الجمعة فبراير 13, 2026

بيان أهمية علم التوحيد

إن العلم بالله تعالى وصفاته أجل العلوم وأعلاها وأوجبها وأولاها، ويسمى علم الأصول وعلم التوحيد وعلم العقيدة، وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بالترقي في هذا العلم فقال: “أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له” فكان هذا العلم أهم العلوم تحصيلا وأحقها تبجيلا وتعظيما؛ قال تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك {19} [سورة محمد] قدم الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار لتعلق التوحيد بعلم الأصول، وتعلق الاستغفار بعلم الفروع.

ويسمى هذا العلم أيضا مع أدلته العقلية والنقلية من الكتاب والسنة علم الكلام؛ والسبب في تسميته بهذا الاسم كثرة المخالفين فيه من المنتسبين إلى الإسلام وطول الكلام فيه من أهل السنة لتقرير الحق؛ وقيل لأن أشهر الخلافات فيه مسألة كلام الله تعالى أنه قديم – وهو الحق – أو حادث. فالحشوية قالت: كلامه صوت وحرف، حتى بالغ بعضهم فقال: إن هذا الصوت أزلي قديم، وإن أشكال الحروف التي في المصحف أزلية قديمة، فخرجوا عن دائرة العقل، وقالت طائفة أخرى: إن الله تعالى متكلم بمعنى أنه خالق الكلام في غيره كالشجرة التي سمع عندها موسى كلام الله، لا بمعنى أنه قام بذات الله كلام هو صفة من صفاته وهم المعتزلة قبحهم الله. وقال أهل السنة: إن الله متكلم بكلام ذاتي أزلي أبدي ليس حرفا ولا صوتا ولا يختلف باختلاف اللغات.

وموضوع علم الكلام هو النظر أي الاستدلال بخلق الله تعالى لإثبات وجوده وصفاته الكمالية وبالنصوص الشرعية المستخرج منها البراهين، وهو على قانون الإسلام لا على أصول الفلاسفة، لأن الفلاسفة لهم كلام في ذلك يعرف عندهم بالإلهيات؛ وعلماء التوحيد لا يتكلمون في حق الله وفي حق الملائكة وغير ذلك اعتمادا على مجرد النظر بالعقل، بل يتكلمون في ذلك من باب الاستشهاد بالعقل على صحة ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالعقل عند علماء التوحيد شاهد للشرع ليس أصلا للدين، وأما الفلاسفة فجعلوه أصلا من غير التفات إلى ما جاء عن الأنبياء، فلا يتقيدون بالجمع بين النظر العقلي وبين ما جاء عن الأنبياء، على أن النظر العقلي السليم لا يخرج عما جاء به الشرع ولا يتناقض معه.

وقد حث الله عباده في القرءان على النظر في ملكوته لمعرفة جبروته فقال تعالى: أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض {185} [سورة الأعراف]  وقال تعالى: سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق {53} [سورة فصلت].

فإن قيل: لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم علم أحدا من أصحابه هذا العلم، ولا عن أحد من أصحابه أنه تعلم أو علم غيره، وإنما حدث هذا العلم بعد انقراضهم بزمان؛ فلو كان هذا العلم مهما في الدين لكان أولى به الصحابة والتابعون.

قلنا: إن عني بهذا المقال أنهم لم يعلموا ذات الله وصفاته وتوحيده وتنزيهه وحقية رسوله وصحة معجزاته بدلالة العقل بل أقروا بذلك تقليدا، فهو بعيد من القول شنيع من الكلام؛ وقد رد الله عز وجل في كتابه على من قلد أباه في عبادة الأصنام بقوله: إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون {23} [سورة الزخرف] أي أن أولئك اقتدوا بآبائهم في إشراكهم بغير دليل يقوم على صحة ذلك الدين، وهذا يفهم منه أن علم الدليل مطلوب.

