الثلاثاء يناير 27, 2026

     فصل فى بيان النجاسات وإزالتها.

والنجاسة لغة الشىء المستقذر وشرعا كل عين حرم تناولها على الإطلاق حالة الاختيار مع سهولة تمييزها لا لحرمتها أى شرفها ولا لاستقذارها ولا لضررها فى بدن أو عقل. ودخل فى الإطلاق قليل النجاسة وكثيرها. وخرج بالاختيار الضرورة فإنها تبيح تناول النجاسة كما فى أكل الميتة للمضطر. وبسهولة التمييز أكل الدود الميت فى جبن أو فاكهة ونحو ذلك. وخرج بقوله لا لحرمتها ميتة الآدمى وبعدم الاستقذار المنى ونحوه وبنفى الضرر الحجر والنبات المضر ببدن أو عقل.

     ثم ذكر المصنف ضابطا للنجس الخارج من القبل والدبر بقوله (وكل مائع خرج من السبيلين نجس) هو صادق بالخارج المعتاد كالبول والغائط وبالنادر كالدم والقيح (إلا المنى) من ءادمى أو حيوان غير كلب وخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما مع حيوان طاهر. وخرج بمائع الدود وكل متصلب لا تحيله المعدة كحب لو زرع لنبت فليس بنجس بل متنجس يطهر بالغسل.

     (وغسل جميع الأبوال والأرواث) ولو كانا من مأكول اللحم (واجب) وكيفية غسل النجاسة العينية وهى التى تحس بإدراك لون أو طعم أو ريح لها تكون بزوال عينها بجريان الماء ومحاولة زوال أوصافها من طعم أو لون أو ريح فإن بقى طعم النجاسة ضر وإن عسر زواله أو بقى لون أو ريح فإن عسر زواله لم يضر وإلا ضر. وأما إن كانت النجاسة لا تحس وهى المسماة بالحكمية فيكفى جرى الماء على الموضع المتنجس بها مرة واحدة. ويشترط فى غسل المتنجس ورود الماء عليه إن كان قليلا فإن عكس لم يطهر أما الكثير فلا فرق بين كون الماء واردا أو مورودا. ثم استثنى المصنف من الأبوال بقوله (إلا) بول (الصبى الذى لم يأكل الطعام) أى لم يتناول وهو دون الحولين مأكولا ولا مشروبا للتغذى كالخبز ولو مرة وإن عاد إلى اللبن (فإنه) أى بول الصبى أى ما أصابه (يطهر برش الماء عليه) بحيث يعمه الماء ويغمره بلا شرط سيلانه وتزول عينه وأوصافه فإن أكل الصبى الطعام على جهة التغذى غسل بوله قطعا. وخرج بقيد الصبى الصبية والخنثى فيغسل من بولهما وبالتغذى تحنيكه بنحو تمر وتناوله نحو سفوف ودواء للإصلاح فلا يمنعان الرش وإن حصل بهما تغذ وخرج بدون الحولين ما بعدهما إذ اللبن حينئذ كالطعام. هذا الذى سبق هو كلام الأصحاب وما عليه جمهور الشافعية وهو الوجه الصحيح فى المذهب كما قال النووى وغيره وأما الشافعى نفسه فقال لو غسل بول الجارية كان أحب إلى احتياطا وإن رش عليه ما لم تأكل الطعام أجزأ إن شاء الله تعالى اهـ قال البيهقى كأن أحاديث الفرق بين بول الصبى والصبية لم تثبت عند الشافعى اهـ وما في الـمطبوع من سنن ابن ماجه من رواية فرق بينهما عن الشافعي هو من زيادات أبي الحسن القطان وليس في أغلب أصول السنن وراويه عن الشافعي أبو اليمان الـمصري قال الـحافظ ابن حـجر في التقريب الثواب أبو لقمان واسـمه مــحمد بن عبد الله خال الـخراساني مستور من الـحادية عشرة اهـ وقال في موضع ءاخر مقبول من الثانية عشرة اهـ أي فلا تقوم حـجة بـما انفرد به اهـ قال ابن الصلاح الصحيح الفرق لورود الحديث من ذلك حديث علي عند ابن ماجه وغيـره ينضح بول الغلام ويغسل بول الـجارية اهـ زاد أبو داود ما لـم يطعم اهـ ومنها حديث أبي السمح عند أبي داود والنسائي وغيـرهـما يغسل من بول الـجارية ويرش من بول الغلام اهـ وحديث لبابة بنت الحارث عند أبي داود وابن ماجه إنما يغسل من بول الأنثـى وينضح من بول الذكر اهـ ومعها حديث أبي داود عن أم الـحسن البصري أنـها أبصرت أم سلمة تصب على بول الغلام ما لـم يطعم فإذا طعم غسلته وكانت تغسل بول الـجارية اهـ من وجوه تعاضدت بحيث قامت الحجة به اهـ.

