الجمعة فبراير 13, 2026

بطلان دعوى أولية النور المحمدي

بسم الله الرحمن الرحيم

من المفاسد التي انتشرت بين بعض العوام ما درج عليه بعض قراء المولد النبوي الشريف وبعض المؤذنين وغيرهم من قولهم (ان محمدا اول المخلوقات) وما ذاك الا لانتشار حديث جابر الموضوع بينهم وهو (اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) وفيما يلي نورد ردنا بالادلة العقلية والنقلية الشافية.

نقول: هذا الحديث موضوع لا اصل له وهو مخالف للقرءان الكريم وللحديث الصحيح الثابت.

اما مخالفته للقرءان قال الله تعالى {وجعلنا من الماء كل شيء حي} [سورة الانبياء].

واما مخالفته للحديث فقد روى البخاري والبيهقي من حديث عمران بن حصين ان انسا من اهل اليمن اتوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: جئناك يا رسول الله لنتفقه في الدين فانبئنا عن اول هذا الامر ما كان؟ قال: (كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والارض) فهذا نص صريح في ان اول خلق الله الماء والعرش لان اهل اليمن سألواه عن بدء العالم.

فقوله عليه الصلاة والسلام (كان الله ولم يكن شيء غيره) اثبات الازلية لله اي انه تعالى لا ابتداء لوجوده وقوله (وكان عرشه على الماء) معناه ان هذين اول المخلوقات اما الماء فعلى وجه الاطلاق واما العرش بالنسبة لما بعده كما افاد ذلك قوله عليه السلام: (على الماء) وذلك يدل على تأخر العرش عن هذا الاصل.

وروى ابن حبان وصححه من حديث ابي هريرة قال: قلت: يا رسول الله اني اذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فانبئني عن كل شيء، قال (كل شيء خلق من الماء) وفي لفظ (ان الله تعالى خلق كل شيء من الماء).

وروى السدي في تفسيره باسانيد متعددة عن جماعة من ابناء الصحابة: ان الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء.

ففي الحديث الاول نص على ان الماء والعرش هما اول خلق الله واما ان الماء قبل العرش فهو مأخوذ من الحديثين التاليين.

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ما نصه:

قال الطيبي: هو فصل مستقل لان القديم من لم يسبقه شيء ولم يعارضه في الاولية لكن اشار بقوله: (وكان عرشه على الماء) الى ان الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهما خلقا قبل خلق السماوات والارض ولم يكن تحت العرش اذ ذاك الا الماء. اهـ

وفي تفسير عبد الرزاق عن قتادة في شرح قوله تعالى{وكان عرشه على الماء}[سورة هود] ما نصه: هذا بدء خلقه قبل ان يخلق السماوات والارض.

واخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله{وكان عرشه على الماء} [سورة هود] قال: قبل ان يخلق شيئا.

فان قيل: اليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر خلقه الله من نوره قبل الاشياء)؟

فالجواب: انه يكفي في رد هذا الحديث كونه مخالفا للاحاديث الثلاثة الصحيحة السابقة، واما عزو هذا الحديث للبيهقي فغير صحيح انما ينسب الى مصنف عبد الرزاق عكس هذا فقد ذكر فيه ان اول الاشياء وجوها الماء كما تقدم.

وقال الحافظ السيوطي في الحاوي: ليس له -اي حديث جابر- اسناد يعول عليه. اهـ

قلت: وهو حديث موضوع جزمًا وقد صرح الحافظ السيوطي في شرحه على الترمذي ان حديث اولية النور المحمدي لم يثبت.

وقد ذكر الشيخ عبد الله الغماري محدّث المغرب ان عزو هذا الحديث الموضوع الى مصنف عبد الرزاق خطأ لانه لا يوجد في مصنّفه ولا جامعه ولا تفسيره، والامر كما قال.

كما ان محدّث عصره الحافظ احمد بن الصدّيق الغماري حكم عليه بالوضع محتجًا بان هذا الحديث ركيك ومعانيه منكرة.

قلت: والامر كما قال ولو لم يكن فيه الا هذه العبارة: خلقه الله من نوره قبل الاشياء لكفى ذلك ركاكة لانه مشكل غاية الاشكال لانه ان حمل ضمير من نوره على معنى نور مخلوق لله كان ذلك نقيض المدعى لانه على هذا الوجه يكون ذلك النور هو الاول ليس نور محمد بل نور محمد ثاني المخلوقات وان حمل على اضافة الجزء للكل كان الامر افظع واقبح لانه يكون اثبات نور هو جزء لله تعالى فيؤدي ذلك الى ان الله مركب والقول بالتركيب في ذات الله من ابشع الكفر لانه فيه نسبة الحدوث الى الله تعالى وبعد هذه الجملة من هذا الحديث المكذوب ركاكات بشعة يردها الذوق السليم ولا يقبلها.