قال أبو حنيفة رضي الله عنه جوابا على القائلين: لم تتكلمون بعلم الكلام والصحابة لم يتكلموا فيه: “إنما مثلهم كأناس ليس بحضرتهم من يقاتلهم فلم يحتاجوا إلى إبراز السلاح، ومثلنا كأناس بحضرتهم من يقاتلهم فاحتاجوا إلى إبراز السلاح”اهــ

وإن أريد أن الصحابة لم يتلفظوا بهذه العبارات المصطلحة عند أهل هذه الصناعة نحو: الجوهر والعرض، والجائز والمحال، والحدث والقدم، فهذا مسلم به، لكننا نعارض هذا بمثله في سائر العلوم، فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه التلفظ بالناسخ والمنسوخ، والمجمل والمتشابه، وغيرها كما هو المستعمل عند أهل التفسير. ولا بالقياس والاستحسان، والمعارضة والمناقضة، والطرد والشرط، والسبب والعلة وغيرها كما هو المستعمل عند الفقهاء، ولا بالجرح والتعديل، والآحاد والمشهور والمتواتر والصحيح والغريب وغير ذلك كما هو المستعمل عند أهل الحديث. فهل لقائل أن يقول يجب رفض هذه العلوم لهذه العلة؛ على أنه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لم تظهر الأهواء والبدع فلم تمس الحاجة إلى الدخول في التفاصيل والاصطلاحات.

وهذا العلم أصله كان موجودا بين الصحابة متوفرا بينهم أكثر ممن جاء بعدهم، والكلام فيه بالرد على أهل البدع بدأ في عصر الصحابة، فقد رد ابن عباس وابن عمر على المعتزلة، ومن التابعين رد عليهم عمر بن   عبد العزيز والحسن بن محمد ابن الحنفية وغيرهما. وقد قطع علي كرم الله وجهه الخوارج بالحجة وقطع دهريا وأقام الحجة على أربعين رجلا من اليهود المجسمة بكلام نفيس مطنب؛ وقطع الحبر ابن عباس رضي الله عنهما الخوارج بالحجة أيضا، وقطع إياس بن معاوية القاضي القدرية، وقطع الخليفة عمر بن عبد العزيز أصحاب شوذب الخارجي، وألف رسالة في الرد على المعتزلة وهي رسالة وجيزة، وقطع ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك غيلان بن مسلم أبا مروان القدري.

وكذلك اشتغل بهذا العلم الحسن البصري وهو من أكابر التابعين.

فإن قيل: روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: “تفكروا في كل شىء ولا تفكروا في ذات الله” فهو منهي عنه.

فالجواب: أن النهي ورد عن التفكر في الخالق مع الأمر بالتفكر في الخلق، فإنه يوجب النظر وإعمال الفكر والتأمل في ملكوت السموات والأرض ليستدل بذلك على وجود الصانع، وعلى أنه لا يشبه شيئا من خلقه؛ ومن لم يعرف الخالق من المخلوق كيف يعمل بهذا الأثر الصحيح. وقد أمر القرءان بتعلم الأدلة على العقائد الإسلامية على وجوده تعالى وعلى ثبوت العلم له والقدرة والمشيئة والوحدانية إلى غير ذلك. ولم يطعن إمام معتبر في هذا العلم الذي هو مقصد أهل السنة والجماعة من السلف والخلف.

وما يروى عن الشافعي أنه قال: “لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام” بهذا اللفظ فهو غير ثابت عنه، واللفظ الثابت عنه هو: “لأن يلقى الله عز وجل العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشىء من هذه الأهواء”. والأهواء جمع هوى وهو ما مالت إليه نفوس المبتدعة الخارجين عما كان عليه السلف، أي ما تعلق به البدعيون في الاعتقاد كالخوارج والمعتزلة والمرجئة والنجارية وغيرهم، وهم الاثنتان والسبعون فرقة كما ورد في الحديث المشهور: “وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة” رواه أبو داود، فليس كلام الشافعي على إطلاقه، إنما هو في المبتدعة القدرية وغيرهم الذين جانبوا نصوص الشريعة كتابا وسنة وتعمقوا في الأهواء الفاسدة، وأما الكلام الموافق للكتاب والسنة الموضح لحقائق الشريعة عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء قاطبة لم يذمه الشافعي، وقد كان الشافعي رضي الله عنه، يحسنه ويفهمه وقد ناظر بشرا المريسي وحفصا الفرد فقطعهما.

