السبت فبراير 14, 2026

بيان أن قتال معاوية للإمام علي ليس اجتهادا معتبرا

فإن قيل: أليس قتال معاوية لعلي يدخل في باب الاجتهاد؟

فالجواب: أن الاجتهاد لا يكون مع النص القرءاني أو الحديثي ولا مع إجماع العلماء، وقتال معاوية لعلي فيه مخالفة للنص الحديثي، فلا يكون هذا الأمر اجتهادا مقبولا.

ففي الحديث الصحيح: “ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار”، دلالة على أن الرسول سماهم فئة باغية.

وقد روى هذا الحديث أربعة وعشرون صحابيا منهم معاوية وعمرو بن العاص.

قال الحافظ ابن حجر: “روى حديث: “تقتل عمارا الفئة الباغية” جماعة من الصحابة منهم قتادة بن النعمان كما تقدم وأم سلمة عند مسلم، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن عفان، وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليسر وعمار نفسه، وكلها عند الطبراني وغيره، وغالب طرقها صحيحة أو حسنة، وفيه عن جماعة ءاخرين يطول عدهم، وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة وفضيلة ظاهرة لعمار وعلي ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه”. اهــ

فكيف يكون بعد هذا اجتهاد مع النص؟!

ومن الشطح الذي وقع فيه بعض الفقهاء أنهم بعد ذكرهم لهذا الحديث يقولون: إن عليا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن معاوية اجتهد فأخطأ فله أجر كما قال صاحب كتاب الزبد:

وما جرى بين الصحاب نسكت

عنه وأجر الاجتهاد نثبت

وقال اللقاني:

وأول التشاجر الذي ورد

إن خضت فيه واجتنب داء الحسد

أقول: المنصف المتأمل في الأمر لا يشك أن عليا وعمارا رضي الله عنهما أعرف بحقيقة معاوية في قتاله أمير المؤمنين، والعجيب كيف أن صاحب الزبد يذكر ذاك البيت مع أنه ذكر في نفس الكتاب بيتا ءاخر وهو:

ولم يجز في غير محض الكفر

خروجنا على ولي الأمر

فالعجب العجاب كيف ساغ عند هؤلاء اجتماع المعصية والأجر فهو جمع بين أمرين متناقضين وهو تحريمه الخروج على ولي الأمر وهو حق مجمع عليه وإثباته الأجر لذلك العدد أعني معاوية ومن معه في خروجهم على ولي الأمر وهو علي رضي الله عنه، وأي اجتهاد هذا خالف الإجماع وأدى إلى قتل ألوف من المسلمين فيهم من هم من خيار الصحابة رضي الله عنهم.

فتبين بما مضى أن معاوية لم يكن مجتهدا في قتاله وإنما كان يريد الوصول للملك، ولا شك أن عليا وعمارا رضي الله عنهما أعرف بحقيقة معاوية من كثير من المؤلفين الذين يقولون اجتهد فأخطأ فلا يأثم. وهذا تحسين ظن في غير محله، وكيف يصح قولهم وقد جاء في الصحيح “من كره من أميره شيئا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية”، وصح أيضا: “من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”، فالجزء الثاني من الحديث ينطبق على كل من قاتل عليا ولم يتب من ذلك.

هذا مع ما قدمنا من قول عمار بن ياسر الذي رواه البيهقي: “لا تقولوا كفر أهل الشام ولكن قولوا فسقوا أو ظلموا” وفي رواية ابن أبي شيبة: “ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه”.

أقول: ولا يخفى على مثل عمار أن المجتهد إذا أخطأ في اجتهاده لا يقول عنه مجتهد ءاخر فسق وظلم.

وفي الحديث الذي رواه الحاكم عن تراجع الزبير عن قتال علي بعدما ذكره بكلام النبي: “لتقاتلنه وأنت ظالم له”، دليل واضح على أن الذين قاتلوا عليا لا يقال فيهم اجتهدوا فلا إثم عليهم، لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الزبير أولى بأن يكون معذورا غير مأثوم لمخالفته عليا بنكث العهد أي عهد البيعة، وهو أحد السابقين الأولين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، فإذا كان أمر الزبير هكذا أي أنه أثم بخروجه على علي فما بال معاوية. وهذا يدل على أن الاجتهاد لا يكون مع النص.