ثم هناك علّة اخرى وهي الاضطراب في الفاظه لانه بعض الذين اوروه في مؤلفاتهم رووه بشكل واخرون رووه بشكل اخر، فاذا نظر الى لفظ الزرقاني ثم لفظ الصاوي لوجد فرق كبير.

فالحديثان الاولان لا حاجة الى تاويلهما لاجل حديث غير ثابت بل حديث موضوع لركاكته وهو حديث اولية النور.

فلا حاجة لما ذكره بعض من حمل حديث اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر على الاولية المطلقة لغرض اثبات اولية النور المحمدي.

واما حديث (اول ما خلق الله العقل) فليس له طريق يثبت كما قال الحافظ ابن حجر ففي كتاب اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين للحافظ محمد مرتضى الزبيدي ما نصه:

ثم قال العراقي:

اما حديث عائشة فرواه ابو نعيم في الحلية قال: اخبرنا ابو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحي بافادة الدارقطني عن سهل بن المرزبان بن محمد التميمي عن عبد الله بن الزبير الحميدي عن ابن عيينة عن منصور عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اول ما خلق الله العقل) فذكر الحديث هكذا اورده في ترجمة سفيان بن عيينة ولم اجد في اسناده احدا مذكور بالضعف ولا شك ان هذا مركب على هذا الاسناد ولا ادري ممن وقع ذلك والحديث منكر. قلت: ولفظ حديث عائشة على ما في الحلية قالت عائشة: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اول ما خلق الله العقل قال: اقبل فاقبل ثم قال له: ادبر فادبر ثم قال: ما خلقت شيئا احسن منك بك اخذ وبك اعطي قال ابو نعيم: غريب من حديث سفيان ومنصور والزهري لا اعلم له راوي عن الحميدي الا سهلا واراها واهيا فيه انتهت عبارة مرتضى الزبيدي.

وقال الحافظ العراقي في تخريج الاحياء بعد ايراده هذا الحديث ما نصه: رواه الطبراني في الاوسط من حديث ابي امامة، وابو نعيم من حديث عائشة باسنادين ضعيفين انتهى كلام العراقي.

اما حديث اولية القلم قال الحافظ ابن حجر في الجواب عنه ما نصه:

فيجمع بينه وبين ما قبله بان اولية القلم بالنسبة الى ما عدا الماء والعرش، او بالنسبة الى ما منه صدر من الكتابة اي انه قيل له اكتب اول ما خلق، واما حديث: اول ما خلق الله العقل، فليس له طريق يثبت وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الاخير هو تاويله والله اعلم. اهـ

واما قول ابن حجر الهيتمي في شرح الاربعين النووية ونصه:

اما اولية القلم نسبية واما اولية النور المحمدي فهي مطلقة. اهـ

هذا التأويل مخالف للحديث الصحيح ومخالف للقاعدة الحديثية ان الضعيف اذا خالف الحديث الثابت فلا حاجة الى التأويل بل يعمل بالثابت ويترك الضعيف وذلك مقرر في كتب المصطلح وفي كتب الاصول.

فان قيل: اليس قال الرسول: كنت اول النبيين في الخلق واخراهم في البعث وقال ايضا: كنت نبيًا وادم بين الماء والطين و: كنت نبيًا ولا ماء ولا طين.

الجواب: ان الحديث الاول ضعيف كما نقل ذلك العلماء وفيه بقية بن الوليد وهو مدلّس وسعيد بن بشير وهو ضعيف ثم لو صح لم يكن فيه انّه اول خلق الله وإنما فيه انه اول الانبياء ومعلوم ان البشر اولهم ادم الذي هو اخر الخلق باعتبار اجناس المخلوقات.

واما الثاني والثالث فلا اصل لهما ولا حاجة لتأويل قول الله تعالى{وجعلنا من الماء كل شيء حي} [سورة الانبياء] والحديث الصحيح لخبر واهٍ ضعيف او موضوع لا اصل له كما فعل ذلك بعض المتصوفة حيث اولوا الاية بحديث جابر السابق الذكر وقال: ان للآية معنى مجازيًا.

اما حديث ميسرة الفجر انه قال: يا رسول الله متى كنت نبيًا، قال: (كنت نبيًا وادم بين الروح والجسد) فهو حديث صحيح رواه احمد في مسنده وقال الحافظ الهيثمي بعد عزوه لاحمد وللطبراني ايضا ما نصه: ورجاله رجال الصحيح. اهـ

واما معناه فلا يدل على اوليته صلى الله عليه وسلم بالنسبة لجميع الخلق وإنما يدل على ان الرسول كان مشهورًا بوصف الرسالة بين الملائكة في الوقت الذي لم يتم تكوّن جسد ادم بدخول الروح فيه.