قال الإمام الحافظ ابن عساكر في كتابه الذي ألفه في الدفاع عن الإمام الأشعري وبين فيه كذب من افترى عليه ما نصه: “والكلام المذموم كلام أصحاب الأهوية وما يزخرفه أرباب البدع المردية، فأما الكلام الموافق للكتاب والسنة الموضح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء ومن يعلمه، وقد كان الشافعي يحسنه ويفهمه، وقد تكلم مع غير واحد ممن ابتدع، وأقام الحجة عليه حتى انقطع”. اهــ

وقال الربيع بن سليمان: “حضرت الشافعي وحدثني أبو شعيب إلا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد وكان الشافعي يسميه المنفرد، فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم فقال: ما تقول في القرءان، فأبى أن يجيبه فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه، وكلاهما أشار إلى الشافعي، فسأل الشافعي فاحتج عليه الشافعي، فطالت فيه المناظرة فقام الشافعي بالحجة عليه بأن القرءان كلام الله غير مخلوق، وكفر حفصا الفرد قال الربيع: فلقيت حفصا الفرد في المسجد بعد، فقال: أراد الشافعي قتلي”اهــ

فإن قيل: قد ذم علم الكلام جماعة من السلف، فروي عن الشعبي أنه قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب. وروي مثله عن الإمام مالك، والقاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة.

قلنا: أجاب الحافظ أبو بكر البيهقي عنه بقوله: “إنما يريدوا والله أعلم بالكلام كلام أهل البدع، فإن في عصرهم إنما كان يعرف بالكلام أهل البدع، فأما أهل السنة فقلما كانوا يخوضون في الكلام حتى اضطروا إليه بعد”اهــ

قال ابن عساكر: “فهذا وجه في الجواب عن هذه الحكاية، وناهيك بقائله أبي بكر البيهقي فقد كان من أهل الرواية والدراية. وتحتمل وجها ءاخر وهو أن يكون المراد بها أن يقتصر على علم الكلام ويترك تعلم الفقه الذي يتوصل به إلى معرفة الحلال والحرام، ويرفض العمل بما أمر بفعله من شرائع الإسلام، ولا يلتزم فعل ما أمر به الشارع وترك ما نهى عنه من الأحكام. وقد بلغني عن حاتم الأصم وكان من أفاضل الزهاد وأهل العلم أنه قال: الكلام أصل الدين، والفقه فرعه، والعمل ثمره، فمن اكتفى بالكلام دون الفقه والعمل تزندق، ومن اكتفى بالعمل دون الكلام والفقه ابتدع، ومن اكتفى بالفقه دون الكلام والعمل تفسق، ومن تفنن في الأبواب كلها تخلص” اهــ وقد روي مثل كلام حاتم عن أبي بكر الوراق.

قال الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء: “هذه المسائل التي تلقاها الإمامان الأشعري والماتريدي هي أصول الأئمة رحمهم الله تعالى، فالأشعري بنى كتبه على مسائل من مذهب الإمامين مالك والشافعي أخذ ذلك بوسائط فأيدها وهذبها، والماتريدي كذلك أخذها من نصوص الإمام أبي حنيفة” اهــ

قلت: وللإمام أبي حنيفة رضي الله عنه: (الفقه الأكبر) و(الرسالة) و(الفقه الأبسط) و(العالم والمتعلم) و(الوصية)؛ أما الوصية فقد اختلف في نسبتها إلى الإمام كثيرا، فمنهم من ينكر نسبتها للإمام مطلقا ويزعم أنها ليست من عمله، ومنهم من ينسبها إلى محمد بن يوسف البخاري المكنى بأبي حنيفة، وهذا قول المعتزلة لما فيها من إبطال نصوصهم الزائغة وادعائهم كون الإمام منهم – أي في المعتقد – كما في المناقب الكردرية.

