الخميس فبراير 12, 2026

الرد الشرعي على من أباحت للمرأة أن تؤم الرجال في صلاة الجمعة وتخطب فيهم

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى ءاله وصحبه الطيبين، أما بعد فقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) النساء 115، وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.

وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ورواه مسلم بلفظ ءاخر وهو (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فأفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (ما ليس منه) أن المحدث إنما يكون ردا أي مردودا إذا كان على خلاف الشريعة، وأن المحدث الموافق للشريعة ليس مردودا.

وروى الحافظ البيهقي في مناقب الشافعي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة، والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة).

ومن هذه الأمور المحدثة على غير وفق الشريعة، ما أحدثته في عصرنا هذا امرأة لا نصيب لها من الفقه ولا من العلم، فقد أجازت لنفسها أن تخطب الجمعة وأن تؤم الرجال في صلاة الجمعة، مع أن حكم الشريعة ينص أنه لا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال في الصلاة مطلقا، ومنها صلاة الجمعة، ولا أن تخطب فيهم خطبة الجمعة فضلا عن أن تتولاها، ومن طالع كتب الفقهاء على اختلاف مذاهبهم ظهر له ذلك دون تكلف ولا عناء، حيث إنهم يشترطون لصحة الإمامة بالرجال أن يكون إمامهم ذكرا، ولصحة إقامة الجمعة أن يحضر عدد معين من الذكور، وهذا الحكم من أوضح أحكام الإسلام، وعليه أهل القرون المفضلة الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم من الأئمة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من العلماء المعتبرين، فلا يكاد يجهله أحد من المسلمين، وذلك لتتابع الأجيال من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا على العمل بمقتضاه، وعدم مخالفته، ولم يثبت أن امرأة واحدة عبر التاريخ الإسلامي قد أقدمت على هذا الفعل على مدى هذه العصور المتعاقبة، لا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عصر الخلفاء الراشدين ولا في عصر التابعين، ولا فيما تلا ذلك من العصور، مع أنه كان من النساء الفقيهات النابغات، وعن بعضهن نقل كثير من الدين، ومنهن من كن شيوخا لمثل الشافعي والبخاري وابن عساكر وغيرهم!!

وقد ولى عمر رضي الله عنه الشفاء بنت عبد الله العدوية رضي الله عنها مهام الحسبة في سوق المدينة ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة الشفاء.
وفي تهذيب الكمال عند ترجمة الشفاء قال وكان عمر بن الخطاب يقدمها في الرأي ويرضاها ويفضلها وربما ولاها شيئا من أمر السوق وفي تهذيب التهذيب مثل ذلك.
وروى الطبراني عن يحيى بن أبي سليم قال (رأيت سمراء بنت نهيك (وكانت قد أدركت النبي صلى الله عليه وسلم) عليها دروع غليظة، وخمار غليظ، بيدها سوط تؤدب الناس، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر) قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد المجلد التاسع كتاب المناقب باب في سمراء رضي الله عنها رواه الطبراني ورجاله ثقات.

ولم تقتصر مكانة المرأة في الإسلام على كونها أول مؤمنة في الإسلام (السيدة خديجة رضي الله عنها)، وأول شهيدة (السيدة سمية رضي الله عنها)، وأول مهاجرة (السيدة رقية مع زوجها سيدنا عثمان رضي الله عنهما)، بل تعدت مكانتها ذلك عبر العصور والدهور، وأقر النبي صلى الله عليه وءاله وسلم مشاركة النساء في الجهاد والغزوات فغزت المرأة مع رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم كأم سليم وأم حرام بنت ملحان، وأم الحارث الأنصارية، والربيع بنت معوذ ابن عفراء، وأم سنان الأسلمية، وحمنة بنت جحش، وأم زياد الأشجعية وغيرهن رضي الله عنهن وأرضاهن.

كما نبغ في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي الآلاف من العالمات المبرزات والمتفوقات في أنواع العلوم العربية والإسلامية، وقد ترجم الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة لثلاث وأربعين وخمسمائة وألف امرأة، منهن الفقيهات والمحدثات والأديبات.

أدلة شرعية تمنع إمامة المرأة للرجال:
لا يجوز أن تؤم المرأة الرجال في الصلاة، لأدلة كثيرة منها:

1- قال الله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) النساء 34.

2- روى البخاري عن أبي بكرة قال (لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وإمامة الصلاة ولاية.

3- وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) فإذا تقدمت المرأة على الرجال فهذا ليس فيه خيرية وإذا كان ليس فيه خيرية شرعا فإن الشارع ينفيه ولا يقره، إذ إن الشريعة مبنية على المصلحة.

4- وفي الصحيحين عن سهل بن سعد قال لقد رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم مثل الصبيان من ضيق الأزر خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال قائل يا معشر النساء لا ترفعن رءوسكن حتى يرفع الرجال.

5-وفي صحيح البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه ويمكث هو في مقامه يسيرا قبل أن يقوم، قال (الراوي) نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال.

6- وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد.

7- وفي صحيح البخاري أن عائشة كان يؤمها عبدها ذكوان من المصحف، أورده في كتاب الأذان معلقا بصيغة الجزم ووصله ابن أبي شيبة في المصنف ولفظه (عن أبي بكر بن أبي مليكة أن عائشة أعتقت غلاما لها عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف) فلم يكن ذكوان حافظا بدليل أنه يؤمها من المصحف، ولا يشك أحد في أن عائشة تفضله في المكانة والحفظ والعلم، ومع ذلك كله لم تتقدم عليه وتؤمه.
ثم هذا الأثر ورد في شأن صلاة التراويح، فإذا كانت المرأة لا تصلي برجل نافلة فكيف يقبل أحد من الرجال أن تصلي المرأة به فرضا ؟!

8- وفي صحيح البخاري أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأمي أم سليم خلفنا والحديث دليل على أنها لا تحاذي رجلا في الصف وإن كان المحاذى ابنها، ولو كان صغيرا، فكيف تتقدم عليهم!؟

9- وفي سنن ابن ماجه حديث يستأنس به، لصحة معناه وضعف إسناده وهو (ألا لا تؤمن امرأة رجلا).

10- وفي مصنف عبد الرزاق، ومعجم الطبراني الكبير قال ابن مسعود رضي الله عنه آمرا بأن يجعل النساء خلف الرجال (أخروهن حيث أخرهن الله).

أقوال العلماء الدالة على منع إمامة المرأة للرجل:
عدم صحة إمامة المرأة للرجال في الجماعة والجمعة، هو قول عامة العلماء، وهو قول الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين، قاله البيهقي في سننه، وهو أيضا قول الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وأحمد، كما في المجموع شرح المهذب للنووي.

الحنفية:
قال الحصكفي الحنفي في الدر المختار وهو يعد شروط صحة الجمعة (والشرط الثاني السلطان ولو متغلبا أو امرأة فيجوز أمرها بإقامتها لا إقامتها).

قال ابن عابدين الحنفي في رد المحتار (ولا يصح اقتداء رجل بامرأة) أي في الصلاة.

قال السرخسي في المبسوط (إمرأة صلت خلف الإمام وقد نوى الإمام إمامة النساء فوقفت في وسط الصف فإنها تفسد صلاة من عن يمينها ومن عن يسارها ومن خلفها بحذائها، … فالمختار للرجال التقدم على النساء فإذا وقف بجنبها أو خلفها فقد ترك المكان المختار له وترك فرضا من فروض الصلاة فإن عليه أن يؤخرها عند أداء الصلاة بالجماعة …. فإذا ترك تفسد صلاته). اهـ

المالكية:
قال ابن أبي زيد القيرواني في رسالته المشهورة المطبوع مع شرحه الفواكه الدواني (ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء).

قال النفراوي المالكي (ولا) يصح أن ( تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء) لخبر(لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وسواء عدمت الرجال أو وجدت، لأن الإمامة خطة شريفة في الدين ومن شرائع المسلمين. انتهى من الفواكه الدواني
ويقول الدردير متحدثا عن شروط الإمام (وشرطه إسلام، وتحقق ذكورة، وعقل، وكونه غير مأموم، ولا متعمد حدث) كما في أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك، وهو ما قرره خليل رحمه الله في المختصر، وأكد عليه شارحه في الشرح الكبير.
وحكى القرطبي عن علماء المالكية فقال (وقال علماؤنا لا تصح إمامتها للرجال ولا للنساء) كما في الجامع لأحكام القرءان.
وفي حاشية الصاوي على الشرح الصغير (وشرطه) أي الإمام ( تحقق ذكورة) فلا تصح خلف امرأة ولا خنثى مشكل ولو اقتدى بهما مثلهما. اهـ
وقال ابن العربي المالكي (والأنثى ليست بإمام) كما في أحكام القرءان.
وقال الحطاب المالكي في التاج والإكليل قال المازري (لا تصح إمامة المرأة عندنا وليعد صلاته من صلى وراءها وإن خرج الوقت). اهـ

