الخميس يناير 29, 2026

أفعال العباد مخلوقة

فائدة في بيان أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وحده لا شريك له

الإمام ابو جعفر الطحاوي من أهل القرن الثالث الذي هو أحد القرون الثلاث الفاضلة التي فضلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) رواه ابن حبان والنسائي، وابو جعفر الطحاوي كان اشهر المحدثين الحنفيين، وقد عمل هذا الموجز بيانا لعقيدة اهل السنة والجماعة، هذا ابو جعفر الطحاوي يقول في مسالة خلق افعال العباد التي هي من أهم مسائل علم العقيدة (وأفعال العباد كلها خلق لله تعالى وكسب للعباد) أفعال العباد حركاتنا وسكناتنا الظاهرة والباطنة كلها بخلق الله اي هو يبرزها من العدم الى الوجود وهي لنا كسب اي نحن نوجه اليها القصد والارادة، قصدنا الذي هو حادث وإرادتنا التي هي حادثة وقدرتنا التي هي حادثة نوجهها الى هذه الاعمال التي نعملها أما حصول ذلك الشيء ودخوله في الوجود فهو بخلق الله تبارك وتعالى ليس بخلقنا.

هذا معتقد اهل السنة ولم يشذ عنهم إلا أناس شذوا فخالفوا قال بعضهم بما هو سلب للعبد من الاختيار، جعلوا العبد لا اختيار له البتة ولا فعل له البتة جعلوه كالماء الذي يسيل في الوادي، هذا الماء ليس باختياره وفعله يحصل منه هذا السيل، انما يقال سال الوادي لانه مظهر السيلان ليس لانه يحدث هذا السيل هؤلاء، زعيمهم يقال له جهم بن صفوان الترمذي من العجم هو كان له اتباع يقال لهم الجهمية (والجبرية)، ثم سلم بن احوز لما علم بفتنته واضلاله للناس قتله فخفت فتنته، والفريق المقابل لهؤلاء يقال لهم المعتزلة هؤلاء المعتزلة قالوا الله تعالى لا يخلق شيئا من اعمال العباد انما هو خلق اجسادهم ويخلق فيهم الحركات التي ليست اختيارية لهم كحركات العروق النابضة هؤلاء على زعمهم ينزهون الله عن الجور، قالوا فان خلق العباد الحسنات استحقوا على الله أن يثيبهم، قالوا واجب على الله، إن لم يفعل ذلك يكون هو ظالما، وان اساء العباد اي ان عصوه بكفر او بما دونه كذلك استحقوا العذاب لانهم هم خلقوا هذه السيئات، اما ان لم يكونوا هم خالقيها ما يستحقون العقوبة كيف يعاقبون على شيء خلقه الله تعالى فيهم ولم يخلقوه، هذه حجتهم وهي داحضة، يقال لهم هل علم الله في الازل قبل ان يخلق العباد ما يعملون من الكفر والمعاصي والحسنات، فان قالوا لم يكن الله عالما فيقال لهم هل يستطيع العبد ان لا يصدر منه ما علم الله في الازل انه يفعله باختياره هل يصح منه ذلك، لا يصح.

قال الله تعالى (هل من خالق غير الله) اي هل من محدث لشيء من الاشياء الاعيان او الحركات والسكنات او الاعمال الباطنة كالنية والادراك، هل من محدث من العدم الى الوجود لشيء من ذلك غير الله، لا، اهل السنة والجماعة على وفاق هذه الاية وعلى وفاق احاديث رسول الله حيث قال صلى الله عليه وسلم (اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك) وفي لفظ (صرف قلوبنا الى طاعتك) والمعنى واحد، معنى على والى هنا واحد في هذا الحديث ابلغ دليل على ان الله تعالى هو خالق افعال العباد الحركات والسكنات وغيرها لانه اذا كان هو مصرف القلوب اي مقلب القلوب فهو بطريق الاولى مقلب الجوارح اليد والرجل والعين واللسان، هذا الحديث وغيره من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كما فيه تعلق بهذه المسالة فيه شواهد لما ذهب اليه اهل الحق، فليجعل المؤمن هذا عقد قلبه وليكثر من شهود هذا المعنى حتى يكون موحدا لله تعالى توحيدا شهوديا في جميع أفعاله وفي جميع حالاته فتهون عليه المصاعب والخوف من العباد، من جعل هذا المعنى ذكره القلبي اي جعل قلبه يستشعر بذلك دائما هانت عليه المصائب وسهل عليه ما يتوقعه ان يحدث من قبل الناس، هان عليه امره فلا يستفزه ذلك على نسيان انه تبارك وتعالى هو المتصرف في كل شيء، هذا يقال له التوحيد الشهودي، وما خالف ذلك فهو باطل، ولا ينظر الى الشبه التي توردها المعتزلة او غيرهم، المعتزلة ينقطعون اذا قيل لهم لو ثبتتم على اعتقادكم ان العبد هو يخلق افعاله وكان مقصودكم من ذلك الفرار من ان تنسبوا الله الى الجور على زعمكم ان كان هو يخلق اعمال العباد السيئة ثم يعاقبه عليها اعتبرتم ذلك جورا من الله تعالى فقلتم الله منزه عن الجور والظلم فننزهه فوقعتهم فيما وقعتم فيه من هذا الاعتقاد، نقول لكم اليس الله كان عالما في الازل بان هذا العبد يختار هذه السيئة ويعملها فهل للعبد امكان أن يغير علم الله تعالى، ليس له امكان، إذا من أي شيء هربتم.