والإمام أبو حنيفة وصاحباه أول من تكلم في أصول الدين بالتوسع وأتقنها بقواطع البراهين على رأس المائة الأولى، وقد ذكر الأستاذ عبد القاهر البغدادي أن أول متكلمي أهل السنة من الفقهاء أبو حنيفة والشافعي، ألف فيه الفقه الأكبر والرسالة في نصرة أهل السنة إلى مقاتل ابن سليمان صاحب التفسير وكان مجسما، وقد ناظر فرقة الخوارج والروافض والقدرية والدهرية وكانت دعاتهم بالبصرة فسافر إليها نيفا وعشرين مرة، وفضهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في الكلام – أي علم  التوحيد – إلى أنه كان المشار إليه بين الأنام، واقتدى به تلامذته الأعلام.

وفي مناقب الكردري عن خالد بن زيد العمري أنه كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قد خصموا بالكلام الناس أي ألزموا المخالفين، وهم أئمة العلم. وعن الإمام أبي عبد الله الصيمري أن الإمام أبا حنيفة كان متكلم هذه الأمة في زمانه، وفقيههم في الحلال والحرام.

وهذه الكتب الخمسة ليست من جمع الإمام أبي حنيفة، بل الصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه كحماد وأبي يوسف وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي، فهم الذين قاموا بجمعها، وتلقاها عنهم جماعة من الأئمة كإسمعيل بن حماد ومحمد بن مقاتل الرازي ومحمد بن سماعة ونصير بن يحيى البلخي وشداد بن الحكم وغيرهم، إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي، فمن عزاها إلى الإمام صح لكون تلك المسائل من إملائه إلى أبي مطيع البلخي وغيره، ومن عزاها إلى غيره ممن هو في طبقته أو ممن هو بعدهم صح لكونها من جمعه، ذكره الفقيه المحدث اللغوي محمد مرتضى الزبيدي.

وقال الفقيه الأصولي الزركشي في تشنيف المسامع: “إن الأئمة انتدبوا للرد على أهل البدع والضلال، وقد صنف الشافعي كتاب (القياس) رد فيه على من قال بقدم العالم من الملحدين، وكتاب (الرد على البراهمة) وغير ذلك، وأبو حنيفة كتاب (الفقه الأكبر) وكتاب (العالم والمتعلم) رد فيه على المخالفين، وكذلك مالك سئل عن مسائل هذا العلم فأجاب عنها بالطريق القويم، وكذلك الإمام أحمد”اهــ

وقد صنف سيد المحدثين في زمانه محمد بن إسمعيل البخاري ه المتوفى سنة 256ه – كتاب (خلق أفعال العباد)، وصنف المحدث نعيم بن حماد الخزاعي وهو من أقران الإمام – المتوفى في حبس الواثق سنة 228ه – كتابا في الرد على الجهمية وغيرهم، وصنف المحدث محمد بن أسلم الطوسي – المتوفى سنة 242ه – وهو من أقران الإمام أحمد أيضا في الرد على الجهمية، وقد رد على المعتزلة فأجاد بالتأليف ثلاثة من علماء السنة من أقران الإمام أحمد ابن حنبل: الحارث المحاسبي، والحسين الكرابيسي، وعبد الله بن سعيد بن كلاب – المتوفى بعد الأربعين ومائتين بقليل – ويمتاز الأول بإمامته أيضا في التصوف.