الشافعية:
قال الإمام الشافعي في الأم (وإذا صلت المرأة برجال ونساء وصبيان ذكور فصلاة النساء مجزئة، وصلاة الرجال والصبيان الذكور غير مجزئة، لأن الله عز وجل جعل الرجال قوامين على النساء وقصرهن عن أن يكن أولياء وغير ذلك، ولا يجوز أن تكون امرأة إمام رجل في صلاة بحال أبدا). اهـ

وقال الشيرازي الشافعي في المهذب ولا يجوز للرجل أن يصلي خلف المرأة لما روى جابر رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (لا تؤم امرأة رجلا، فإن صلى خلفها ولم يعلم ثم علم لزمه الإعادة لأن عليها أمارة تدل على أنها امرأة فلم يعذر في صلاته خلفها، ولا تجوز صلاة الرجل خلف الخنثى المشكل لجواز أن يكون امرأة ولا صلاة الخنثى خلف الخنثى لجواز أن يكون المأموم رجلا والإمام امرأة). اهـ

وقال النووي الشافعي في المجموع (اتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة، وسواء في منع إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح، وسائر النوافل، هذا مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف رحمهم الله وحكاه البيهقي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وسفيان وأحمد وداود….قال أصحابنا فإن صلى خلف المرأة ولم يعلم أنها امرأة ثم علم لزمه الإعادة بلا خلاف…..ثم إذا صلت المرأة بالرجل أو الرجال فإنما تبطل صلاة الرجال، وأما صلاتها وصلاة من وراءها من النساء فصحيحة في جميع الصلوات إلا إذا صلت بهم الجمعة، فإن فيها وجهين حكاهما القاضي أبو الطيب وغيره في مسألة القارئ خلف الأمي (أصحهما) لا تنعقد صلاتها (والثاني) تنعقد ظهرا وتجزئها، وهو قول الشيخ أبي حامد وليس بشىء). انتهى

وصرح الشافعية باشتراط الذكورة في سائر الخطب كما في حاشية الجمل على المنهج (وشرط الذكورية جار في سائر الخطب). اهـ

الحنابلة:
قال ابن قدامة في المغني في باب الإمامة ما نصه (وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء.اهـ، ثم قال ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تؤمن امرأة رجلا)، ولأنها لا تؤذن للرجال، فلم يجز أن تؤمهم، ثم قال ولا خلاف في أنها لا تؤمهم في الفرائض. اهـ

وفي المغني أيضا (لا جمعة على مسافر ولا عبد ولا امرأة) ثم قال أما المرأة فلا خلاف في أنها لا جمعة عليها قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا جمعة على النساء. اهـ

وقال البهوتي من الحنابلة في دقائق أولي النهي وهو يعدد شروط صحة الخطبة (وأن يصح أن يؤم فيها أي الجمعة فلا تصح خطبة من لا تجب عليه بنفسه كعبد ومسافر) ومثلهما المرأة لأن الجمعة لا تجب عليها باتفاق.

وقال في كشاف القناع عن متن الإقناع (ولا تصح إمامة امرأة) برجال لما روى ابن ماجه عن جابر مرفوعا (لا تؤمن امرأة رجلا) ولأنها لا تؤذن للرجال فلم يجز أن تؤمهم كالمجنون، ولا بخناثى لاحتمال كونهم رجالا (ولا) إمامة (خنثى مشكل برجال) لاحتمال كونه امرأة. اهـ

وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف (ولا تصح إمامة المرأة للرجل هذا المذهب مطلقا قال في المستوعب هذا الصحيح من المذهب ونصره المصنف واختاره أبو الخطاب وبن عبدوس في تذكرته وجزم به في الكافي والمحرر والوجيز والمنور والمنتخب وتجريد العناية والإفادات وقدمه في الفروع والرعايتين والحاويين والنظم ومجمع البحرين والشرح والفائق وإدراك الغاية وغيرهم وهو ظاهر كلام الخرقي). اهـ

جواز إمامة المرأة للنساء:
أما إمامتها للنساء فلا بأس بذلك عند الشافعية، وقد أمت النساء عائشة رضي الله عنها وأم سلمة رضي الله عنها في الفرض والتروايح.

قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (حديث عائشة أنها أمت نساء فقامت وسطهن رواه عبدالرزاق ومن طريقه الدارقطني والبيهقي من حديث أبي حازم عن رائطة الحنفية عن عائشة أنها أمتهن فكانت بينهن في صلاة مكتوبة) وروى ابن أبي شيبة ثم الحاكم من طريق ابن أبي ليلى عن عطاء عن عائشة أنها كانت تؤم النساء فتقوم معهن في الصف. وحديث أم سلمة أنها أمت نساء فقامت وسطهن، الشافعي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق ثلاثتهم عن ابن عيينة عن عمار الدهني عن امرأة من قومه يقال لها حجيرة عن أم سلمة أنها أمتهن فقامت وسطا، ولفظ عبدالرزاق (أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا) ومن طريقه رواه الدارقطني، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة، عن أم الحسن أنها رأت أم سلمة تقوم معهن في صفهن. اهـ

وقال الحافظ ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية وأخرج محمد بن الحسن من رواية إبراهيم النخعي عن عائشة (أنها كانت تؤم النساء في شهر رمضان فتقوم وسطا). اهـ

وروى عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: تؤم المرأة النساء تقوم في وسطهن. اهـ

وروى أحمد وأبو داود والحاكم والدارقطني وابن خزيمة والبيهقي والدراقطني والطبراني في الكبير، واللفظ لأبي داود، عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله ابن الحارث، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها. اهـ قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا. اهـ

وفي مسند أحمد والمعجم الكبير للطبراني وغيرهما وكانت قد جمعت القرءان. اهـ
وقال الدارقطني إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها. انتهى

قال ابن قدامة في المغني (وحديث أم ورقة إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها كذلك رواه الدارقطني، وهذه زيادة يجب قبولها ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الخبر عليه). اهـ

فجواز إمامة المرأة للنساء هو القول الراجح عند الأئمة، وهو قول الشافعية والحنابلة، وتقف إمامتهن في وسطهن، وهذا هو فعل الصحابيات والتابعات لهن بإحسان.
وقد جاء في روضة الطالبين للنووي الشافعي (وإن كانت امرأة صح اقتداء النساء بها) ومثله في مغني المحتاج للشربيني الشافعي. اهـ
وجاء في المغني لابن قدامة الحنبلي: هل يستحب أن تصلي المرأة بالنساء جماعة فروي أن ذلك مستحب وممن روي عنه أن المرأة تؤم النساء عائشة وأم سلمة وعطاء والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحق وأبو ثور. اهـ

وجاء في المبدع في شرح المقنع لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح الحنبلي (وإذا صلت امرأة بالنساء قامت في وسطهن في الصف) ومثله في المغني والعدة وغيرهما. اهـ

خلاصة القول:
لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة، وسواء في منع إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح، وسائر النوافل، هذا مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، ولو كانت تلك المرأة المبتدعة صادقة في اتباع الشرع لتمكنت من علوم الشريعة أولا ثم أقدمت على إقامة محاضرات أو ندوات دينية ولو حضرها رجال، أو لأقامت صلاة الجماعة بالنساء لو كانت حريصة على صلاة الجماعة كما تدعي.

ولا حول ولا قوة إلا بالله وسبحان الله والحمد لله رب العالمين.

 

دحض ما لحق بالشيخ محيي الدين بن عربي من شبهات وبراءته من عقيدة الحلول والاتحاد

إن مما ابتلينا به في هذا العصر اناسًا يروجون الاكاذيب الملفقة والاقاويل الفاسدة باسم الصوفية وهم في الحقيقة ما عرفوا من الصوفية الا الاسم بل هم بعيدون كل البعد عن التصوف كما نرى اناسًا اخرون يذمون الصوفية بالاطلاق ويعتبرون التصوف كفرًا وزندقة ليست الصوفية مذمومة على الاطلاق بل المذموم هو من ادعى التصوف ثم خالف الشريعة وترك العمل بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لانّه لا بد للصوفي ان يعمل بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا ليس كما يقول بعض مدعي التصوف عن الذين يشتغلون بالعلم انتم اهل الظاهر اما نحن اهل الباطن يقولونها على معنى الذم وهذا فساد لا يقبله الدين.