وقد اخرج احمد والحاكم والبيهقي في الدلائل عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اني عند الله في ام الكتاب لخاتم النبيين وان ادم لمنجدل في طينته) قال البيهقي: قوله صلى الله عليه وسلم: (اني عبد الله وخاتم النبيين وان ادم لمنجدل في طينته) يريد به انه كان كذلك في قضاء الله وتقديره قبل ان يكون ابو البشر واول الانبياء صلوات الله عليهم. اهـ

ثم ان الافضلية ليست الاسيقية في الوجود بل الافضلية بتفضيل الله فالله تعالى يفضل ما شاء من خلقه على ما شاء، فالله تعالى جعل سيدنا محمدًا افضل خلقه على الاطلاق واكثرهم بركة.

فائدة مهمة

سؤال موجه الى هؤلاء القائلين بان الرسول هو اول خلق الله، يقال لهم: الستم تعتقدون ان ابليس خلق قبل ادم؟ فيقولون: بلى للنص الوارد في القران وهو قوله تعالى: {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} فيقال لهم: وهل سبق ابليس ادم عليه السلام بالخلق يقتضي افضليته؟ فلا شك انهم لا يقولون ان ذلك يقتضي افضلية ابليس فيقال لهم: لماذا تتشبثون بقولكم: -الرسول اول خلق الله- واي طائل تحت قولكم هذا؟!.

ايضا لا معنى لقول هؤلاء ان الحديث الضعيف الاسناد اذا تلقته الامة بالقبول فيكون صحيحا لغيره كما ادعاه بعض من كتب في هذه المسألة من الهند وحديث اولية النور كذلك، فيقال لهم هذا لا ينطبق على هذا الحديث الموضوع لان مرادهم بالامة المجتهدون فاذكروا لنا اي امام من الائمة المجتهدين الاربعة وغيرهم قال بذلك، فان كان عندكم نص فأظهروه، وهل تستطيعون ان تثبتوا ذلك عن احد من اصحاب الائمة الاربعة الذين تلقوا عن هؤلاء كل ما في الامر انكم وجدتم هذا الكلام الذي تقولونه من كلام بعض المتاخرين مثل الزرقاني وابن حجر الهيتمي والقسطلاني الذي هو من اهل القرن العاشر واشباههم ومن جاء بعد هؤلاء مثل يوسف النبهاني الذي هو من اهل القرن الرابع عشر والعجلوني وابو بكر الاشخر وامثالهم، فكيف تدّعون ان هذا مما تلقته الامة بالقبول؟!.

ومن سواهم ممن تحتجون بكلامهم متاخر عن ابن حجر الهيتمي.

انما الذي ذكره العلماء في كتب الحديث ان الحديث الضعيف اذا تلقته الامة بالقبول يكون صحيحا لغيره مثل حديث: (البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته) وحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ هذان الحديثان ائمة السلف من الفقهاء والمحدثين ومن تبعهم من الحفاظ والفقهاء الذين جاءوا بعدهم قالوا بصحة هذين الحديثين لان الامة تلقتهما بالقبول اي ان جميع المجتهدين عملوا بهما مع ضعف اسناديهما فأين ما تدعون من هذا؟!.

اما الحافظ ابن حجر العسقلاني فانّه لم يتعرض لما تقولونه بل صرح بما يفهم من حديث: (كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء) بما دل عليه الحديث.

واما عبد الرزاق الصنعاني صاحب المصنف فهو متقدم فالثابت عنه ما في تفسيره من اولية الماء والعرش ثم من شأن عبد الرزاق في مؤلفاته ان يورد الحديث من غير ان يصححه فكتابه المصنف والجامع لا يتعرض فيهما للحكم على الاحاديث التي يذكرها بقول (صحيح او حسن او ضعيف) فلو ثبت ان حديث جابر ذكره في مصنفه فلم يصححه ولم يحسنه فهل يقول ذو علم بالحديث بان مجرد ذكر المحدث لحديث في تاليفه انه صحيح لا يقول هذا من مارس علم الحديث دراية.

وقد ادعى بعض المتعصبين لحديث اولية النور انه وجد نسخة من المصنف فيها ذكر هذا الحديث ولم يعرف لها اثر منذ نحو خمس عشرة سنة منذ قالها هذا الرجل.

فكيف ساغ لهم ان يحتجوا بحديث (اول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر) الذي لم يصححه احد من الحفاظ.

على ان ابن حجر الهيتمي لما اورده في كتابه -شرح الاربعين النووية- لم ينقل ان احدا من الحفاظ صحح حديث اولية النور المحمدي انما قال عن نفسه ان ما ارتضاه من قبل نفسه وحاول تقوية رأيه بتاويل حديث الترمذي: (ان اول ما خلق الله تعالى القلم) وهذا الحديث صححه الترمذي لكن ابن حجر الهيتمي اول هذا الحديث قال: (اولية القلم نسبية واولية النور المحمدي حقيقية) وكان الذي يليق به ان لا يتكلف هذا التاويل لان تاويل النصوص الثابتة لا يصار اليه الا لدليل عقلي او نقلي ثابت وهنا لا يوجد واحد منهما.

