بسم الله الرحمن الرحيم
درس ألقاه المحدث الفقيه الشيخ عبد الله بن محمد العبدري الحبشي رحمه الله تعالى في مركز أهل السنة والجماعة في مدينة نيس في فرنسة ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة الموافق للحادي والعشرين من شهر أيلول سنة ألفين ر وهو في بيان أسس الإيمان وركائزه. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى إخوانه من النبيين وعلى ءاله الطاهرين.
أما بعد فإن أعظم نعم الله تعالى على عباده عقيدة أهل السنة. عقيدة أهل السنة هي التي علمها رسول الله الصحابة ثم هم علموا من لقيهم من التابعين ثم التابعون علموا أتباع التابعين وهكذا وصلت إلينا جيلا بعد جيل. وعقيدة أهل السنة هي عقيدة أنبياء الله ورسله من ءادم إلى عيسى إلى سيدنا محمد. وهذه العقيدة أساسها معرفة الله على الوجه الذي كان عليه الرسول والصحابة. أساس هذه النعمة معرفة الله ثم الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم. من عرف الله كما ينبغي وءامن بالله ورسوله فهو مسلم ويقال له مؤمن. المسلم والمؤمن بمعنى واحد. من كان كاملا يسمى مسلما مؤمنا ومن لم يكن كاملا فهو مسلم مؤمن المسلم والمؤمن بمعنى واحد. المؤمن الـمعتبر هو المسلم والمسلم الـمعتبر هو المؤمن. ليس كما يظن بعض الناس أن المؤمن هو المسلم التقي أما غير التقي فلا يسمى عندهم مؤمنا، هذا غلط. المسلم مهما كان متلوثا بالذنوب والخطايا فهو مؤمن. لكن الإسلام والإيمان درجتان درجة الكمال وهي التقوى ودرجة دون درجة الكمال. وهي عبارة عن أداء الواجبات كلها واجتناب المحرمات كلها.
ومن جملة الواجبات تعلم علم الدين الضروري فمن تعلم علم الدين الضروري وأدى كل الواجبات الشرعية وتجنب كل المحرمات فهو المسلم الكامل وهو المؤمن الكامل. والفرق بين المسلم الكامل أي المؤمن الكامل وبين المسلم غير الكامل أي المؤمن غير الكامل أن المؤمن الكامل ليس عليه خوف ولا حزن في القبر ولا في الآخرة أبد الآباد لا يحصل له شيء يزعجه ويقلقه في القبر ولا فيما بعد القبر. هذا الذي قال الله تعالى فيه في سورة يونس: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾([1]) . ثم هذا المؤمن الكامل الذي يقال له ولي الله قد يعرف نفسه أنه ولي وقد لا يعرف. كثير من الأولياء لا يعرفون أنهم أولياء إنما يعرفون عند الموت. الملائكة الذين يأتون ليقبضوا روحه مع عزرائيل يسلمون عليه بقول السلام عليك يا ولي الله فلا يبقى عنده خوف بعد ذلك من الموت ولا يخاف من القبر ولا مما بعد ذلك بل يحب أن يخرج من الدنيا بسرعة لأنه عرف أنه لا يصيبه في القبر نكد ولا وحشة ولا شيء مما يزعجه ويبقى فرحه واطمئنان قلبه أبد الآباد. مدة يوم القيامة قدر خمسين ألف سنة. هذه المدة الطويلة على الولي كأنها من تدلي الشمس للغروب إلى غروبها أي نحو ساعة أو ساعة ونصف. كل هذه المدة خمسون ألف سنة يجعلها الله عليه مقدار ساعة ونصف تقريبا. لما يكون الناس تحت حر شمس يوم القيامة هو يكون في ظل العرش لا يصيبه ظمأ ولا جوع ولا ملل من طول يوم القيامة.
ويشارك الولي في الكون تحت ظل العرش في الآخرة أناس ءاخرون ليسوا من الأولياء منهم الشاب الذي نشأ في طاعة الله، والمسلمان اللذان يتحابان في الله لا للدنيا ولا للقرابة بل هذا يحب أخاه لله وهذا يحب هذا لله لا يتعاونان على المعصية بل يتعاونان على الخير لأنهما لم يتحابا للنسب ولا للمال ولا للهوى، كذلك المسلم إذا ذكر الله فحصل له خوف من الله وكان وحده لا يكون معه غيره في خلوة فبكى من خشية الله هذا أيضا كذلك لا يصيبه حر شمس يوم القيامة بل يكون في ظل العرش وأناس ءاخرون غير هؤلاء ليسوا أولياء لكنهم مسلمون كانت لهم هذه الصفات.