فالتصوف هو صفاء المعاملة مع الله والصدق بالقول والعمل والنية، واجتناب المحرم والتزام الواجب والاكثار من نوافل الطاعات وتعليق القلب بالاخرة والعطف على الفقراء والمساكين ومساعدة الارامل والمحتاجين وعدم تعلق القلب بالدنيا وزينتها مع التواضع والانكسار وغض البصر وحفظ الجوارح مع الحلم والتأدب بآداب الشريعة واتباع الرسول في كل صغيرة وكبيرة، والعمل بقول الله تعالى (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).

الصوفية هم الذين صفّت نفوسهم وزكت اعمالهم فمن كان بهذه الصفة فهو من احباب الله تعالى، وقد كان اول الصوفية ابو بكر الصديق رضي الله عنه ثم اشباهه في سيرته التي هي صفاء المعاملة واتباع الرسول فمن اداى الواجبات واجتنب المحرمات واخلص لله في سره واحسن نيته فذلك هو الصوفي الذي تستنزّل الرحمت بذكره، ليس التصوف مجرد لبس الثياب الرثة وعدم الاكتراث الى صنوف الملذات بل لا بد من التقوى قبل كل ذلك، فكم من اناس يظهرون انفسهم بمظهر التصوف ثم نراهم يحرفون دين الله تعالى بل ومنهم من يعتقد الحلول والاتحاد اي على زعمهم ان الله حل فيهم وهذا كفر وضلال، فمثل هؤلاء هم من اساءوا الى التصوف حتى ظن بعض الناس ان الصوفية كلهم على هذا الاعتقاد.

ومن الكتب التي يجب التحذير منها كتاب ، كذا يجب التحذير من كتاب -فصوص الحكم- وبعض غيرها من مؤلفات الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه.

واما الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه فاعتقادنا فيه انه من العلماء الصالحين والصوفية الصادقين الزاهدين، ترجمه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان(2)، وذكر انه اعتد به حفاظ عصره كابن النجار.
واكثر ما في كتابيه المذكورين مما هو مدسوس عليه مما ليس من كلامه كلمات الوحدة المطلقة، ففي كتابه -الفتوحات المكية- ما يخالف ذلك فان فيها ذم عقيدة الوحدة المطلقة، وذم عقيدة الحلول، فمما فيه لابطال الوحدة المطلقة والحلول قوله في الفتوحات المكية (من قال بالحلول فدينُه معلول وما قال بالاتحاد الا اهل الالحاد). اهـ

فبعد هاتين العبارتين الصريحتين في ابطال عقيدة الوحدة المطلقة وعقيدة الحلول، لا يجوز ان يصدق على الشيخ محيي الدين ما في بعض المواضع الاخرى من هذا النوع.

ومعناه من اعتقد بالحلول او الاتحاد فهو كافر ملحد والعياذ بالله وكان من هؤلاء رجل اسمه الحلاج كان يدعي التصوف ثم يقول ما في الجبة الا الله وانا الله وقد بعث مرة برسالة الى احد مريديه يقول له فيها من الرحمن الرحيم الى فلان، والعياذ بالله من هذا الكفر.

فالتصوف بريء من مثل هذا الرجل الذي تفرس فيه الجنيد امام الصوفية العارفين حيث قال له: لقد فتحت في الاسلام ثغرة لا يسدها الا رأسك، تحققّت فراسة الجنيد بالحلاج الذي قتل على يد الخليفة المقتدر بالله فأراح الله المسلمين من فساده وشره، وقد قال سيدنا احمد الرفاعي الكبير عن الحلاج (لو كان على الحق ما قال انا الحق) وليعلم ايضا انه ليس من التصوف الاجتماع باسم الطريقة بدعوى الذكر كما يفعل بعض المنتسبين الى بعض الطرق ثم نراهم يحرفون اسم الله كأن يقولوا اللا بدل الله ثم يقولون بعد ذلك اه اه فذلك من الحرام الذي لا يرضى الله به لان فيه تحريفًا لاسم الله والله تعالى يقول (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه).

