بيان تبرئة يوسف عليه السلام من الهم بالفاحشة
اعلم أن الأنبياء عليهم السلام تجب لهم العصمة من الكفر ومن المعصية الكبيرة وكذا الصغيرة التي فيها خسة ودناءة وكذا كل ما لا يليق بمنصبهم قبل النبوة وبعدها. وأما وصف القرءان ليوسف عليه السلام بالهم فليس فيه دليل على همه بالفاحشة، والمقرر عند العلماء أن ظاهر الآية إذا كان يحتمل وجوها من التفسير منها ما يوافق الحق ومنها ما يخالفه يحمل على المعنى الذي ليس فيه محظور ولا يبطله نقل ولا عقل، لذا فإن القول بأن سيدنا يوسف عليه السلام هم بالزنا بامرأة العزيز أي قصد ذلك فهو كفر لأن فيه طعنا وقدحا بنبي من أنبياء الله، وهي دعوى باطلة بالنقل والعقل. فإذا كان الأمر كذلك يحمل الهم إما على أنه هم بدفعها عنه وإما على أنه لم يحصل منه هم البتة على ما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى، فنقول وبالله التوفيق:
قوله تعالى: وراودته {23} أي طلبت امرأة العزيز واسمها زليخا وهي التي {23} كان هو {23} أي سيدنا يوسف في بيتها {23} أي بمصر عن نفسه {23} أي أن يواقعها بأن يعمل معها ما يفعله الرجل مع زوجته، فأبى ورفض وغلقت الأبواب وقالت هيت لك {23} أي قالت له: هلم وأقبل وتعال قال {23} أي رد عليها سيدنا يوسف عليه السلام بقوله معاذ الله {23} أي أعوذ بالله وأعتصم به وألجأ إليه فيما دعوتني إليه، قاله إنكارا لما طلبت منه ثم قال: إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون {23} وفيه وجهان:
أحدهما: أنه أراد العزيز، قاله مجاهد وغيره، أي هو الذي اشتراني وأحسن مثواي أي أحسن منزلتي وأكرمني وائتمنني فلا أخونه في أهله.
الثاني: أن الضمير في إنه {23} يعود على الله تعالى، قاله أبو حيان والزجاج، أي أن الله خالقي تولاني في طول مقامي ونجاني من الجب. أما معنى قوله تعالى لا يفلح الظالمون {23} أي لا ينجح من ظلم ففعل ما ليس له فعله وجازى الإحسان بالسوء.
قال المفسر أبو حيان في “النهر الماد” ما نصه: “وما أحسن هذا التنصل من الوقوع في السوء استعاذ أولا بالله الذي بيده العصمة وملكوت كل شىء ثم نبه على أن إحسان الله إليه لا يناسب أن يجازى بالسوء، ثم نفى الفلاح عن الظالمين وهو الظفر والفوز بالبغية، فلا يناسب أن أكون ظالما أضع الشىء غير موضعه” اهــ.
ولقد همت به {24} أي قصدت وأرادت وعزمت امرأة العزيز على المعصية والزنا.
وأما تفسير الآية وهم بها لولا أن رأى برهان ربه {24} [سورة يوسف] فاعلم أن أحسن ما قيل في تفسيرها: إن جواب لولا محذوف يدل عليه ما قبله أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها فلم يحصل منه هم بالزنا لأن الله أراه برهانه. وقال بعض المفسرين من أهل الحق إن معنى وهم بها أي هم بدفعها.
ومعنى لولا أن رأى برهان ربه {24} أن الله أعلمه البرهان أنك يا يوسف لو دفعتها لقالت لزوجها دفعني ليجبرني على الفاحشة فلم يدفعها بل أدار لها ظهره ذاهبا فشقت قميصه من خلف فكان الدليل عليها.
أما ما يروى من أن يوسف هم بالزنا وأنه حل إزاره وجلس منها مجلس الرجل من زوجته فإن هذا باطل لا يليق بنبي من أنبياء الله تعالى، قال تعالى في براءة يوسف قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين {51} [سورة يوسف].
قال ابن الجوزي في تفسيره: “ولا يصح ما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل، فإنه لو كان هذا دل على العزم والأنبياء معصومون من العزم على الزنا” اهــ.
وقال فخر الدين الرازي في تفسيره: “إن يوسف عليه السلام كان بريئا عن العمل الباطل والهم المحرم، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين وبه نقول وعنه نذب” اهــ.
وقال المفسر اللغوي أبو حيان الأندلسي في تفسيره: “الذي نقوله: إن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يقع منه هم بها البتة، بل هو منفي لوجود رواية البرهان كما تقول: قارنت لولا أن عصمك الله” اهــ.
قلنا: هذا هو الحق الذي يجب المصير إليه واعتقاده والذب عنه فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن الهم المحرم ومن تسلط الشيطان على قلوبهم فلا يحصل منهم الهم بالزنا ولا إرادة ذلك والقصد على فعله.
كذلك {24} أي كذلك أريناه البرهان لنصرف عنه السوء {24} أي الإثم أو مقدمات الفحشاء والفحشاء {24} أي الزنا إنه {24} أي يوسف عليه السلام من عبادنا المخلصين {24} أي الذين أخلصهم الله لرسالته أي طهرهم واختارهم واصطفاهم للنبوة.