فكيف يصح أن يقال عن معاوية وجيشه إنهم مأجورون غير ءاثمين مع وصف الرسول لمعاوية وجيشه بأنهم دعاة إلى النار بقوله: “يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار”.

فإن قيل: كيف يجوز تسمية جيش معاوية بغاة أو كيف يقال إنهم عصوا وفيهم صحابة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تسبوا أصحابي”، وقال أيضا: “إذا ذكر أصحابي فأمسكوا”.

فالجواب: أن حديث مسلم: “لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه”، هو في طائفة خاصة من الصحابة لأن المخاطبين صحابة والمتكلم عنهم صحابة فلما قال: “أحدكم” علم أن الذين حذر من إيذائهم وسبهم غير الذين كانوا معه عند ذكر الحديث، وإلا لزم اتحاد المخاطب والمتكلم عنه، وهذا كلام ركيك لا يصدر من أفصح خلق الله. ويبين ذلك سبب الحديث وهو أن خالد بن الوليد سب عبد الرحمن بن عوف، فمعنى الحديث أن خالدا أو غيره من الذين ليس لهم تلك السابقية في الفضل بينهم وبين من كان من أهلها كعبد الرحمن بن عوف هذا الفرق العظيم وهو أن مد أحد هؤلاء أفضل عند الله من أن يتصدق الآخرون بمثل جبل أحد ذهبا. ومن ظن أن هذا لعموم الصحابة فقد جهل الحقيقة وخبط خبط عشواء. وروى الحديث أيضا ابن حبان في صحيحه وغيره.

فيعلم من هذا أنه لم يكن مراد النبي بقوله: “أصحابي” جميع أصحابه لأنه كان يخاطب بعضا منهم وإنما مراده من كان مثل عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب من السابقين الأولين من المهاجرين والسابقين الأولين من الأنصار وهؤلاء لا يدخل فيهم خالد بن الوليد الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم: “سيف الله” ولا معاوية بن أبي سفيان.

ثم إن الذي لم يطبق هذا الحديث هو معاوية فقد ثبت وصح عنه أنه كان يأمر بسب علي، فقد روى مسلم في صحيحه ما نصه: “عن عامر ابن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له، خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي”. وسمعته يقول يوم خيبر: “لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله”، قال: فتطاولنا لها فقال: “ادعوا لي عليا” فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم {61} [سورة آل عمران] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: “اللهم هؤلاء أهلي” انتهى، ورواه أيضا النسائي.

ورواه ابن ماجه أيضا بلفظ: “قدم معاوية في بعض حجاته فدخل عليه سعد فذكروا عليا فنال منه فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من كنت مولاه فعلي مولاه” وسمعته يقول: “أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”، وسمعته يقول: “لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله”.

فالذي يسب عليا ويبغضه ولا يحبه يكون مرتكبا كبيرة وأية كبيرة فقد روى النسائي والحاكم حديث: “من سب عليا فقد سبني”، وروى مسلم والترمذي والنسائي وأبو نعيم في الحلية وأحمد والخطيب البغدادي وءاخرون أن عليا رضي الله عنه قال: “والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق” اهــ وعن أم سلمة رفعته: “لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن”.

وكذلك كان الحال في عهد خلفاء بني أمية بعد معاوية من الأمر بسب علي إذا استثني التابعي الجليل عمر بن عبد العزيز، فإنه هو الذي منع سب سيدنا علي بعد أن كان يسب على المنابر كذا في تاريخ الخلفاء للسيوطي وفي كتاب مناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي.

وأما الذي يقول: إن الذين قاتلوا عليا بغاة أو يقول في مقاتلي علي من أهل صفين دعاة إلى النار أو إنهم عصوا، فلا يعد واقعا في المحظور الذي ينهى عنه النبي بقوله: “لا تسبوا أصحابي” فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سمى من قاتل عليا في وقعة صفين بغاة وهو الذي قال فيهم دعاة إلى النار، فليعلم ذلك.