واما دعوى بعض الذين كتبوا في تاييد هذا الحديث ان السيوطي ما ضعفه انما ضعف اسناده فلا ينافي ذلك ثبوته في نفسه من جهة اخرى فالجواب: ان عبارته في قوت المغتذي تأبى ذلك لان عبارته فيه وهذا نصها: واما حديث اولية النور المحمدي فلا يثبت. اهـ فهذا حكم على الحديث بالضعف ولم يذكر الاسناد.

قاعدة اصولية تؤيد ما ذكرنا

اتفق الاصوليون على ان النص لا يؤول الا لدليل سمعي ثابت او دليل عقلي قاطع فقالوا: لا يجوز تاويل النص لغير ذلك وان ذلك عبث والنصوص تصان عن العبث ذكر ذلك كثير منهم كصاحب المحصول.

فبعد هذا يبطل تاويل المؤولين لحديث اولية الماء بان اوليته نسبية لتايد قولهم: ان اول ما خلق الله نور محمد.

اما تاويل حديث اولية القلم للتوفيق بينه وبين حديث اولية الماء فذلك حق وصواب لان كلا الحديثين ثابت وفي هذا مقنع للمتدبر المنصف.

ثم ان احدهما اقوى من الاخر اسنادا وهو حديث اولية الماء فان حديث اولية القلم دونه في القوة فسلكنا مسلك التاويل لحديث اولية القلم بأنها اولية نسبية وان اولية الماء مطلقة جريا على القاعدة: (اذا تعارض مقبولان اي صحيحان جمع بينهما ان امكن الجمع) وهنا وجدنا الجمع ممكن بالتاويل فان قلنا: اولية القلم فهي بالنسبة للكتابة اي ان القلم اول ما خلق للكتابة فصح الجمع بينهما وزال التعارض.

قاعدة في التصحيح والتضعيف

العبرة في التصحيح والتضعيف ان يكون من حافظ اي ينص حافظ على ان هذا الحديث صحيح او ان يذكر حافظ في كتابه انه يقتصر فيه على الصحيح كالحافظ سعيد بن السكن فانّه الف كتابا اشترط فيه الاقتصار على الصحيح سماه السنن الصحاح.

ويؤيد هذا ما ذكره الحافظ السيوطي في ألفيته في مصطلح الحديث:

وخذه حيث حافظ عليه نص او من مصنف بجمعه يخص

يعني ان الحديث الصحيح يعرف انه صحيح بنص حافظ على صحته او بان يذكر في كتاب الفه حافظ واشترط فيه انه لا يذكر في كتابه هذا الا الصحيح

وأما غير الحفاظ فلا عبرة بتصحيحهم ولا بتضعيفهم، فحديث أولية النور المحمدي لم يصححه حافظ من الحفاظ لا من المتقدمين ولا من المتأخرين، ولم يُذكر في كتاب اشترط فيه مؤلفه الحافظ أنه يقتصر فيه على الصحيح.

وأما مجرد ذكر حديث في كتابٍ مؤلفه حافظواما مجرد ذكر حديث في كتاب مؤلفه حافظ فليس دليلا على صحته فهذا الامام احمد بن حنبل شيخ الحفاظ مع جلالة قدره وهو احد الائمة الاربعة المجتهدين ذكر في كتابه المسند الافا من الاحاديث الثابتة الصحيحة وافا من الضعاف بل تكلم الحافظ زين الدين العراقي شيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني على اربعة عشر حديثا مما في المسند بأنها موضوعة فإذا كان هذا حال مسند الامام شيخ الحفاظ احمد بن حنبل ماذا يكون مؤلفات من هو دونه كالحافظ عبد الرزاق الذي صنف كتابه المعروف بالمصنف وكتاب التفسير وكتاب الجامع

فالذين ذكروا حديث اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر من المتاخرين كثير لكن كثرتهم لا تفيدهم شيئا لانهم لم يبلغوا درجة الحافظ انما بعضهم محدثون لهم علم بالحديث وبعضهم ليسوا من المحدثين بالمرة مثل الشيخ يوسف النبهاني فهو ذكر في بعض مؤلفاته انه ليس عالم فضلا عن المحدثية واخذ في كتابه اربعين الاربعة لضعفه في هذا العلم الاربعة الودعانية المحكوم عليها عند الحفاظ بأنها موضوعة وهذا ناتج عن قلة اطلاعه في هذا العلم فلذلك خفي عليه ذلك ولم يعرف انها موضوعة

والشيخ يوسف النبهاني قد جازف في هذا الباب مجازفة كبيرة لقوله في الفية

نورك الكل والورى اجزاء يا نبيا من جنده الانبياء

وفي كتاب مولد ابي الوفا ايضا ما نصه

خلق الله من النور القديم نور مصطفى التهامي الاصيل

أتطلق هذه العبارة على ما يرويه مثل هؤلاء؟! وما الذي يدعو إلى هذا التعصب؟ وهل الفضل بالتقدم في الوجود؟

إنما الفضل بتفضيل الله تعالى لمن يشاء، فلو كان الفضل بتقدم الوجود لكان الماء أفضل كل شىء مع أنه من النعم التي امتن الله بها على عباده وذكره في القرءان بقوله {وجعلنا من الماء كل شىء حي} [سورة الأنبياء]، ولكان القلم أيضا أفضل خلق الله مع ثبوت لفظ إنه أول ما خلق الله. رواية.