واستبقا الباب {25} يعني يوسف والمرأة تسابقا إلى الباب كل واحد منهما يريد أن يسبق صاحبه، وأراد يوسف أن يسبق ليفتح ويخرج وأرادت هي إن سبقت إمساك الباب لئلا يخرج فأدركته فتعلقت بقميصه من خلفه فجذبته وقدت قميصه {25} أي قطعته وشقته من دبر {25} أي من خلفه لأنه كان هو الأسبق إلى الباب وهي الطالبة له وألفيا {25} أي وجدا وصادفا سيدها {25} أي زوجها لدى الباب {25} أي عند الباب، فلما رأت زوجها طلبت وجها للحيلة وكادت – من الكيد – ف- قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا {25} يعني الفاحشة(إلا أن يسجن) {25} أي يحبس (أو عذاب أليم) {25} أي مؤلم بأن يضرب.
قال {26} أي سيدنا يوسف متبرئا مما رمته به من الخيانة هي راودتني عن نفسي {26} أي هي طلبت مني الفاحشة وأبيت وشهد شاهد من أهلها {26} أي حكم حاكم من أهلها إن كان قميصه قد من قبل {26} أي من قدام فصدقت وهو من الكاذبين {26} وإن كان قميصه قد من دبر {27} أي من خلف فكذبت وهو من الصادقين {27} فلما رأى{28} أي زوجها قميصه قد من دبر قال {28} يعني قال لها زوجها إنه {28} يعني هذا الصنيع من كيدكن {28} يعني من حيلكن ومكركن إن كيدكن عظيم {28} وذلك لعظم فتنتهن.
يوسف {29} يعني قال له زوجها: يا يوسف أعرض عن هذا {29} أي اكتمه ولا تخبر به أحدا لئلا يشيع، ثم قال لزوجته واستغفري لذنبك {29} أي توبي من ذنبك إنك كنت من الخاطئين {29} يعني من المذنبين. قال المفسرون: ثم شاع ذلك الحديث في مصر حتى تحدث بذلك النساء.
يتبين من سياق الآيات أن يوسف عليه السلام بريء من قصد الزنا والهم بفعله، ويستدل لذلك بأمور منها:
– قوله تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء {24}، قال الفخر الرازي: “ذلك يدل على أن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه” اهــ.
– وقال أيضا: “إن الأنبياء عليهم السلام متى صدرت منهم زلة أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع، ولو كان يوسف عليه السلام أقدم ها هنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار، ولو أتى بالتوبة لحكى الله تعالى عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع وحيث لم يوجد شىء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية” اهــ.
وقال أيضا: “واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة: يوسف عليه السلام وتلك المرأة وزوجها والنسوة والشهود، ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أقر ببراءته أيضا عن المعصية، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب. أما بيان أن يوسف عليه السلام ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله عليه السلام هي راودتني عن نفسي {26} وقوله عليه السلام: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه {33}. وأما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة: ولقد راودته عن نفسه فاستعصم {32} وأيضا قالت: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين {51}. وأما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك فهو قوله: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم {28} يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك {29}. وأما الشهود فقوله تعالى وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين {26}. وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين {24}. فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات: أولها قوله: لنصرف عنه السوء {24} واللام للتأكيد والمبالغة. والثاني قوله: والفحشاء {24} أي كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء. والثالث قوله: إنه من عبادنا {24} مع أنه قال: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما {63} [سورة الفرقان]. والرابع قوله: المخلصين {24} وفيه قراءتان: تارة باسم الفاعل وأخرى باسم المفعول فوروده باسم الفاعل يدل على كونه ءاتيا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص، ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزها عما أضافوه إليه. وأما بيان أن إبليس أقر بطهارته فلأنه قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين {82} إلا عبادك منهم المخلصين {83} [سورة ص] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى: إنه من عبادنا المخلصين {24} فكان هذا إقرار من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريقة الهدى” اهــ.
وقال أيضا: “إلا أنا نقول: إن قوله وهم بها {24} لا يمكن حمله على ظاهره لأن تعليق الهم بذات المرأة محال لأن الهم من جنس القصد والقصد لا يتعلق بالذوات الباقية، فثبت أنه لا بد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم وذلك الفعل غير مذكور، فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة بها، ونحن نضمر شيئا ءاخر يغاير ما ذكروه، وبيانه من وجوه: الأول: المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأن الهم هو القصد فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعم والتمتع، واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقال: هممت بفلان أي بضربه ودفعه.
فإن قالوا: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله: لولا أن رأى برهان ربه {24} فائدة.
قلنا: بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه لو هم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك، والثاني: أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن، ولو كان ثوبه ممزقا من خلف لكانت المرأة هي الخائنة، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى عنها حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية” انتهى باختصار.
فيتلخص مما ذكرناه أن الله عصم الأنبياء عن الرذائل ونزههم عنها، ويوسف عليه السلام لم يشتهيها لنفسه ولا أراد أن يواقعها ولم يهم بذلك، هذا هو اللائق بالنبي وهذا ما نعتقده وهو اعتقاد المسلمين.