وقد صنف إماما أهل السنة والجماعة في عصرهما وبعده إلى يومنا هذا أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي المصنفات العظيمة في الرد على طوائف المبتدعة والمخالفين للإسلام مملوءة بحجج المنقول والمعقول، وامتاز الأول بمناظراته العديدة للمعتزلة بالبصرة التي فل بها حدهم وقلل عددهم. وكانت وفاة الأشعري في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة للهجرة، وتوفي الشيخ أبو منصور بعد وفاة الأشعري بقليل.

وصنف أتباعهما من بعدهما المئات من المجلدات في الرد على المبتدعة والمخالفين للإسلام بالحجج الدامغة الكثيرة والمناظرات العديدة قطعوا بها المعتزلة الذين هم أفحل طوائف المبتدعة، كما قطعوا غيرهم من المبتدعة والدهريين والفلاسفة والمنجمين، ورفعوا لواء مذهب الأشعري في الخافقين وأبرزهم في نشره ثلاثة: الأستاذ أبو بكر بن فورك، وأبو إسحق الإسفراييني، والقاضي الإمام أبو بكر الباقلاني، فالأولان نشراه في المشرق، والقاضي نشره في المشرق والمغرب، فما جاءت المائة الخامسة إلا والأمة الإسلامية أشعرية وماتريدية لم يشذ عنها سوى نزر من المعتزلة وشرذمة من المشبهة وطائفة من الخوارج؛ فلا تجد عالما محققا أو فقيها مدققا إلا وهو أشعري أو ماتريدي.

وإن حال هؤلاء المنكرين لعلم الكلام لهو الموصوف بقول الشاعر فيهم: [البسيط]

عاب الكلام أناس لا عقول لهم

وما عليه إذا عابوه من ضرر

ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعة

أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر

فائدة مهمة: قال الشيخ الفقيه الأصولي الزركشي في كتابه تشنيف المسامع ما نصه: “قال الإمام أبو بكر الإسماعيلي أعاد الله هذا الدين بعدما ذهب يعني أكثره بأحمد بن حنبل وأبي الحسن الأشعري وأبي نعيم الإستراباذي، وقال أبو إسحاق المروزي: سمعت المحاملي يقول في أبي الحسن الأشعري: لو أتى الله بقراب الأرض ذنوبا رجوت أن يغفر الله له لدفعه عن دينه، وقال ابن العربي: كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري فحجزهم في أقماع السماسم”اهــ.

ومثل هذا يقال في أبي منصور الماتريدي لأنه مثله قام بتقرير عقيدة السلف بالأدلة النقلية والعقلية بإيضاح واسع، فقد جمع هذان الإمامان الإثبات مع التنزيه فليسا على التشبيه ولا التعطيل ولعن الله من يسمي الأشعري أو الماتريدي معطلا، فهل خالفا التنزيه الذي ذكره الله بقوله ليس كمثله شىء {11} [سورة الشورى] فإنهما نفيا عن الله الجسمية وما ينبني عليها، وهذا ذنبهما عند المشبهة كالوهابية ومن سبقهم من المشبهة. فإن المشبهة قاست الخالق بالمخلوق فنفت موجودا ليس جسما، والإمامان ومن تبعهما وهم الأمة المحمدية قالوا إن الله لو كان جسما لكان له أمثال لا تحصى.

وهذا هو دين الله الذي كان عليه السلف الصالح وتلقاه عنهم الخلف الصالح، وطريقة الأشعري والماتريدي في أصول العقائد متحدة. فالمذهب الحق الذي كان عليه السلف الصالح هو ما عليه الأشعرية والماتريدية وهم مئات الملايين من المسلمين فكيف يكون هؤلاء السواد الأعظم على ضلال، وتكون شرذمة هي نحو ثلاثة ملايين على الحق، والصواب أن الرسول عليه السلام أخبر بأن جمهور أمته لا يضلون وذلك من خصائص هذه الأمة،ويدل على ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما: “إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة” وعند ابن ماجه زيادة: “فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم”، ويقوي هذا الحديث الحديث الموقوف على أبي مسعود البدري: “وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة” قال الحافظ ابن حجر: “وإسناده حسن”، والحديث الموقوف على عبد الله بن مسعود وهو أيضا ثابت عنه: “ما رءاه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رءاه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح”، قال الحافظ ابن حجر: “هذا موقوف حسن”.

