الخميس يناير 29, 2026

بيان معنى الفوقية في حق الله وتنزيه الله عن المكان والجهة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى الله على رسول الله وبعد،

قال الإمامُ المفسر فخر الدين الرازِي الشافعي (ت 604هـ)

في تفسيره ما نصه (قوله تعالى وهو القاهر فوق عباده (الأنعام 61) اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته، وتقريره أننا بيّنا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ، ومنه قولُه تعالى يد الله فوق أيديهم (الفتح 10) ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قولَه وهو القاهر فوق عباده مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهوراً) انتهى

قال ابن عطيّة المالكي الأندلسيّ (ت 542هـ) في تفسيره عن معنى آية يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (النحل 50) ما نصه (وقوله من فوقهم يحتمل معنيين أحدهما الفوقية التي يوصف بها الله تعالى فهي فوقية القدر والعظمة والقهر والسلطان، والآخر أن يتعلّق قوله من فوقهم بقوله يخافون، أي يخافون عذاب ربهم من فوقهم وذلك أن عادة عذاب الأمم إنما أتى من جهة فوق) انتهى.

 قال ابن عادل الحنبلي (ت 775هـ) في تفسيره

ما نصه (استدل المشبهة بقوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم على أنه تعالى فوقهم بالذات، والجواب أن معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم، وإذا احتمل اللفظ هذا المعنى سقط استدلالهم، وأيضًا يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة، والقهر والغلبة لقوله تعالى وإنا فوقهم قاهرون (الأعراف 127)).انتهى

وفي كتاب التفسير الكبير للطبراني، قوله تعالى ﴿وهو الْقاهر فوق عباده﴾ أي وهو الغالب على أمر عباده، والقهر هو الاستعلاء بالاقتدار على الغلبة، وأراد بقوله ﴿فوق﴾ أنهم تحت التسخير والتذليل عمّا علاهم من الاقتدار عليهم.

وفي كتاب تفسير القرطبي المالكي الجامع لأحكام القرءان طبع دار الكتب العلمية ط

٢ ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ القهر الغلبة، والقاهر الغالب، ثم قال ومعنى ﴿فوق عباده﴾ فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان، كما تقول السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة.

وكذلك في كتاب الجامع لأحكام القرءان للقرطبي المالكي، قوله تعالى ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ أي عقاب ربهم وعذابه، لأنّ العذاب الْمُهلِك إنما ينزل من السماء وقيل المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم.

قالَ أهل الحق (ليس الشأنُ في علو الجهة بل الشأن في علو القدرِ، والفوقية في لغةِ العربِ تأتي على معنيينِ فوقية المكانِ والجهةِ وفوقية القدرِ قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون (وإنا فوقهم قاهرون) أي نحنُ فوقَهُم بالقوةِ والسيطرةِ لأنه لا يصحُّ أن يقالَ إن فرعونَ أرادَ بهذا أنه فوقَ رقابِ بني إسرائيلَ إلى جهةِ العلوّ إنما أرادَ أنهُم مقهورونَ لَهُ مغلوبونَ).

فقول الله تعالى اخباراً عن فرعون الكافر (أنا ربكم الأعلى) معناه علو القدر، وكذا قوله (وإنا فوقهم قاهرون) أي فوقية القوة والسيطرة وليس فوقية المكان، فلهذا نص العلماء أن الفوقية والعلو أذا أطلق على الله فالمراد منه علو قدر وفوقية قهر سبحانه وتعالى وليس علو مكان وجهة لأن الله كان قبل الخلق والمكان والجهات بلا مكان كما أجمع كل علماء أهل السنة على ذلك ونص على ذلك ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري.