الخميس يناير 29, 2026

(فصل) في أحكام السلب بمعنى المسلوب وقسم الغنيمة.

  والسلب بفتح السين واللام لغة الأخذ قهرا. وشرعا أخذ ما يتعلق بقتيل كافر من ملبوس ونحوه. وإنما قلنا إنه بمعنى المسلوب لأن المصنف أورده في المتن على هذا المعنى.
  (ومن قتل) في سبيل الله (قتيلا) أي شخصا كافرا ءال أمره بالقتل أن كان قتيلا لا امرأة أو صبيا ممن نهي عن قتله (أعطي) القاتل سواء كان صبيا أو امرأة أو رقيق مسلم أو جماعة (سلبه) بفتح اللام وإن لم يشرطه الإمام له. وهو أي السلب ما يصحبه الحربي في القتال كثيابه التي عليه ولو خلعها عند القتال والخف والران وهو خف بلا قدم يلبس للساق فقط وءالات الحرب أي واحد من كل نوع منها إذا تعددت أفراده فيختار من السيوف واحدا ومن الرماح واحدا وهكذا وكالمركوب الذي قاتل عليه أو أمسكه بعنانه وكالسرج واللجام ومقود الدابة والسوار والطوق والمنطقة وهي التي يشد بها الوسط والخاتم والنفقة التي معه والجنيبة أي المركوب الذي يقاد معه. وإنما يستحق القاتل سلب الكافر إذا كان مسلما وغرر بنفسه أي خاطر بها حال الحرب في قتله ولو كان مدبرا بحيث يكفي بركوب هذا الغرر شر ذلك الكافر فلو قتله وهو أسير أو نائم أو قتله بعد انهزام الكفار أو رماه من صف فلا سلب له. وكفاية شر الكافر أن يزيل امتناعه كأن يفقأ عينيه أو عينه التي ليس له سواها أو يقطع يديه أو رجليه أو ياسره فيستحق بذلك السلب.
  والغنيمة مأخوذة من الغنم وهو الربح وهي هنا بمعنى المغنومة فهي فعيلة بمعنى مفعولة. وشرعا هي المال أو الاختصاص الحاصل للمسلمين من كفار أصليين حربيين بقتال وإيجاف خيل أو إبل أو سفن ونحوها أي إعمالها وإسراعها وكذا الحاصل بإغارة الرجالة وما صالحونا به وما أخذه واحد أو جمع من دار الحرب سرقة أو وجده على هيئة اللقطة ولم يكن لمسلم. ودخل بقولنا الاختصاص الخمر المحترمة والكلب الذي ينفع وخرج بقولنا الحاصل للمسلمين الحاصل للكفار كأهل الذمة من أهل الحرب فليس غنيمة على النص بل يملكونه ولا ينزع منهم وخرج بأهل الحرب المال الحاصل من المرتدين فإنه فىء لا غنيمة وما أخذ من كفار أخذوه من مسلم بغير حق فيجب رده لصحاخبه إن عرف وإلا فهو مال ضائع أمره لبيت المال. وللغانمين التبيط في الغنيمة بدار الحرب وفي العود منها إلى عمران دار الإسلام بما يعتاد أكله عموما من قوت وأدم وفاكهة وذبح حيوان لأكله وبما يعتاد علفه للدواب من تبن وفول وشعير من غير توقف على إذن الإمام دون ما تندر الحاجة إليه كدواء وسكر وفانيد فإن احتاج أحدهم غلى ما يتدفأ به من برد أو احتاج مريض إلى شىء من ذلك أعطيه بقيمته أو أعطيه وحسب عليه من سهمه.
  (وتقسم الغنيمة بعد ذلك) أي بعد إخراج السلب منها وكذا بعد إخراج المؤن اللازمة كأجرة حمال وراع وغيرهما (على خمسة أخماس) متساوية (فيعطى أربعة أخماسها) من عقار ومنقول (لمن شهد) أي حضر (الوقعة) من الغانمين بنية القتال وإن لم يقاتل مع الجيش ولمن حضر لا بنية القتال لكنه قاتل ولا شىء لمن حضر بعد انقضاء القتال ولا لمرجف ومثبط ومخذل قوله (ولا لمرجف ومثبط ومخذل) يؤخذ من التاج أن المرجف هو الذي يولد الأخبار الكاذبة لإيقاع الاضطراب في جيش المسلمين اهـ ومن التاج أيضا أن المثبط هو المعوق والمؤخر عن القتال مع الجيش اهـ وكذلك أن المخذل هو الذي يحمل غيره على خذلان باقي الجيش ويثبطه عن نصرتهم اهـ عن القتال (ويعطى للفارس) الحاضر الوقعة وهو من أهل القتال بفرس مهيإ للقتال عليه وإن لم يركبه (ثلاثة أسهم) سهمان لفرسه ما لم يكن غير صالح لقتال كهرم وكسير سواء كان عربيا أو برذونا أو هجينا أبوه عربي أو مقرفا أمه عربية ولو مات الفرس في أثناء القتال وسهم له ولا يعطى إلا لفرس واحد ولو كان معه أفراس كثيرة (وللراجل) أي المقاتل على رجليه (سهم) واحد. ولا تسقط حصة المقاتل من الغنيمة إن مات بعد انقضاء القتال ولو قبل حيازة ال/ال بل تكون لوارثه بخلاف من مات في أثناء القتال فإنه لا شىء له ولا لوارهه.
