضحى ثم قال: “مرحبا وأهلا بأم هانئ ما جاء بك؟” فقالت: نفر إلي رجلان من أحمائي فقال أخي لأقتلنهما فقال: “أجرنا من أجرت يا أم هانئ”.

فلما اطمأن الناس جاء البيت فطاف سبعا على راحلته يستم الحجر بمحجنه، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتح فدخلها ثم وقف على بابها فقال: “لا إله إلا الله صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء الناس لآدم وءادم من تراب” ثم تلا: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} [سورة الحجرات/13] الآية ثم قال: “يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟” قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” ثم جلس بالمسجد فقام علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة بيده فقال: اجمع لنا الحجابة مع السقاية فقال: “أين عثمان بن طلحة” فجاء فقال: “هذا مفتاحك اليوم يوم وفاء وبر” وكان حول البيت أصنام مشدودة بالرصاص فلما طاف جعل يشير بقضيب في يده إليها وهو يقول: “جاء الحق وزهق الباطل” فما أشار لصنم إلا وقع لقفاه، ولما دخل الكعبة أمر بلالا أن يؤذن وكان دخل معه، وأبو سفيان وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة وقال عتاب: قد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا، وقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه محق ما تبعته، وقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصاة، فخرج إليهم المصطفى فقال: “علمت ما قلتم” ثم ذكر لهم ذلك فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد، ثم قام على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم: أترون إذا فتح الله عليه بلده يقيم بها، فلما فرغ قال: “ما أنتم؟” قالوا: لا شيء فلم يزل حتى أخبروه، فقال: “معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم”، ثم أقام بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة وكان فتحها صلحا عند الشافعي وعنوة عند أبي حنيفة، وقيل: أعلاها كان صلحا وأسفلها كان عنوة.

[39] راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/102]، تاريخ ابن جرير [2/152]، الدرر [ص/224]، السيرة النبوية [2/389]، عيون الأثر [2/211]، الكامل [2/239]، فتح الباري [7/519] و[8/3].