وبعد هذين الأصلين للإسلام الإيمان بالله والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم يوجد خمسة أشياء في الاعتقاد كل الأنبياء مشتركون فيها.
هذه الخمسة أولها الإيمان بالملائكة أي الإيمان بوجود ملائكة الله الذين هم عباد الله مكرمون مطيعون لله تعالى رئيسهم جبريل وثانيها الإيمان بكتب الله المنزلة على بعض الأنبياء كالتوراة والإنجيل والزبور والقرءان الكريم. هذه الأربعة هي الكتب المشهورة أكثر من غيرها والله أنزل كتبا غيرها على بعض الأنبياء هي مائة كتاب غير هؤلاء الأربعة أنزلها الله على بعض الأنبياء. والأمر الثالث من هؤلاء الخمسة الإيمان بأنبياء الله أي أن الله أرسل لعباده الإنس والجن أنبياء من البشر، والأنبياء كلهم من البشر. يجب التصديق بأن الله تعالى أرسل أنبياء أولهم ءادم وءاخرهم محمد. ورابعها الإيمان باليوم الآخر أي أن الله تعالى يعيد البشر والجن والملائكة بعدما يموتون يعيدهم لحياة ثانية لا نهاية لها يجازى فيها الإنسان بعمله.
ثم الأمر الأخير الإيمان بالقدر أي أن الله تعالى هو الذي يوجد كل شيء بقدرته ومشيئته وعلمه. الأجسام والحركات والسكنات والنطق والنظر والتفكير كل هذا هو الذي يخلقه لا خالق سواه.
فكل الأنبياء هذا دينهم إنما الفرق بين الأنبياء أن الله تعالى أوحى إلى نبي بشيء ثم أوحى إلى نبي ءاخر بأمر ءاخر. الصلاة في دين كل نبي، لكن بعض الأنبياء الله فرض عليهم صلاتين وبعضهم صلاة واحدة وبعض خمس صلوات وبعض خمسين صلاة. وبعضهم جعل الزكاة في شرعهم ربع مال الشخص، وبعض في الذهب والفضة ربع العشر وهو شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الله شرع لمحمد أن تزكي أمته الذهب والفضة ربع العشر. هذا خفيف بالنسبة لأولئك الذين فرض عليهم أن يدفعوا ربع الذهب والفضة الذي عندهم. والصلاة كان الله تعالى فرض على كل الأنبياء قبل نبينا محمد أن يصلوا في مكان مخصوص أما لسيدنا محمد فرخص الله له ولأمته أن يصلوا في كل مكان في المساجد والبيوت والأسواق والبرية والجبال وفي السفن أما أولئك الأنبياء فكانت لا تصح الصلاة منهم إلا في مكان هيء للصلاة فقط ونحو ذلك.
أما في الأصول الستة أي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره فكل الأنبياء متفقون. كذلك الله تعالى شرع لكل نبي تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما يرفع عليه اسم غير الله عند الذبح. هذه الأربعة محرمة في كل الشرائع أكل الدم والميتة ولحم الخنزير وما رفع عليه اسم غير الله. المسلمون يرفعون على الذبيحة اسم الله يقولون بسم الله والله أكبر أما ما رفع عليه اسم غير الله فهو حرام في كل شرائع الأنبياء. لا تختلف شرائعهم في ذلك. كذلك تحريم الزنا كان في كل الشرائع. والوضوء كان في الشرائع التي قبل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم إن بعض الشرائع في بعض الأحكام التي أنزل الله تعالى على أنبياء تلك الشرائع أخف من الأحكام التي أنزلها على بعض وأحيانا يكون عكس ذلك. وليس الأمر كما يظن بعض الناس أن شريعة محمد أثقل الشرائع بل شريعة محمد سمحة سهلة. أولئك الأنبياء الذين قبلها وأممهم الصلاة إذا حان وقتها يجب عليهم أن يذهبوا إلى المكان الذي خصص للصلاة لو كان يأخذ الوصول إليه وقتا طويلا أما عندنا في شريعة محمد الشخص المسلم متى ما دخل الوقت يصلي في بيته أو في دكانه أو في بستانه في أي مكان يصلي. لكن أيام موسى عليه السلام فرعون كان هدم مساجد بني إسرائيل المسلمين فرخص الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم، في هذه الحالة كان يجوز لهم أن يصلوا في بيوتهم أما فيما قبل ذلك كانوا يتكلفون الذهاب إلى المكان المخصوص للصلاة ففرق كبير بين شريعة سيدنا محمد للصلاة وبين شرائع الأنبياء الأولين.
