الخميس فبراير 19, 2026

مسألة القضاء والقدر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى إخوانه النبيين والمرسلين ورضي الله عن أمهات المؤمنين وآل البيت الطاهرين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الأئمة المهتدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعن الأولياء والصالحين.

ليعلم أن مسألة القضاء والقدر مما يخشى فيه الزلل والزيغ إذ هي من أدق مسائل التوحيد التي أوضحها أهل العلم فلم يتركوا فيها مجالا لشبهة لمعتزلي ولا لجبري. هذا ومن المهم التنبيه إلى أن القدر بمعنى المقدور المخلوق ينقسم إلى خير وشر وحلو ومر، أما صفة الله تعالى (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) (الفرقان 2) فلا تنقسم إلى خير وشر، فالتقدير والتدبير صفتان أزلية لله تعالى تفيدان أن الله سبحانه دبّر الأشياء وقدّرها على وفق علمه الأزلي كما أفادت الآية الكريمة، وأما القضاء هنا فمعناه الخلق كما في قوله تعالى (فقضاهن سبع سماوات في يومين) (فصلت 12)، (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) (البقرة 117).

ولله در عالم قريش الذي ملأ طباق الأرض علما كما نص عليه حديث البيهقي (توفّي 458 هـ) وغيره، أعني الإمام محمد بن إدريس الشافعي (توفّي 204 هـ) الذي قال رضي الله عنه:

ما شئت كان وإن لم أشأ *** وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت *** ففي العلم يجري الفتى والمسِن
على ذا مننت وهذا خذلت *** وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد *** ومنهم قبيح ومنهم حسن
ومنهم غني ومنهم فقير *** وكل بأعماله مرتهن

وقال الإمام أبو الحسن شيث بن إبراهيم المالكي (ت 598 هـ) في كتابه حز الغلاصم في إفحام المخاصم عند جريان النظر في أحكام القدر (روي أن قدريا دخل على الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فقال له يا ابن بنت رسول الله، تعالى الله عن الفحشاء، فقال له جعفر الصادق يا أعرابي، وجل ربنا أن يكون في ملكه ما لا يشأ، فقال القدري يا ابن بنت رسول الله، أيحب ربنا أن يعصى، قال يا أعرابي أفيعصى ربنا قهرا، قال يا ابن بنت رسول الله أرأيت إن صدني الهدى فسلك بي طريق الردى أحسن بي أم أساء، فقال عليه السلام إن منعك شيئا هو لك فقد ظلم وأساء وإن منعك شيئا هو له فإنه يختص برحمته من يشاء)) فأفحم القدري وبهت ولم يجد جوابا وهذا كلام حجته فيه، فما يحتاج إلى بيان ولا إقامة برهان ولكن لا ينتفع به إلا من خلقه الله للجنة.

والحمد لله رب العالمين.