يكفي سيدنا محمد بافضليته على جميع خلق الله ما ذكره الله في القران الكريم من اخذ الميثاق على كل نبي ان يؤمن به اذا بعث محمد وهو حي وذلك ما في قوله تعالى واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه سورة ال عمران

دليل وضع حديث جابر

هذا الحديث فيه ثلاث علل على أنه موضوع:

الأولى:
أن أوله وهو نص في أن النور المحمدي أول المخلوقات على الإطلاق، ثم الجملة التي بعده وهي -خلقه الله تعالى من نوره قبل الأشياء-، فإن قدرت هذه الإضافة التي في كلمة نوره إضافة المِلْك إلى المالك كان المعنى أنّ أول المخلوقات نورٌ خلقه الله تعالى ثم خلق منه نورَ محمدٍ فيكون هذا نقضا لأوله فلا يصحُّ على هذا قولُ -نورُ محمدٍ أول المخلوقات على الإطلاق-.

وأما إن قدرت هذه الإضافة إضافة الصفة إلى الموصوف فالبلية أشد وأكبر لأنه يكون المعنى على هذا التقدير أنَّ نور محمد جزءٌ من الله وهذا هو الشرك الأكبر والكفر الأشنع لأن من عقيدة أهل السنة أن الله تعالى لم ينحل منه شىء ولا ينحل هو من شىء غيره وأنه ليس مركبا وأنه ليس شيئا له أجزاء وإنما الجزء للمخلوقات، وقد ذكر الشيخ عبد الغني النابلسي رضي الله عنه أن من اعتقد أن الله انحل منه شىء أو انحل هو من شىء فهو كافر وإن زعم أنه مسلم وأن من اعتقد أنه نور يتصوره العقل فهو كافر، فاعتقاد أن الرسول جزء من نور هو من ذات الله كاعتقاد النصارى أن المسيح روح هو جزء من الله.

و

من المعلوم ان كلام الرسول لا ينقض بعضه بعضا، وهذا الحديث الجملة الثانية منه تنقض الاولى، فالرسول منزه عن ان ينطق بمثله، فبهذا سقط الاحتجاج بهذا الحديث على دعوى ان اول المخلوقات على الاطلاق نور محمد.

الثانية:
قد حكم المحدث الحافظ ابو الفضل احمد الغماري المغربي على هذا الحديث بأنه موضوع كما قدمنا، واستدل بما قرره علماء الحديث ان الركاكة في الحديث دليل كونه موضوعا وذلك ظاهر لمن تأمل في الفاظه.

الثالثة:
من جملة الفاظه ما نقله سليمان الجمل في شرحه على الشمائل عن سعد الدين التفتازاني في شرح بردة المديح عند قوله:

وكل اي اتى الرسل الكرام بها *** فانما اتصلت من نوره بهم

وهذا نص عبارته:

عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اول شيء خلقه الله فقال: هو نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير وخلق بعده كل شر، فحين خلقه اقامه قدامه في مقام القرب اثني عشر الف سنة ثم جعله اربعة اقسام، فخلق العرش من قسم والكرسي من قسم وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم، واقام القسم الرابع في مقام الحب اثني عشر الف سنة ثم جعله اربعة اقسام، فخلق القلم من قسم والروح من قسم والجنة من قسم واقام القسم الرابع في مقام الخوف اثني عشر الف سنة، ثم جعله اربعة اجزاء فخلق الملائكة من جزء وخلق الشمس من جزء وخلق القمر والكواكب من جزء واقام الجزء الرابع في مقام الرجاء اثني عشر الف سنة، ثم جعله اربعة اجزاء فخلق العقل من جزء والحلم والعلم من جزء والعصمة والتوفيق من جزء واقام الجزء الرابع في مقام الحياء اثني عشر الف سنة، ثم نظر اليه فترشح ذلك النور عرقا فقطرت منه مائة الف وعشرون الفا واربع ءالاف قطرة فخلق الله تعالى من كل قطرة روح نبي او رسول، ثم تنفست ارواح الانبياء فخلق الله من انفاسهم نور ارواح الاولياء والسعداء والشهداء والمطيعين من المؤمنين الى يوم القيامة، فالعرش والكرسي من نوري، والكروبيون والروحانيون من الملائكة من نوري، وملائكة السموات السبع من نوري، والجنة وما فيها من النعيم من نوري، والشمس والقمر والكواكب من نوري، والعقل والعلم والتوفيق من نوري، وارواح الانبياء والرسل من نوري، والشهداء والسعداء والصالحون من نتائج نوري، ثم خلق الله اثني عشر حجابا فأقام النور وهو الجزء الرابع في حجاب الف سنة وهي مقامات العبودية وهي حجاب الكرامة والسعادة والرؤية والرحمة والرأفة والحلم والعلم والوقار والسكينة والصبر والصدق واليقين فعبد الله ذلك النور في كل حجاب الف سنة، فلما خرج النور من الحجب ركبه الله في الارض فكان يضيء، وركب فيه النور في جيبه ثم انتقل منه الى شيث ولده، وكان ينتقل من طاهر الى طيب الى ان وصل الى صلب عبد الله بن المطلب ومنه الى زوجه امي امينة، ثم اخرجني الى الدنيا فجعلني سيد المرسلين وخاتم النبيين ورحمة للعالمين وقائد الغر المحجلين هكذا كان بدء خلق نبيك يا جابر. اهـ