واعلموا أن أهم الأمور في الدين هو معرفة الله والإيمان به. الله تبارك وتعالى موجود لا يشبه شيئا كما يقول القرءان في سورة الشورى: ﴿ليس كمثله شيء﴾([2]) معنى هذه الآية أن الله لا يشبه الإنسان ولا الملائكة ولا الضوء ولا الظلام ولا الريح ولا الروح ليس جسما كثيفا يمكن ضبطه باليد وجسه وليس جسما لطيفا لا يضبط باليد كالضوء. ضوء الشمس وظلام الليل شيئان موجودان لكن ليسا مما يضبط، وكذلك الهواء، فالله تعالى ليس كهذا ولا كهذا. ثم الله تعالى خلق الجسم الصغير الذي لا تراه العيون وخلق جسما صغيرا تراه العين كحبة الخردل وخلق ما هو أكبر منها ثم ما هو أكبر ثم ما هو أكبر ثم ما هو أكبر إلى أن انتهى كبر الحجم بالعرش وهو قادر على أن يخلق أكبر من العرش. فالله تعالى الذي خلق الحجم الصغير والحجم الكبير لا يجوز أن يكون حجما صغيرا ولا حجما كبيرا.
ثم إنه تعالى لا يشبه مخلوقه في صفات المخلوق. صفات المخلوق كالحركة والسكون. بعض المخلوقات جعلها الله متحركة دائما وهي النجوم. النجوم ما فيها نجم إلا وهو متحرك لكن بعضها لا تظهر حركته إلا بطول المراقبة. وبعض المخلوقات جعلها الله دائما ساكنة. العرش والسموات السبع والكرسي الذي جعل بين العرش والسموات السبع هذه ساكنات دائما. وجعل الله البشر والجن والملائكة والبهائم والطيور ساكنين وقتا ومتحركين وقتا فهو تبارك وتعالى لا يجوز أن يكون حجما متحركا دائما ولا يجوز أن يكون حجما ساكنا دائما ولا يجوز أن يكون حجما يسكن ووقتا ويتحرك وقتا.
كذلك المخلوق قسم منه في جهة فوق وقسم منه في جهة تحت. هو خلق الجهات الست وجعل الملائكة متحيزين في جهة فوق. قسم منهم يطوفون بالعرش كما نحن نطوف بالكعبة وقسم منهم ملازمون للسموات السبع وجعل الشمس والنجوم والقمر متحيزين في جهة فوق. وجعل البشر والجن والبهائم متحيزين في جهة تحت. والله تعالى لا يجوز أن يكون متحيزا في جهة فوق كالملائكة ولا يجوز أن يكون متحيزا في جهة تحت بل هو موجود بلا مكان لأنه ليس حجما ليس حجما صغيرا ولا حجما كبيرا كالعرش ولا حجما كالأحجام التي بين أصغر الخلق والعرش.
ثم إن العالم يتحول من حال إلى حال من صفة إلى صفة والله يستحيل عليه أن يتحول من حال إلى حال. علمه أزلي أبدي لا يزيد ولا ينقص ولا يتغير وقدرته كذلك ومشيئته كذلك. كل ما دخل في الوجود قبل هذا وما سيدخل في الدنيا وما سيدخل في الآخرة التي لا نهاية لها كل هذا علمه بعلم واحد وأوجده بمشيئة واحدة وقدرة واحدة شاملة لكل هذه الأشياء. فما دام الإنسان يظن أن الله حجم صغير أو كبير فهو لا يعرف الله، هو جاهل بالله، أما إذا أخرج من قلبه اعتقاد الحجم في الله واعتقد أن الله موجود لا يشبه الموجودات متصف بصفات لا تشبه صفات غيره فهذا عرف الله تعالى كما جاء في القرءان: ﴿ليس كمثله شيء﴾([3]) أما ما دام يتصور في نفسه ويعتقد أن الله حجم كبير كالعرش أو أصغر من العرش كالسموات أو كالشمس أو كالقمر أو كالجبل أو كالإنسان فهو جاهل بالله ولا يكون مؤمنا إنما المؤمن من عرفه تعالى كما يليق به.
