الثلاثاء فبراير 17, 2026

الاستدلال على نفي الجسمية عن الله بقوله تعالى ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ على عكس ما تزعم المجسمة

قال الإمام الفقيه الشافعي الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسيره ما نصه (الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه، وبيانه من وجهين:
الأول أنه تعالى قال ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولا وعرضا وعمقا، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، وكل منقسم فهو مؤلف مركب، وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها، أعني الفوق والتحت، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها، وقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزها عن الجهات والأحياز، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة.
الثاني أنه تعالى قال ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ولو كان الله تعالى جسما وله وجه جسماني لكان وجهه مختصا بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية). اهـ

وقد ذكر الفخر الرازي في التفسير الكبير (قيل إن هذه الآية نزلت في أمر يختص بالصلاة وهو المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة، وظاهر قوله تعالى ﴿فأينما تولوا﴾ يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة ولهذا لا يعقل من قوله ﴿فولوا وجوهكم﴾ إلا هذا المعنى.
وقال بعض المفسرين إنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة له سبحانه، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك، لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد، وهو واسع عليم بمصالحهم.

وقال رحمه الله في تفسيره (قوله تعالى (وهو العلي العظيم) لا يجوز أن يكون المراد بكونه عليا العلو في الجهة والمكان لما ثبتت الدلالة على فساده، ولا يجوز أن يكون المراد من العظيم العظمة بالجثة وكبر الجسم، لأن ذلك يقتضي كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض، وذلك ضد قوله (الله أحد) فوجب أن يكون المراد من العلي المتعالي عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات، ومن العظيم العظمة بالقدرة والقهر بالاستعلاء، وكمال الإلهية) 144 – 27.