الأحد يناير 25, 2026

بيان حكم ساب النبي وأنه كافر بالإجماع

اعلم أن سب النبي صلى الله عليه وسلم وانتقاصه كفر، ويكون صاحبه كافرا خارجا من دين الإسلام بالإجماع، ويقتل بعد استتابته أي الطلب منه الرجوع عن ذلك والدخول في دين الإسلام بالشهادتين إن لم يتب، فإن تاب ودخل في الإسلام فلا يقتل عند بعض العلماء ويقتل عند ءاخرين.

وحكم من ينكر كون سب النبي كفرا أو يشك في ذلك أنه يكفر، قال الله تعالى: من كان عدوا لله وملآئكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو  للكافرين {98} [سورة البقرة] وقال الله تعالى: قل أبالله وءاياته ورسوله كنتم تستهزؤون {65} [سورة التوبة].

روى أبو داود في سننه وغيره عن عكرمة قال: ثنا ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فجمع الناس فقال: “أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام”، قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا اشهدوا أن دمها هدر” اهــ.

وفي شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري الشافعي في معرض ما يكفر ما نصه: “أو كذب نبيا في نبوته أو غيرها، أو جحد ءاية من المصحف مجمعا عليها أي على ثبوتها أو زاد فيه كلمة معتقدا أنها منه، أو استخف بنبي بسب أو غيره” اهــ

وفي تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام للقاضي برهان الدين ابراهيم بن فرحون المالكي ما نصه: “فصل: وكذلك الحكم في سب الأنبياء عليهم السلام (أي أنه من الكفر) قال القاضي عياض: من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، أو عرض به أو شبهه بشىء على طريق السب والازدراء عليه أو النقص لشأنه أو الغض منه والعيب له فهو ساب، تلويحا كان أو تصريحا، وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام أو بشىء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه بشىء من العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، قتل. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا”.اهــ.

وفي كتاب الدر المختار على متن تنوير الأبصار في مذهب أبي حنيفة في باب حكم ساب الأنبياء ما نصه: “والكافر بسب نبي من الأنبياء فإنه يقتل حدا ولا تقبل توبته مطلقا، ولو سب الله تعالى قبلت لأنه حق الله تعالى، والأول حق عبد لا يزول بالتوبة، ومن شك في عذابه وكفره كفر” اهــ.

وفي رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين الحنفي ما نصه: “قال ابن سحنون المالكي: أجمع المسلمون على أن شاتمه (أي شاتم النبي) كافر وحكمه القتل ومن شك في عذابه وكفره كفر” اهــ.

ثم قال أيضا: “أقول ورأيت في كتاب الخراج لأبي يوسف ما نصه: وأيما رجل مسلم سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كذبه أو عابه أو تنقصه فقد كفر بالله تعالى وبانت منه امرأته، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك المرأة إلا أن أبا حنيفة قال: لا تقتل المرأة وتجبر على الإسلام” اهــ.

فإن قيل: كيف يكون سب النبي كفرا وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل الرجل الذي قال له: “اعدل إنك لا تعدل”.

فالجواب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يترك قتله لأنه لم يكفر وإنما لمصلحة أخرى، أما الحديث فقد رواه البخاري بهذا اللفظ: “حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: “ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل” قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: “دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية؛ ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شىء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شىء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شىء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شىء، قد سبق الفرث والدم؛ ءايتهم رجل إحدى يديه”، أو قال: “ثدييه مثل ثدي المرأة”، أو قال: “مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس”، قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فنزلت فيه: ومنهم من يلمزك في الصدقات {58} [سورة التوبة] ” اهــ.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ما نصه: “قوله: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، في رواية شعيب ويونس “فقال” بزيادة فاء، وقال: ائذن لي فيه فأضرب عنقه، وفي رواية الأوزاعي: فلأضرب بزيادة لام، وفي حديث عبد الله بن عمرو من طريق مقسم عنه: فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم عليه فأضرب عنقه. وقد تقدم في المغازي من رواية عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد في هذا الحديث: فسأله رجل أظنه خالد بن الوليد قتله. وفي رواية مسلم: فقال خالد بن الوليد بالجزم، وقد ذكرت وجه الجمع بينهما في أواخر المغازي، وأن كلا منهما سأل.

ثم رأيت عند مسلم من طريق جرير عن عمارة ابن القعقاع بسنده، فيه: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: “لا”، ثم أدبر؛ فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال: يا رسول الله أضرب عنقه؟ قال: “لا”. فهذا نص في أن كلا منهما سأل، وقد استشكل سؤال خالد في ذلك، لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها، والذهب المقسوم أرسله علي من اليمن كما في صدر حديث ابن أبي نعم عن أبي سعيد؛ ويجاب بأن عليا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة، فأرسل علي الذهب فحضر خالد قسمته. وأما حديث عبد الله بن عمرو فإنه في قصة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين، والسائل في قتله عمر ابن الخطاب جزما؛ وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحد كما مضى قريبا.

قوله: قال: “دعه”، في رواية شعيب: فقال له: “دعه” كذا لأبي ذر، وفي رواية الأوزاعي: فقال: “لا”، وزاد أفلح بن عبد الله في روايته: فقال: “ما أنا بالذي أقتل أصحابي”.

قوله: “فإن له أصحابا”، هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابا بالصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم بما واجهه، فيحتمل أن يكون لمصلحة التألف كما فهمه البخاري، لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام، فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرا عن دخول غيرهم في الإسلام؛ ويؤيده رواية أفلح ولها شواهد، ووقع في رواية أفلح: “سيخرج أناس يقولون مثل قوله”” انتهى كلام ابن حجر.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتله بعد ذلك ففي “الفتح” ما نصه:

“تنبيه: جاء عن أبي سعيد الخدري قصة أخرى تتعلق بالخوارج فيها ما يخالف هذه الرواية، وذلك فيما أخرجه أحمد بسند جيد عن أبي سعيد، قال: جاء أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني مررت بوادي كذا فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه، فقال: “اذهب إليه فاقتله”، قال: فذهب إليه أبو بكر فلما رءاه يصلي كره أن يقتله، فرجع؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: “اذهب فاقتله”، فذهب فرءاه على تلك الحالة فرجع؛ فقال: “يا علي اذهب إليه فاقتله”، فذهب علي فلم يره؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن هذا وأصحابه يقرءون القرءان لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، فاقتلوهم هم شر البرية”؛ وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات؛ ويمكن الجمع بأن يكون هذا الرجل هو الأول، وكانت قصته هذه الثانية متراخية عن الأولى؛ وأذن صلى الله عليه وسلم في قتله بعد أن منع منه لزوال علة المنع وهي التألف، فكأنه استغنى عنه بعد انتشار الإسلام كما نهي عن الصلاة على من ينسب إلى النفاق بعد أن كان يجري عليهم أحكام الإسلام قبل ذلك. وكأن أبا بكر وعمر تمسكا بالنهي الأول عن قتل المصلين، وحملا الأمر هنا على قيد أن لا يكون لا يصلي، فلذلك عللا عدم القتل بوجود الصلاة أو غلبا جانب النهي. ثم وجدت في مغازي الأموي من مرسل الشعبي في نحو أصل القصة: ثم دعا رجالا فأعطاهم، فقام رجل فقال: إنك لتقسم وما نرى عدلا، قال: “إذا لايعدل أحد بعدي”، ثم دعا أبا بكر فقال: “اذهب فاقتله”، فذهب فلم يجده، فقال: “لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وءاخرهم”. فهذا يؤيد الجمع الذي ذكرته لما يدل عليه “ثم” من التراخي. والله أعلم” اهــ.