وهو لغة ما يلتزمه الإنسان ويجعله على نفسه واجبا وشرعا التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع أي بأصل هو الشرع.
والأصل فيه ءايات كقوله تعالى في سورة الحج (وليوفوا نذورهم) وأخبار كخبر البخاري من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه اهـ
واركان النذر ثلاثة ناذر ومنذور وصيغة. وشرط في الناذر إسلام في نذر التبرر لا اللجاج واختيار فلا يصح من المكره ونفوذ تصرف فيما ينذره بكسر الذال وضمها فلا يصح من صبي ومجنون ومحجور عليه بسفه في القرب المالية أو بفلس في القرب المالية العينية بخلاف التي في الذمة. وشرط في المنذور أن يكون قربة غير واجبة وجوب عين نفلا كانت أم فرض كفاية أم خصلة معينة من خصال الواجب المخير كأن وجب عليه كفارة يمين وكان قادرا على كل من العتق والكسوة والإطعام فالتزم العتق بالنذر فإنه صحيح عندئذ يجب الوفاء به فيعلم أنه لا يصح ولا ينعقد نذر واجب على العين كالصلوات الخمس أما الواجب على الكفاية فينعقد نذره ويلزمه الوفاء به. وشرط في الصيغة كونها لفظا يشعر بالالتزام كلله علي كذا أو علي كذا قوله (كلله علي كذا أو علي كذا) فلو قال بالعامية ندرا علي بالدال المهملة كما جرت العادة في بلاد الشام ومصر وقع النذر فلا تصح بمجرد النية ولا بلفظ لا يشعر بالالتزام كأفعل كذا.
والنذر ضربان أحدهما نذر اللجاج بفتح أوله وهو التمادي في الخصومة وهو الخارج مخرج اليمين لأن الناذر بقصد منع نفسه من الشىء أو حثها على فعله أو تحقيق خبر ولا يقصد القربة فلذلك يصح من الكافر فالأول نحو إن كلمت فلانا فلله علي كذا والثاني نحو إن لم أدخل الدار فلله علي كذا والثالث نحو إن لم يكن الأمر كما قلت فلله علي كذا وهو مخير فيه بين كفارة يمين وما التزمه بالنذر وقد تقدم ذلك.
والثاني نذر التبرر وهو قربة فلا يصح من الكافر ويكون على نوعين أحدهما أن لا يعلقه الناذر على شىء مرغوب فيه ومحبوب للنفس وهو المسمى بنذر المجازاة أي المكافأة (و)هذا (النذر) أي نذر التبرر بنوعيه (يلزم) الوفاء به سواء ما كان في غير مجازاة كما لو شفي من مرضه فقال لله علي كذا لما أنعم علي به من شفاء أم كان (في المجازاة) عند تعليقه (على) اندفاع نقمة أو حصول نعمة من (مباح وطاعة) بمعنى مباح أو طاعة (كقوله) إن كفيت شر عدوي و(إن شفى الله مريضي) وإن يسر الله لي الحج (فلله علي أن) أعتق أو أصلي أو (أصوم أو أتصدق ويلزمه) أي الناذر عند حصول المعلق (من ذلك) أي مما نذره من عتق أو صلاة أو صوم أو صدقة عند عدم التقدير (ما يقع عليه الاسم) من العتق وأقله رقبة ولو كافرة أو من الصلاة وأقلها ركعتان أو الصوم وأقله يوم أو الصدقة وهي أقل شىء مما يتمول حتى لو قيد الصدقة بمال عظيم بأن قال لله غلي أن أتصدق بمال عظيم وجب أقل متمول كذلك ويحمل على عظم إثم غاصبه. وأما إن عين العتق أو الصلاة أو الصيام أو الصدقة فيلزمه الإتيان بما عينه لكن يجزئه في نحو ما لو نذر عتق رقبة كافرة أو معيبة أن يعتق رقبة كاملة لإتيانه بالأفضل وما لو نذر أن يصلي النفل قاعدا أن يسليه قائما لإتيانه بالأفضل كذلك.
(ولا نذر في معصية) فلا ينعقد نذرها كلله علي قتل فلان أو شرب خمر ومثله النذر المعلق على معصية (كقوله إن قتلت فلانا) أي بغير حق أي إن تيسر لي قتله لكون نفسه راغبة في ذلك (فلله علي كذا) أما إن قصد منع نفسه منه فهو نذر لجاج صحيح أي فينعقد وهو مخير إذا وقع عليه بين الوفاء به وبين كفارة اليمين لكن قال الشربيني نقلا عن الزركشي إن هذا إذا لم ينو به اليمين وإلا لزمته الكفارة بالحنث كما اقتضاه كلام الرافعي ءاخرا اهـ قال الغزي هنا إنه خرج بالمعصية نذر المكروه كنذر شخص صوم الدهر فينعقد نذره ويلزمه الوفاء به اهـ ومثل نذر ال/عصية نذر المكروه كنذر شخص صوم الدهر وهو يخشى به الضرر فلا ينعقد والصحيح ما أثبتناه من أن نذر المكروه كنذر المعصية لا ينعقد كما في نهاية المحتاج وغيره. قال الباجوري في حاشيته على شرح الغزي وإنما قلنا ولا مكروه لأن الاقتصار على ما ليس بمعصية يفيد أن ما علق على مكروه ينعقد كأن يقول إن التفت في الصلاة بمعنى إن يسر الله لي ذلك فلله علي كذا وهو بعيد والظاهر عدم الانعقاد فتأمل في هذا المقام فقد زلت فيه أقدام اهـ ولا كفارة فيه.
(و)كذا (لا يلزم النذر) ولا ينعقد (على ترك مباح) أو فعله لأنه لا يتقرب به فالأول (كقوله لا ءاكل لحما ولا أشرب لبنا وما أشبه ذلك) مما هو من المباحات أصلا والثاني نحو لله علي أن ءاكل كذا أو أشرب كذا وألبس كذا من المباحات كذلك فلا يلزمه ولو اقترن بنية عبادة به كالأكل للتقوي على الطاعة قال في النهاية وإنما قال عليه الصلاة والسلام لمن نذرت إن رده الله سالما أن تضرب على رأسه بالدف لما قدم المدينة أوفي بنذرك اي فيما رواه أبو داود والترمذي وابن حبان وغيرهم لأنه اقترن بقدومه كمال مسرة المسلمين وإغاظة الكفار فكان وسيلة لقربة عامة ولا يبعد فيما هو وسيلة لهذا أنه مندوب للازمه على أن جماعة قالوا بندبه لكل عارض سرور لا سيما النكاح ومن ثم أمر به في أحاديث وعليه فلا إشكال أصلا اهـ وقال البيهقي يشبه أن يكون صلى الله عليه وسلم أذن لها في الضرب لأنه أمر مباح وفيه إظهار الفرح بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوعه سالما لا أنه يجب بالنذر اهـ فتعقبه الحافظ في الفتح فقال إن من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبا كالنوم في القائلة للتقوي على قيام الليل وأكلة السحور للتقوي على صيام النهار فيمكن أن يقال إن إظهار الفرح بعود النبي عليه الصلاة والسلام سالما معنى مقصود يحصل به الثواب اهـ قلت ومثل ذلك النكاح إن قصد به إعفاف نفسه وكفها عن المعصية وولد صالح فلو نذر مثلا التزوج بقصد غض الظرف وتحصين الفرج قالوا كان قربة فإن أراد التلذذ والاستمتاع كان مباحا ولم يلزم قطعا اهـ قلت خطر ببالي أن الفرق بين نحو هذا وما قالوه من عدم ثبوت نذر الأكل ولو قصد به التقوي على الطاعة أن هذا ونحوه عمل طاعة في نفسه يثاب عليها بينما الثواب في الأخر هو على النية لا أن نفس العمل يصير طاعة فليراجع العلماء المتأهلون في هذا والله أعلم اهـ ولا كفارة في مخالفته على المعتمد غلا إذا اشتمل على حث أو منع أو تحقيق خبر كأن قال إن لم أدخل الدار أو إن كلمت زيدا أو إن لم يكن الأمر كما قلت فعلي أن ءاكل لحما أو أشرب لبنا أو نحو ذلك كما تقدم نظرأ لكون كلامه في معنى اليمين أو كان فيه إضافة إلى الله كأن قال ابتداء لله علي أن ءاكل الفطير مثلا فإن الكفارة تلزمه عند المخالفة في هذه الحال لهتط حرمة اسم الله تعالى. والله تعالى أعلم.