ولا ينافي ما قررناه من أن الجمهور معصومون من الضلالة ما صح مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة”. فإن هذا أريد به طائفة متمسكة من بينهم بالدين على الكمال ولا شك أن المتمسكين بالدين على الكمال هم أقل الأمة، وليس معنى ذلك أن أكثر المنتسبين إلى الإسلام يكونون ضالين من حيث العقيدة خارجين عن الإسلام كما صرحت بذلك الوهابية ووافقهم أبو الأعلى المودودي، فعندهم جمهور المنتسبين للإسلام ليسوا على الهدى بل على الشرك، وقد صح أن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون من هذه الأمة، فلا يمكن أن يكون هؤلاء الثمانون هذه الشرذمة الوهابية، وهل كانت الوهابية قبل قرنين، فإن معتقدها منبثق من محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة مائتين وألف وست للهجرة وبعض معتقداتها مأخوذ من أحمد بن تيمية المتوفى سنة سبعمائة وثمان وعشرين للهجرة وهو شذ عن ما كان عليه من قبله من أهل الحق بقوله: إن جنس العالم ليس حادثا إنما الحادث الأفراد أي الأشخاص المعينة فكل شخص وفرد عنده حادث ولكن إلى ما لا نهاية له ولا ابتداء، فجعل العرش أزليا بنوعه وجنسه بمعنى أن العرش لم يزل مع الله ولكن عينه ليس دائما بل يتجدد كل ءان بعد عدم، وقد نقل ذلك عنه الإمام جلال الدين الدواني وهو من ثقات العلماء كما وثقه الحافظ السخاوي في البدر اللامع في تراجم أهل القرن التاسع، ونسب إلى ابن تيمية ذلك الحافظان الجليلان المعاصران له وهما الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي والحافظ أبو سعيد العلائي.

وفيما ذهب إليه ابن تيمية تكذيب لقول الله تعالى هو الأول {3} [سورة الحديد] لأن مراد الله تعالى بأوليته الأولية المطلقة ليست الأولية المقيدة النسبية، لأن ذلك ليس لله تعالى فيه خصوصية، إذ الماء والعرش لهما تلك الأولية النسبية، لأنهما أول ما خلق الله لم يخلق الله قبلهما شيئا كما نطق بذلك الحديث الصحيح: “كان الله ولم يكن شىء غيره”، فثبت أن ابن تيمية كذب هذا الحديث الصحيح كما كذب الآية المذكورة وكذب الإجماع لأنه لم يقل قبله أحد من المسلمين إن نوع العالم لم يزل مع الله أزليا وإنما قال بذلك متأخرو الفلاسفة الذين هم على خلاف رأي إرسطو. ولم يخش ابن تيمية من الله حيث افترى على أئمة أهل السنة والحديث بنسبته ذلك إليهم ولا يعرف واحد منهم قال ذلك، لكن ابن تيمية يربأ بنفسه عن أن ينسب إلى موافقة رأي المحدثين من الفلاسفة الذين وافقهم برأيهم القائلين بمثل مقالته، وليست هذه المسألة من المسائل التي يدخلها الاجتهاد بل من أخطأ فيها كفر بالإجماع، قال السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: “اعلم أن حكم الجواهر والأعراض كلها الحدوث فإذا العالم كله حادث، وعلى هذا إجماع المسلمين بل كل الملل ومن خالف في ذلك فهو كافر لمخالفة الإجماع القطعي”اهــ ذكر ذلك المحدث الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح إحياء علوم الدين.