وأما حديث “إذا ذكر أصحابي فأمسكوا” فهو ضعيف ولا يعارض حديث عمار المتواتر بمثل هذا، ومعناه: أمسكوا عما لا يجوز ذكرهم به، ولو لم يكن كذلك لما قال عمار بن ياسر فيهم تلك المقالة التي رواها البيهقي وابن أبي شيبة والتي سبق ذكرها وفيها أنه قال في أهل الشام: “فسقوا أو ظلموا” يعني الذين قاتلوا عليا.

فإن قيل: أليس في قول عمار بن ياسر في أهل الشام تعارض مع الحديث الذي رواه الحاكم “فلا تسبوا أهل الشام وسبوا ظلمتهم فإن فيهم الأبدال”.

فالجواب: أن مراد عمار بن ياسر ليس جميع أهل الشام بل مراده معاوية وجيشه، وهم ليس فيهم من هو بهذه الصفة، على أن هذا الحديث لم يصح مرفوعا.

فإن قيل: أليس اتفق المحدثون على أن الصحابة عدول.

فالجواب: أن المحدثين قالوا بعدالة الصحابة في الرواية لأن الواحد منهم لا يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا على معنى أنهم كلهم أتقياء صالحون، فقد صح في الحديث الذي رواه أحمد وابن حبان وغيرهما أن الرسول قال في رجل من أهل الصفة لما مات فوجدوا في شملته دينارين فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: “كيتان”، وفضل أهل الصفة معروف، فهذا لإخفائه دينارين عن الناس وإظهار الفاقة قال الرسول فيه ما قال، ومع ذلك فله فضل باعتبار أنه من أهل الصفة.

ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقع أحد من أصحابي في ذنب ولا يعذب أحد منهم في قبره، بل جاء في الحديث الصحيح ما يدل على خلاف هذا، فقد روى البخاري وغيره أنه قال في خادم له كان موكولا إليه ثقل النبي في بعض غزواته: “إنه في النار”، وكان قد غل شملة أخذها من الغنيمة ثم أصابه سهم فقتله. وكان فيهم من شرب الخمر مرات عديدة ثم أقيم عليه الحد كل مرة، وكان فيهم من أقيم عليه حد الزنى.

وهذا المحدود في شرب الخمر روى حديثه البخاري، حتى لعنه بعض الصحابة من كثرة ما يؤتى به ليقام عليه الحد فقال الرسول: “لا تلعنوه”، وهناك غير هذا مما صح من الحديث في هذا المعنى، فكيف يقال مع كل هذا إن معنى قول بعض من ألف في المصطلح “الصحابة عدول” انهم يعنون العدالة المطلقة، وهذا يؤدي إلى إبطال تلك الأحاديث الصحيحة.

وقد روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس: “مر رسول الله على قبرين فقال: “إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إثم”، قال: “بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من البول”، ثم دعا بعسيب رطب فشقه اثنين فغرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال: “لعله يخفف عنهما”، وصاحبا هذين القبرين كانا مسلمين يعلم ذلك من بعض روايات الحديث.

قال ابن حجر العسقلاني بعدما ذكر رواية البخاري لهذا الحديث ما نصه: “وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين ففي رواية ابن ماجه: “مر بقبرين جديدين” فانتفى كونهما في الجاهلية، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد  أنه صلى الله عليه وسلم مر بالبقيع: فقال: “من دفنتم اليوم ههنا”؟ فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين، لأن البقيع مقبرة المسلمين والخطاب للمسلمين مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه من هو منهم، ويقوي كونهما كانا مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح: “يعذبان وما يعذبان في كبير”، و: “بلى وما يعذبان إلا في الغيبة والبول” فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين لأن الكافر وإن عذب على ترك أحكام الإسلام فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف” انتهى. ولو كانا كافرين لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لعله يخفف عنهما”.

وروى البخاري في صحيحه عن أبي وائل قال: قال عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا فرطكم على الحوض ليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك”.

وقال عصرينا الشيخ عبد الله الغماري ردا على من قال إن هذا الحديث من المتشابه الذي لا يعلم معناه ما نصه: “ثم إني استغربت منك عد الحديث من المتشابه الذي لا يعلم معناه، مع أننا نجزم بأنه في معاوية وأصحابه ممن حارب الإمام الحق وخرج عليه وفعل الأفاعيل، ولذلك كان الشافعي يقول: لا ألوم أستاذنا مالكا على شىء إلا على ذكره حديث الحوض في الموطإ وهذه من رهنات الأئمة الأكابر رضي الله عنهم فإن ما حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلام أحد على روايته بل يلام على تركه وتضييعه، والمقصود أن الشافعي فهم أن الحديث في معاوية وأصحابه لا في المرتدين”. انتهى.

قلت: هذا الحديث صحيح وهو في المرتدين وليس في أهل صفين، أما الخوارج فإنه ينطبق عليهم.

وأما حديث “ستكون لأصحابي زلة يغفرها الله لهم” فهذا حديث غير ثابت ولا يحتج به للادعاء بأن معاوية ومن معه كانوا غير ءاثمين بقتالهم، لأنه لو كان ثابتا ويدخل فيه معاوية لدل على أنه عصى لأنه حينئذ يكون قوله: “يغفرها الله لهم” دليل على أنه أذنب، فالاحتجاج بهذا الحديث لمعاوية يفسد القول بأنه وجماعته مأجورون.

فإن قيل: كيف يصح أن يقال في معاوية إنه بغى هو وجماعته، وقد صح أنه من كتبة الوحي؟ فالجواب: أن ذلك لا يقتضي أن يكون تقيا صالحا، وهذا لا يقوله إلا من لا اطلاع له على ما صح من الحديث وما قال علماء السيرة فهاك ما قال الحافظ العراقي في ألفيته التي ألفها في السيرة في باب ذكر كتابه صلى الله عليه وسلم قال:

وذكروا ثلاثة قد كتبوا

وارتد كل منهم وانقلبوا

ابن أبي سرح مع ابن خطل

وءاخر أبهم لم يسم لي

ولم يعد منهم إلى الدين سوى

ابن أبي سرح وباقيهم غوى

فهذا الحافظ العراقي يصرح في أن ثلاثة ممن كتبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدوا، اثنان منهم ماتا على الكفر وواحد رجع إلى الإسلام فالذي رجع إلى الإسلام هو ابن أبي سرح واللذان ماتا على الكفر أحدهما ابن خطل والآخر لم يسم ولكن ذكر قصته أنس بن مالك روى ذلك مسلم وابن حبان.

ففي صحيح ابن حبان عن أنس قال: “كان رجل يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد عن الإسلام فلحق بالمشركين، ثم مات فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “إن الأرض لن تقبله”، قال: فقال أبو طلحة: فأتيت تلك الأرض التي مات فيها وقد علمت أن الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال فوجدته منبوذا، فقلت: ما شأن هذا؟ فقالوا: دفناه فلم تقبله الأرض” انتهى. وذكر مثل ذلك ابن سيد الناس في كتابه عيون الأثر باب كتابه صلى الله عليه وسلم.

وروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: “كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه قالوا: هذا كان يكتب لمحمد فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذا”. اهــ

فإن كان الشخص لا يكون معصوما من الكفر لمجرد أنه كان من كتبة الوحي، فكيف يكون معصوما مما هو دون الكفر.

فقد ثبت أن معاوية كما سبق وذكرنا كان يأمر بسب علي، وهو أحد السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”.

وقال في حق علي: “من سب عليا فقد سبني”، الحديث رواه أحمد والحاكم وغيرهما.

والحاصل أن الذي يظن أن كل فرد من أفراد الصحابة تقي ولي كأنه ليس عنده خبر بأحوال من صحب رسول الله، وليس له إلمام بالحديث فلو سكت عن ذلك كان خيرا له، وقد قال االله: ولا تقف ما ليس لك به علم {36} [سورة الإسراء]. وليس هذا من حب الصحابة الذين أمرنا بحبهم لأنه ليس معنى ذلك التسوية بينهم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا” رواه البخاري.

فائدة مهمة: قال الحافظ أحمد الغماري في كتابه “جؤنة العطار” ما نصه: “نقل الذهبي في (التاريخ) عن الإمام مالك أنه قال: “ان معاوية نتف الشيب كذا وكذا سنة، وكان يخرج إلى الصلاة ورداؤه يحمل، فإذا دخل مصلاه جعل عليه وذلك من الكبر” اهــ وهذا يكذب ما نقل عنه من قوله: غبار حافر فرس معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز، وربما نقل بعضهم هذا عن ابن المبارك وكله كذب، وإذا وصف مالك معاوية بالكبر وهو يعلم الحديث الصحيح: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر” المخرج في صحيح مسلم فلا يجوز أن يقول ذلك في عمر بن عبد العزيز” انتهى كلام الغماري.

وبعض الناس إذا رأوا هذا البيان والإيضاح الذي أوردناه والذي هو الموافق للحق يقولون: هذا الكلام لا ينبغي إطلاع العامة عليه، هذا للخصوص فقط. يقال لهم: المحدثون فيما مضى ما كانوا حين يقرءون كتب الحديث بما فيها حديث: “ويح عمار”  يخصصون الكبار والخواص بالإسماع دون الصغار، بل كان المحدث يقرأ جهرا ويسمع الكبار والصغار، وقد كان من عادة أهل الحديث في الماضي إحضار الصغار مجالسهم مع الكبار، حتى إنهم كانوا يحضرون أبناء الخمس سنوات. فهذه الأحاديث ما دونت في كتب الحديث لتدفن بل لتعلم للكبير والصغير، فأي عيب في معرفة الحق للصغير والكبير؟.

تنبيه: ادعى بعض الجهلة أننا نسب معاوية والصحابة وهذا غير صحيح إنما الأمر أننا نبين حقيقة ما جرى بين علي رضي الله عنه ومعاوية وذلك بإيراد الأدلة والأحاديث، فكيف بعد هذا يرموننا بأننا نشتم معاوية وتغافلوا عن أمر وهو أن معاوية هو الذي كان يأمر بسب علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخليفة الراشد، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد السابقين الأولين، وفضائله كثيرة ومناقبه شهيرة، ألم يكن معاوية يأمر بسب علي على المنابر وسرت هذه البدعة القبيحة مدة بعده إلى أن جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فأبطلها، ألم يأمر معاوية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بسب علي، سبحان الله الجهل يعمي ويصم.

خاتمة: قال الحافظ البيهقي ما نصه: “وفي كل هذا دلالة على أن الشافعي رحمه الله كان يعتقد في علي رضي الله عنه أنه كان محقا في قتال من خرج عليه، وأن معاوية ومن قاتله لم يخرجوا بالبغي من الإيمان لأن الله تعالى سمى الطائفتين جميعا مؤمنين، والآية عامة، وجرى علي رضي الله عنه في قتالهم مجرى قتال الإمام العادل من خرج من طاعته من المؤمنين، وسار بسيرته في قتالهم، وقصد به حملهم على الرجوع إلى الطاعة كما قال الله تعالى: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله {9} [سورة الحجرات]” اهــ

وهذا صريح في أن الحافظ البيهقي ما رفع عن معاوية في قتاله لعلي ما سوى الكفر، نفى عنه الكفر فقط وأثبت ما دونه من المعاصي.

ثم قال الحافظ البيهقي أيضا ما نصه: “ثم ولا بد من أن يعتقد كونه محقا في قتالهم، وإذا كان هو محقا في قتالهم كان خصمه مخطئا في قتاله والخروج عليه، غير أنه لم يخرج في بغيه من الإسلام كما حكينا عن الشافعي رحمة الله عليه في متابعته عليا في سيرته في قتالهم وتسميته الطائفتين جميعا مسلمين” اهــ

بعد هذا يقال لهؤلاء الذين ينتسبون إلى الإمامين الأشعري والشافعي ثم يقولون في معاوية إنه اجتهد وله أجر واحد مقابل أجرين لعلي: أنتم مخالفون لإمامكم في العقيدة أبي الحسن الأشعري وإمامكم في الفقه الإمام الشافعي، ففيقوا من سباتكم العميق وتوغلكم في الغفلة عن الحق إلى الصواب، هذه نصيحة المسلم للمسلم.