واللفظ الذي ساقه العجلوني ونسبه الى مصنف عبد الرزاق وهذا نصه:

عن جابر بن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله باي انت وامي اخبرني عن اول شيء خلقه الله قبل الاشياء قال: يا جابر ان الله تعالى قد خلق قبل الانبياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا ارض ولا شمس ولا قمر ولا جن ولا انس، فلما اراد الله تعالى ان يخلق الخلق قسم ذلك النور اربعة اجزاء فخلق من الجزء الاول القلم ومن الثاني اللوح ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع اربعة اجزاء فخلق من الاول حملة العرش ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع اربعة اجزاء فخلق من الاول السموات ومن الثاني الارضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الجزء الرابع اربعة اجزاء فخلق من الاول نور ابصار المؤمنين ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله تعالى ومن الثالث نور انفسهم وهو التوحيد لا اله الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. اهـ

وبين الروايتين المنقولتين اختلاف كبير فظاهر هذا اضطراب والاضطراب من موجبات الضعف.

ثم ان الاسناد الذي ذكر لهذا الحديث منقطع بين اسحاق بن ابراهيم الدبري وعبد الرزاق، فقد ظهر بذلك ان فيه ثلاث علل: الاضطراب، وانقطاع الاسناد، والركاكة، والركاكة من علامات الوضع كما قرره علماء الحديث في كتب المصطلح.

نصيحة

قال الشيخ عبد الله الغماري في رسالته -مرشد الحائر-:

وما يوجد في بعض كتب المولد النبوي من احاديث لا خطام لها ولا زمام هي من الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه، فلا يعتمد على تلك الكتب ولا يقبل الاعتذار عنها بأنها من الفضائل، لان الفضائل يتساهل فيها برواية الضعيف، اما الحديث المكذوب فلا يقبل في الفضائل اجماعا، والنبي يقول: (من حدث عني بحديث يرى انه كذب فهو احد الكاذبين) ويقول: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) وفضل النبي صلى الله عليه وسلم ثابت في القران الكريم والاحاديث الصحيحة وهي في غنى عما يقال فيه من الكذب والغلو… اهـ.

ثم ان التشبث بقول ان نور محمد اول المخلوقات على الاطلاق نوع من الغلو وقد نهى الله ورسوله عن الغلو.

ومن الغلو ايضا اعتقاد كثير من الناس ان الولي لا يخطئ في شيء من امر الدين، وهذا خلاف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الطبراني في الاوسط من حديث عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من احد منكم الا يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله)، وفي رواية: (غير النبي)، وحسنه الحافظ العراقي.

فالولي مهما علا مرتبته يخطئ في بعض المسائل الفرعية الا في اصول العقيدة ونحو ذلك، وعلى هذا كبار القوم، قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: اذا علم المريد من الشيخ الخطأ فينبهه فان رجع واما فليكن مع الشرع.

وقال الشيخ أحمد الرفاعي رضي الله عنه:

سلم للقوم احوالهم ما لم يخالفوا الشريعة فإذا خالفوا الشرع فكن مع الشرع، يعني رضي الله عنه الاولياء.

وهذا الحديث صريح في ان كل فرد من افراد الامة خواصها وعوامها لا بد ان يكون بعض قوله صحيحا وبعض غير صحيح اي انه لا يستثنى منهم احد.

فيجب تحذير هؤلاء المتشبثين بكل ما ينسب الى الاولياء مما صح عنهم مما هو خطأ ومما لم يصح عنهم وذلك اكثر، ويحتجون لهذا الفهم الفاسد بقول القائل:

وكن عنده كالميت عند مغسل *** يقلبه كيما يشاء ويفعل

ويظنون ان معناه انه يجب اتباع الشيخ الكامل في كل شيء وان منزه عن الخطا فهؤلاء الجهلة ساووا الولي بالنبي.

ويكفي شاهدا لما ذكر انه ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه اعترف بالخطأ على نفسه وذلك انه قال مرة: ايها الناس لا تغالوا في مهور النساء فأي انسان بلغني انه جعل مهر امراته اكثر من اربعمائة درهم اخذته ووضعته في بيت المال، فقالت امرأة: ليس لك ذلك يا امير المؤمنين ان الله تعالى يقول {وءاتيتُم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [سورة النساء] فصعد عمر رضي الله عنه المنبر وقال:

ايها الناس انتم وشأنكم في مهور نسائكم اصابت امرأة واخطاء عمر، وعمر افضل اولياء امة محمد بعد ابي بكر رضي الله عنهما وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم له انه ملهم، فقد روى البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انه قد كان فيما مضى قبلكم من الامم محدثون وانه ان يكن في امتي هذه منهم فهو عمر بن الخطاب)، وكشف عمر رضي الله عنه ثابت وهو الذي قال: (وافقت ربي في اربع) اي وافق الهامه القران.

فليعلم هذا هؤلاء الاغرار الذين يعتقدون ان ما يقوله شيخ طريقتهم لا يخطئ ابدا فيتشبثون بما ينسب الى مشايخهم مما يخالف الشريعة لاعتقادهم انه لا يصدر منهم الا ما يوافق الواقع، وهذا نوع من الغلو الذي نهى عنه الله ورسوله قال الله تعالى {يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم}[سورة المائدة]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإياكم والغلو في الدين، فانما اهلك من كان قبلكم الغلو في الدين. رواه النسائي

ومن اشد الناس غلوًا في هذا الزمن بعض المنتسبين للطرق فانهم يقبلون اذا قيل لهم المؤلف الفلاني اخطأ في كذا ولو كان من اشهر فقهاء المسلمين ولا يقبلون اذا قيل لهم شيخكم الذي تنتسبون الى طريقته اخطأ ولو بُيّن لهم الدليل، فليعلم هؤلاء انهم خالفوا القران والحديث وكلام سيد الطائفة الصوفية الجنيد بن محمد البغدادي رضي الله عنه فإنه قال: الطريق الى الله مسدودة الا على المقتفين اثار رسول الله، وقال ايضا: ربما تخطر لي النكتة من نكت القوم فلا اقبلها الا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة.

ومن هنا قال بعض الاصوليين في كتب اصول الفتح: الهام الولي ليس بحجة.

خاتمة

ان التشبث بهذا الحديث يقوي الوهابية على الطعن في اهل السنة وتسفيههم وهم السفهاء، فلا خير في التمادي على قول يزيد اولئك الوهابية طعنا في اهل السنة وتشنيعا مما ليس له اصل عند اهل السنة، وكذلك القول بان الرسول يعلم كل ما يعلم الله يزيدهم جرأة على الطعن في اهل السنة ولا سيما الصوفية.

فماذا يقول المنتسب الى السنة امام الوهابي اذا قال له الوهابي: من اين لكم ان تقولوا هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اوتيت مفاتيح كل شيء سوى الخمس) وهو حديث صحيح صححه السيوطي وحديث البخاري (انكم محشورون الى الله حفاة عرا غرلا {كما بدأنا اول خلق نعيده} الآية، وان اول الخلائق يكسى يوم القيامة ابراهيم الخليل، وانّه سيجاء برجال من امتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب اصحابي فيقول الله: انك لا تدري ما احدَثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا} الى قوله:{الحكيم}، قال: فيقال: انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم).

وزاد في رواية سعيد بن المسيب عن ابي هريرة ايضا: (فيقول: انك لا علم لك بما احدَثوا بعدك، فيقال: انهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا)، فهذا نص صريح واضح كالشمس في ان الرسول لا يعلم كل ما يعلم الله.

ثم التمادي على دعوى القول بان نور محمد اول خلق الله لا يزيد الكافرين اذا سمعوا ذلك الا نفورا من الاسلام واستبشاعا له، فأي فائدة للتعصب لهذا الحديث؟!

فهذا الحديث تنفر الكفار عند سماعه من بعض المسلمين نفورا زائدًا على نفورهم الاصلي من الاسلام، فلقد حكي عن رجل يدعى ابي علي ياسين من اهل الشام ان نصرانيا قال له: كيف تقولون انتم محمد اخر الانبياء وتقولون انه اول خلق الله؟ وذلك نشأ عنده لما كان يسمع من بعض المؤذنين قولهم عقب الاذان على المنائر: -يا اول خلق الله وخاتم رسل الله-، قال ابي علي ياسين: فلم اجد جوابا.

والحمد لله، وصلى الله عليه صلاة تقضي بها حاجاتنا، وتفرج بها كرباتنا، وتكفينا بها شر اعدائنا، وسلم عليه وعلى اهله الاطهار وصحابته الاخيار سلاما كثيرا، والحمد لله رب العالمين. انتهى

@

قاعدة أصولية (الماء أول خلق الله)

اتفق الاصوليون على ان النص لا يؤول الا لدليل سمعي ثابت او دليل عقلي قاطع فقالوا لا يجوز تأويل النص لغير ذلك وان ذلك عبث والنصوص تصان عن العبث، ذكر ذلك كثير منهم كصاحب المحصول المفسر الاصولي فخر الدين الرازي الاشعري الشافعي.