  (ولا يسهم) أي لا يعطى سهم من الغنيمة (إلا لمن استكملت فيه خمس شرائط الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورية) ويزاد سادس وهو الصحة فلا يسهم للزمن بل يرضخ له (فإن اختل شرط من ذلك) بأن كان المقاتل صغيرا أو مجنونا أو رقيقا أو أنثى أو خنثى أو ذميا أو مؤمنا أو معاهدا أو زمنا (رضخ له ولم يسهم له) والرضخ لغة العطاء القليل وشرعا شىء دون سهم يعطى للراجل وللفارس يجتهد الإمام في قدره بحسب رأيه فيزيد المقاتل على غيره والأكثر قتالا على الأقل قتالا والمرأة التي تداوي الجرحى وتسقي العطشى على التي تحفظ الرحل فيفاوت فيه بحسب قدر نفع المرضخ له بخلاف سهم الغنيمة فلا يجتهد فيه لأنه منصوص عليه. ومحل الرضخ الأخماس الأربعة. ويستحق الذمي ومن ألحق به الرضخ إذا حضر بإذن الإمام لا أفراد الجيش بلا استئجار أو إكراه فإن استؤجر استحق الأجرة وإن أكره استحق أجرة المثل.
  (ويقسم الخمس) الباقي بعد الأخماس الأربعة (على خمسة أسهم) على مقتضى قول الله تعالى في سورة الأنفال (وٱعلموٓا أنما غنمتم من شىءۢ فأن لله خمسه وللرسول ولذى ٱلقربىٰ وٱليتٰمىٰ وٱلمسٰكين وٱبن ٱلسبيل) فمنه (سهم لرسول الله) صلى الله عليه وسلم وهو الذي كان له في حياته (يصرف بعده للمصالح) المتعلقة بالمسلمين لا الكافرين كالقضاة الحاكمين في البلاد ولو أغنياء دون قضاة العسكر فإنهم يرزقون من الأخماس الأربعة ولعلماء التفسير والحديث والفقه ونحوها ولو أغنياء وللمعلمين والمتعلمين فيعطون ما يكفيهم ليتفرغوا لذلك ولا يشتغلوا عن التعليم والتعلم وللمؤذنين ومعلمي القرءان ولسد الثغور وهي المواضع المخوفة من أطراف بلاد المسلمين الملاصقة لبلاد الكفر والمراد بذلك شحنها بما يكفي من الرجال وءالات الحرب وفي التنبيه أن أهمها سد الثغور لأن فيه حفظ المسلمين. ويجب تقديم الأهم من المصالح فالأهم. (و)منه (سهم لذوي القربى) أي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) ليعلم أن هاشما والمطلب وعبد شمس ونوفلا كانوا إخوة أولادا لعبد مناف الثلاثة الأول إخوة أشقاء ونوفل أخوهم لأبيهم لكن لا يعطى من هذا السهم إلا بنو هاشم وبنو المطلب لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعط غيرهما مع سؤال بني الآخرين له كما روى البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سأل ذلك هو وعثمان بن عفان قال مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا أعطيت بني هاشم وبني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة منك فقال إنما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد اهـ قال جبير ولم يقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا بني نوفل بشىء اهـ وجبير من بني نوفل وعثمان من بني عبد شمس رضي الله عنهما أي من نسب إليهما من جهة الأب لا الأم ويشترك في ذلك الذكر والأنثى والخنثى والغني والفقير ويجب تعميمهم بالعطاء لكن يفضل الذكر فيعطى مثل حظ الأنثيين. (وسهم لليتامى) المسلمين جمع يتيم وهو الصبي غير البالغ الذي لا أب له وإن كان له جد إلا إذا كان له جد تجب نفقة اليتيم عليه لأنه عندئذ مكفي بنفقة جده فيعطى سواء كان ذكرا أم أنثى قتل أبوه في الجهاد أو لا بشرطي الإسلام والفقر. ولا تجب التسوية بين الأيتام بل يجوز تفضيل بعضهم على بعض بالجتهاد ولا يجب تعميمهم. (وسهم للمساكين) ومثلهم الفقراء كما هو معلوم ولا يشترط كونهم من مساكين المجاهدين. (وسهم لابن السبيل) والمراد به من ينشئ سفرا مباحا م، بلد الغنيمة ولا يجد مؤنة السفر أو يكون مجتازا ببلدها فيحتاج المال لإكمال سفره وعودته إلى بلده على وزان ما تقدم في كتاب الزكاة. ويصدق ابن السبيل بلا يمين ولا يشترط عدم قدرته على الاقتراض. فلو لم يدفع السلطان إلى المستحقين حقوقهم من بيت المال قال الغزالي القياس أنه يجوز أن يأخذ قدر ما يعطى وهو حصته اهـ وأقره عليه في المجموع وقال الخطيب الشربيني هو الظاهر اهـ