ومما في الفتوحات المكية مما لا يصدق عليه ما نقله بعض اهل عصرنا وهو محمد الهاشمي التلمساني نزيل دمشق في رسالة الفها عن الفتوحات المكية:
كل كلام في العالم كلامه القول كله حسن فما وافق الغرض فهو احسن. اهـ وقد حضرت مجلس الشيخ الولي احمد الحارون الدمشقي رحمه الله وكان معروفا في بلده دمشق بالكشف فسألته ان الشيخ محمدا الهاشمي الف رسالة ذكر فيها نقلا عن كتاب الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية هذه العبارة المذكورة فقال الشيخ احمد: هذا الشيخ ما له حق في ان يذكر هذا، الفتوحات المكية فيها دس كثير. اهـ

وقد قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه لطائف المنن والاخلاق مما يؤيد ما ذكرنا ما نصه(3):
وقد نقل الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية اجماع المحققين على ان من شرط الكامل ان لا يكون عنده شطح عن ظاهر الشريعة ابدا بل يرى ان من الواجب عليه ان يحق الحق ويبطل الباطل، ويعمل على الخروج من خلاف العلماء ما امكن. انتهى

هذا لفظه بحروفه ومن تأمله وفهمه عرف ان جميع المواضع التي فيها شطح في كتبه مدسوسة عليه لا سيما كتاب -الفتوحات المكية- فانّه وضعه حال كماله بيقين، وقد فرغ منه قبيل موته بنحو ثلاث سنين، وبقرينة ما قاله في الفتوحات المكية في مواضع كثيرة من ان الشطح كله رعونة نفس لا يصدر قط من محقق، وبقرينة قوله ايضا في مواضع (من اراد ان لا يضل فلا يرم ميزان الشريعة من يده طرفة عين بل يستصحبها ليلا ونهارا عند كل قول وفعل واعتقاد). انتهى
انتهى كلام الشعراني.

ثم قال الشيخ الشعراني في لطائف المنن ما نصه (4):
وليحذر ايضا من مطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه لعلو مراقيها، ولما فيها من الكلام المدسوس على الشيخ لا سيما الفصوص والفتوحات المكية، فقد اخبرني الشيخ ابو طاهر عن شيخه عن الشيخ بدر الدين بن جماعة انه كان يقول: جميع ما في كتب الشيخ محي الدين من الامور المخالفة لكلام العلماء فهو مدسوس عليه، وكذلك كان يقول الشيخ مجد الدين صاحب القاموس في اللغة.
قلت [الشعراني]: وقد اختصرت الفتوحات المكية وحذفت منها كل ما يخالف ظاهر الشريعة، فلما اخبرت بانهم دسوا في كتب الشيخ ما يوهم الحلول والاتحاد ورد عليّ الشيخ شمس الدين المدني بنسخة الفتوحات التي قابلها على خط الشيخ بقونية فلم اجد فيها شيئا من ذلك الذي حذفته ففرحت بذلك غاية الفرح، فالحمد لله على ذلك. انتهى كلام الشعراني

قال الشيخ ابو الهدى الصيادي ما نصه (5):
والكثير من هذه الفرقة قام قائمهم وقعد قاعدهم منهمكا بمطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي طاب مرقده، ولا بدع فكتب الشيخ كثرت فيها الدسائس من قبل ذوي الزيغ والبهتان، وعصائب الشيطان، وهذا الذي يطيب القول به لمن يريد براءة الذمة من القطع بما لم يعلم والله تعالى قال (ولا تقف ما ليس لك به علم) الاسراء، وقد نسبوا اعني الدساسين للشيخ ما لا يصح لا عقلا ولا شرعا، ولا ينطبق على حكمة نظرية، ولا يوافق صحاح القواعد العرفانية. اهـ
ثم قال بعد كلام ما نصه (6):
والحق يقال: الذي عليه اهل الورع من علماء الدين انه لا يحكم على ابن عربي رحمه الله نفسه بشيء لاننا لسنا على يقين من صدور مثل هذه الكلمات منه، ولا من استمراره عليه الى وفاته، ولكنا نحكم على مثل هذا الكلام بأنه كفر. اهـ
وقال صاحب المعروضات المزبورة احد الفقهاء الحنفية المشهورين (تيقنا ان اليهود دسوا عليه في فصوص الحكم). اهـ

ـــــــــــــــــــ
1 الاجوبة المرضية، مخطوط (ق/172).
2 لسان الميزان (5/353).
3 لطائف المنن والاخلاق (ص/390).
4 لطائف المنن والاخلاق (ص/394)
5 مراحل السالكين (ص/61)
6 مراحل السالكين (ص/6999)