هذا مذهب أهل السنة والصحابة ومن تلقى علم الدين من الصحابة ومن تلقى من أولئك حتى وصل الأمر زماننا هذا ويبقى هذا في أمة محمد إلى نهاية الدنيا. لكن شذ أناس بعد الصحابة صاروا يقولون الله جسم قاعد على العرش وشذ أناس أيضا في قولهم الإنسان يخلق أفعاله حركاته وسكناته. هذان الفريقان شذوا أي خرجوا عما كان عليه الصحابة ومن تبع الصحابة جاؤوا بدين جديد. الذين قالوا الله قاعد على العرش دينهم جديد وهم الوهابية والذي قالوا إن الإنسان يخلق أفعاله النظر والـمشي والتفكير والنطق ليس الله يخلقها هؤلاء شذوا كذبوا القرءان أيضا وليسوا مسلمين. القرءان يقول في سورة الرعد ﴿الله خالق كل شيء﴾([4]) ويقول في سورة الفرقان ﴿وخلق كل شيء﴾([5]) الله خلق كل ما دخل في الوجود من أجسام ومن حركات الأجسام وصفاتها. لا خالق إلا هو.
ثم بعد أن مضى ستمائة وستون سنة ظهر رجل فقال التوسل بالرسول حرام إلا في حياته وبحضوره. هذا الشخص هو أول من حرم التوسل بالرسول والأولياء وكان المسلمون قبله كلهم متفقين على أن التوسل بالأنبياء والأولياء جائز. ثم بعد أن مضى ألف ومائتا سنة من تاريخ الهجرة ظهر رجل يقال له ابن عبد الوهاب محمد بن عبد الوهاب فقال الذي يقول يا محمد كافر والذي يقول يا رسول الله كافر. منذ مائتي سنة وشيء ظهر هذا الدين دين الوهابية. المسلمون من أيام الرسول إلى يومنا هذا يقولون يا محمد عند الفرح وعند الضيق. ما أنكر منهم أحد إلا هذا الرجل محمد بن عبد الوهاب قال الذي يقول يا محمد هذا عبده، قال لمن يناديه فهو كافر حلال الدم. وهذا الأمر تشهد عليهم به كتبهم. في بعض حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما كان يجوز أن ينادى يا محمد حرم الله أن ينادى في وجهه يا محمد لأنه حصل من بعض العرب الجفاة الجهال إساءة أدب مع الرسول وقفوا من وراء حجرته فقالوا يا محمد اخرج إلينا نادوه بشكل مخالف للأدب عندئذ حرم الله على الأمة أن ينادى الرسول في وجهه بلفظ يا محمد أما في خلفه بعد هذا بقي جائزا أن ينادى يا محمد يا رسول الله. إنما في ذلك الوقت تشريفا للرسول الله حرم أن ينادى في وجهه يا محمد إنما يقال يا رسول الله أو يا نبي الله تشريفا له.
ثم حديث نختم به المجلس فيه بيان معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم. رجل من الصحابة اسمه عمرو بن أخطب الرسول صلى الله عليه وسلم طلب شرابا فقدم له ماء فيه شعرة، هذا الرجل عمرو بن أخطب نزع هذه الشعرة، الرسول دعا له قال اللهم جمله. ثم هذا الرجل عاش ثلاثا وتسعين سنة ما طلع له شيب ولا شعرة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له فقال اللهم جمله. هذا الشيء ما حصل في البشر منذ خلق الله الشيب. البشر ما كانوا يشيبون. أول من شاب إبراهيم ثم بعد أن حصل الشيب لإبراهيم ما أحد عاش تسعين سنة من غير أن يظهر له شعرة من الشيب إلا هذا الرجل ببركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم أظهر الله للرسول صلى الله عليه وسلم معجزة في هذا الرجل. نهلل ونصلي على النبي.
انتهى والله تعالى أعلم
[1])) سورة يونس/الآية 62.
[2])) سورة الشورى/الآية 11.
[3])) سورة الشورى/الآية 11.
[4])) سورة الرعد/الآية 16.
[5])) سورة الفرقان/الآية 2.