فبعد هذا يبطل تأويل المؤولين لحديث اولية الماء بان اوليته نسبية لتأييد قولهم ان اول ما خلق الله نور محمد، اما تأويل حديث اولية القلم للتوفيق بينه وبين حديث اولية الماء فذلك حق وصواب لان كلا الحديثين ثابت، وفي هذا مقنع للمتدبر المنصف.

ثم ان احدهما اقوى من الاخر اسنادا وهو حديث اولية الماء، فان حديث اولية القلم دونه في القوة فسلكنا مسلك التأويل لحديث اولية القلم بانها اولية نسبية وان اولية الماء مطلقة جريا على القاعدة [اذا تعارض مقبولان اي صحيحان جمع بينهما ان امكن الجمع] وهنا وجدنا الجمع ممكن بالتأويل، فان قلنا اولية القلم فهي بالنسبة للكتابة اي ان القلم اول ما خلق للكتابة، فصح الجمع بينهما وزال التعارض.

قاعدة في التصحيح والتضعيف:

العبرة في التصحيح والتضعيف ان يكون من حافظ اي ان ينص حافظ على ان هذا الحديث صحيح او ان يذكر حافظ في كتابه انه يقتصر فيه على الصحيح كالحافظ سعيد بن السكن فهو الف كتابا اشترط فيه الاقتصار على الصحيح سماه السنن الصحاح.

ويؤيد هذا ما ذكره الحافظ السيوطي في الفيته في مصطلح الحديث:

وخذه حيث حافظ عليه نص *** او من مصنف بجمعه يخص

يعني ان الحديث الصحيح يعرف انه صحيح بنص حافظ على صحته، او بان يذكر في كتاب الفه حافظ واشترط فيه انه لا يذكر في كتابه هذا الا الصحيح.

واما غير الحفاظ فلا عبرة بتصحيحهم ولا بتضعيفهم، فحديث اولية النور المحمدي لم يصححه حافظ من الحفاظ لا من المتقدمين ولا من المتاخرين، ولم يذكر في كتاب اشترط فيه مؤلفه الحافظ انه يقتصر فيه على الصحيح.

واما مجرد ذكر حديث في كتاب مؤلفه حافظ فليس دليلا على صحته، فهذا الامام احمد بن حنبل شيخ الحفاظ مع جلالة قدره وهو احد الائمة الاربعة المجتهدين ذكر في كتابه المسند الافا من الاحاديث الثابتة الصحيحة وافا من الضعاف، بل تكلم الحافظ زين الدين العراقي شيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني على اربعة عشر حديثا مما في المسند بانها موضوعة، فإذا كان هذا حال مسند الامام شيخ الحفاظ احمد بن حنبل فماذا يكون مؤلفات من هو دونه كالحافظ عبد الرزاق الذي صنف كتابه المعروف بالمصنف وكتاب التفسير وكتاب الجامع.

فالذين ذكروا حديث (اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) من المتاخرين كثير لكن كثرتهم لا تفيدهم شيئا لانهم لم يبلغوا درجة الحافظ، انما بعضهم محدثون لهم الم بالحديث وبعضهم ليسوا من المحدثين بالمرة مثل الشيخ يوسف النبهاني فإنه ذكر في بعض مؤلفاته انه ليس عالما فضلا عن المحدّثية وادخل في كتابه (اربعين الاربعين) لضعفه في هذا العلم (الاربعين الودعانية) المحكوم عليها عند الحفاظ بانها موضوعة، وهذا ناتج عن قلة اطلاعه في هذا العلم فلذلك خفي عليه ذلك ولم يعرف انها موضوعة.

والشيخ يوسف النبهاني قد جازف في هذا الباب مجازفة كبيرة لقوله في الفيته:

نورك الكل والورى اجزاء *** يا نبيا من جنده الانبياء

وفي كتاب مولد ابي الوفا ايضا ما نصه:

خلق الله من النور القديم *** نور مصطفى التهامي الاصيل

أتطلق هذه العبارة على ما يرويه مثل هؤلاء؟ وما الذي يدعو الى هذا التعصب؟ وهل الفضل بالتقدم في الوجود؟

انما الفضل بتفضيل الله تعالى لمن يشاء، فلو كان الفضل بتقدم الوجود لكان الماء افضل كل شيء مع انه من النعم التي امتنع الله بها على عباده وذكره في القران بقوله ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [سورة الانبياء30]، ولكان القلم ايضا افضل خلق الله مع ثبوت لفظ (انه اول ما خلق الله) رواية.

يكفي سيدنا محمدا بفضليته على جميع خلق الله ما ذكره الله في القران الكريم من اخذ الميثاق على كل نبي ان يؤمن به اذا بعث محمد وهو حي وذلك ما في قوله تعالى ﴿واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ [سورة اال عمران81].