الخميس فبراير 19, 2026

غزوة تبوك

السابعة والعشرون غزوة تبوك [43]: وتسمى العسرة والفاضحة، بينها وبين مكة أربع عشرة مرحلة وبينها وبين دمشق إحدى عشرة وهي ءاخر غزوة غزاها بنفسه، وسببها أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل فأمر أصحابه بالتأهب لغزوهم وكان ذلك في شدة من الحر وجدب من البلاد، وكان قلما يخرج لغزوة إلا ورى عنها إلا هذه فإنه بينها للناس لبعد المشقة وكثرة العدو وليتأهب الناس لذلك أهبته، فقال وهو في جهازه للجد بن قيس: “هل لك العام في جلاد بني الأصفر” فقال: يا رسول الله أولا تأذن لي ولا تفتني فلقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه وقال: “أذنت لك” فنزلت: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} [سورة التوبة/49] أي وإن كان إنما خاف الفتنة من النساء وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر لتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة بنفسه عنه، وقال بعض المنافقين لبعضهم: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد وشكا في الحق وارهاجا بالرسول فنزل فيهم: {وقالوا لا تنفروا في الحر} [سورة التوبة/81] الآية.

ثم إنه جد في سفره وحض أهل الغنى على النفقة والحمل في سبيل الله فحمل رجال من الأغنياء وأنفق عثمان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فلما خرج شرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي معه وعلى حدة العسكر أسفل منه نحور باب، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين فلما سار رسول الله تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من أهل الريب، وخلف عليا على أهله وأمره بالإقامة فقال المنافقون: ما خلفه إلا استثقالا وتخفيفا منه فأتاه فأخبره فقال: “كذبوا لكن خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”.

ومضى على سفره ولما مر بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: “لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا من أن يصيبكم ما أصابهم”، وقال: “لا تشربوا من ماء بئرهم ولا تتوضؤوا منه، وما من عجين عجنتموه فاعلفوه الناضح ولا تأكلوا منه” فأصبح الناس لا ماء معهم فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتووا وحملوا، ثم ضلت ناقته فخرج صحبه في طلبها فقال بعض المنافقين: أليس يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، فأطلعه الله على ذلك فقال: “إن رجلا قال كذا وأني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها وهي بالوادي من شعب كذا حبستها شجرة بزمامها” فانطلقوا فوجدوها كذلك، وجعل يتخلف عنه الرجل فيقال له: تخلف فلان فيقول: “دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه” ولما انتهى إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب إيلة فصالحه وأعطى الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرج فأعطوها وكتب لهم كتابا بالأمان، ثم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة وهو رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال لخالد: “تجده يتصيد البقر” فخرج حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة وهو على سطحه ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت امرأته: ما رأيت مثل هذا قط، قال: فمن يترك هذه، فأمر بفرسه فأسرج فركب معه نفر من أهل بيته منهم أخوه حسان وخرجوا بطارقته فلقيهم خيل المصطفى فأخذوه وقتلوا أخاه، وكان عليه قباء ديباج مخوص بذهب فاستلبه خالد فبعث به إلى المصطفى فجعل المسلمون يلمسونه ويتعجبون منه فقال المصطفى: “أتعجبون منه لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منه”، ثم قدم خالد على رسول الله بأكيدر فحقن دمه وصالحه على الجزية فرجع إلى قومه، فأقام رسول الله بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يتجاوزها ثم انصرف قافلا إلى المدينة، والقصة فيها طول جدا فليراجعها من المطولات من أراد.

فهذه سبع وعشرون غزوة غزاها المصطفى بنفسه قاتل منها في سبع: أحد، والخندق، وبدر، وبني قريظة، والمصطلق، وخيبر، والطائف، وحكى أهل السير عن بعض السلف أنه قاتل في بني النضير، وغابة، ووادي القرى المشهور بذي قرد وهو قول الواقدي، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه إنما قاتل في تلك السبع فقط.

 

[43] راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/125]، السيرة النبوية [2/515]، تاريخ ابن جرير [2/181]، الدرر [ص/253]، عيون الأثر [2/267]، الكامل [2/276]، فتح الباري [8/110].