الخميس يناير 29, 2026

تقدير الله لا يتغير

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله واله وصحبه وبعد، فان بعض الجهال يعترضون على قول (اللهم إنا لا نسالك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه)، يقولون هذا معارض للحديث الحسن (لا يرد القضاء إلا الدعاء)، يقولون كيف لا ندعو الله برد القضاء والرسول اخبر بانه يرد؟
الرد ان يقال لهم يوجد قضاءان، قضاء مبرم وقضاء معلق، فالقضاء المبرم لا يرده شيء، لا دعوة داع ولا صدقة متصدق ولا صلة رحم، والمعلق معناه انه معلق في صحف الملائكة التي نقلوها من اللوح المحفوظ مثلا يكون مكتوبا عندهم فلان ان دعا بكذا يعطى كذا وان لم يفعل لا يعطى وهم لا يعلمون ماذا سيكون منه فان دعا حصل ذلك ويكون دعاؤه رد القضاء الثاني المعلق، وهذا معنى القضاء المعلق او القدر المعلق وليس معناه تقدير الله الازلي الذي هو صفته معلق على فعل هذا الشخص أو دعائه فالله يعلم كل شيء بعلمه الازلي، يعلم اي الامرين سيختار هذا الشخص وما الذي سيصيبه وكتب ذلك في اللوح المحفوظ أيضا وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي رواه البيهقي عن ابن عباس انه قال (لا ينفع حذر من قدر ولكن الله عز وجل يمحو بالدعاء ما شاء من القدر) فقوله (لا ينفع حذر من قدر) معناه فيما كتب من القضاء المحتوم وقوله (ولكن الله عز وجل يمحو بالدعاء ما شاء من القدر) معناه المقدور، ويدل على ذلك ما ورد في حديث مسلم ان الرسول عليه الصلاة والسلام قال (سالت ربي لامتي ثلاثا فاعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سالته ان لا يهلك امتي بالسنة العامة فاعطانيها، وسالته ان لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستاصلهم فاعطانيها، وسالته ان لا يجعل باسهم بينهم فمنعنيها، وقال يا محمد اني اذا قضيت قضاء فانه لا يرد) هذا الحديث الكلام فيه عن القضاء المبرم، وقد رواه مسلم في الصحيح، وعلى كل حال مشيئة الله وتقديره وعلمه لا يتغير.

فائدة:
قال الغزالي في الاحياء (فإن قلت فما فائدة الدعاء والقضاء لا يرد؟ فالجواب ان من القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات). اهـ

وخرج الترمذي في جامعه عن ابي خزامة واسمه رفاعة عن ابيه قال سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله، ارايت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟
قال عليه الصلاة والسلام (هي من قدر الله)، قال ابو عيسى اي الترمذي هذا حديث حسن، وفي بعض نسخه حسن صحيح. اهـ، فليس وراء هذا الكلام من السيد المعصوم مرمى لاحد.

ثم تامل جواب الفاروق لابي عبيدة حين هم بالرجوع من اجل الدخول على ارض بها الطاعون وهي الشام، فقد ذكر ابن الاثير في الكامل ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه رد على سؤال ابي عبيدة (أفرارا من قدر الله؟) فأجابه عمر (نعم تفر من قدر الله إلى قدر الله)، اي اذا خرجت من هذه الارض الى ارض اخرى كل ذلك يكون بتقدير الله، ولا يكون ذلك منافيا للتوكل. وذلك في الوقعة المعروفة بطاعون عمواس الذي اتى على كثير من جلة الصحابة وخيرة الفاتحين، فكانوا شهداء الطاعون.

فائدة:
المسلم عندما يدعو الله تعالى يعتقد جزما ان دعاءه لا يغير مشيئة الله تعالى، لكن الدعاء بخير عبادة، الرسول صلى الله عليه وسلم قال (الدعاء عبادة) والعبادة هنا معناها الحسنات، فنحن عندما ندعو بدعاء حسن يكون اعتقادنا ان هذا الدعاء فيه اجر وقد يدفع الله عنا شيئا من البلاء بسببه، وإن شاء الله تعالى في الأزل ان يستجاب دعاؤنا استجيب.

ومعنى قوله تعالى (ادعوني استجب لكم) اطيعوني اثبكم.
ومعنى قوله تعالى (كل يوم هو في شان) ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم (يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع اخرين) رواه ابن حبان، وليس معناه أن الله يغير مشيئته ويوافق هذا قول الناس سبحان الذي يغير ولا يتغير وهو كلام جميل اذ التغير في المخلوقات وليس في الله وصفاته فيكون معنى الاية ان الله يغير في خلقه ما شاء.
ومعنى قوله تعالى (أجيب دعوة الداع إذا دعان) أثيب الطائع على طاعته الموافقة للشرع.
وأما قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت) فليس معناه المحو والاثبات في تقدير الله، وقد فسر الشافعي هذا بالناسخ والمنسوخ اي ان الله يمحو ما يشاء من القرءان أي يرفع حكمه وينسخه بحكم لاحق ويثبت ما يشاء من القرءان فلا ينسخه وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب وهذا في حياة الرسول اما بعد وفاته فلا نسخ، قال الحافظ البيهقي هذا أصح ما قيل في تاويل هذه الآية.
واما قوله تعالى (وعنده أم الكتاب) فمعناه أن اللوح المحفوظ مشتمل على الممحوي والمثبت.
فيعلم مما تقدم ان قول العوام: اللهم انا لا نسألك رد القضاء راجع إلى القضاء المبرم لا المعلق، فلا تعارض بين هذا وبين الحديث.

(1) أي المجاعة.