     (ولا يعفى عن شىء من النجاسات إلا اليسير) عرفا (من الدم والقيح) فيعفى عنهما فى ثوب أو بدن وتصح الصلاة معهما (و)إلا (ما لا نفس له سائلة) أى لا دم له جار عند شق عضو منه كذباب ونمل (إذا وقع فى الإناء ومات فيه فإنه لا ينجسه) فى المذهب القديم الراجح وأفهم قوله وقع أنه لو طرح ما لا نفس له سائلة فى المائع ضر وهو كذلك إذا طرحها ميتة فأما إذا كانت حية عند طرحها فلا يضر ولا فرق فى ذلك بين ما نشؤه فى المائع كدود الخل أو لا. وإذا كثرت ميتة ما لا نفس له سائلة وغيرت ما وقعت فيه نجسته. ويستثنى مع ما ذكر هنا مسائل كثيرة مذكورة فى المبسوطات ففى عبارة الماتن قصور.

     (والحيوان) أى ما فيه روح (كله طاهر إلا الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما) مع حيوان طاهر وعبارته تصدق بطهارة الدود المتولد من النجاسة وهو كذلك (والميتة) وهى ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية (كلها نجسة إلا) ميتة (السمك والجراد والآدمى) فإنها طاهرة.

     (ويغسل الإناء من ولوغ الكلب والخنزير) وكذا من مسه بأى جزء منهما مع الرطوبة من أحد الجانبين (سبع مرات) بماء طهور (إحداهن) مصحوبة (بالتراب) الطهور بحيث يعم كل من السبع المحل المتنجس. والواجب من التراب ما يكدر الماء ويصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل فإن وضع المتنجس بما ذكر فى ماء جار كدر كفى مرور سبع جريات عليه بلا إضافة تراب وكذا فى الأرض الترابية. والغسلة المزيلة لعين النجاسة وإن تعددت واحدة. ومثل الإناء كل متنجس بكلب أو خنزير يراد تطهيره.

     (ويغسل) الإناء ونحوه أى الموضع المتنجس منه (من سائر) أى باقى (النجاسات مرة واحدة تأتى عليه) أى تعمه (والثلاث أولى) واعلم قال الغزي هنا (واعلم أن غسالة النـجاسة بعد طهارة الـمحل الـمغسول طاهرة إن انفصلت غيـر متغيـرة ولـم يزد وزنـها إلـخ) وفيه إيـهام أن الـمحل قد يطهر مع نـجاسة الغسالة الـمنفصلة إن انفصلت متغيـرة أو زائدة الوزن وما أثبت في الـمتمـمة لا لبس فيه أن الغسالة القليلة المنفصلة عن المحل وقد زال جرم النجاسة وأوصافها طاهرة إن انفصلت غير متغيرة ولم يزد وزنها بعد انفصالها عما كان بعد اعتبار مقدار ما يتشربه المغسول من الماء وما يلقيه من الوسخ ويحكم عندئذ بطهارة المحل وإلا فلا غسالة النجاسة بعد طهارة المحل المغسول بزوال جرم النجاسة وأوصافها طاهرة إن انفصلت غير متغيرة وأما إن بلغت الغسالة قلتين فالشرط عدم تغيرها لا غير.

     ولما فرغ المصنف مما يطهر بالغسل شرع فيما يطهر بالاستحالة وهى انقلاب الشىء من صفة إلى صفة أخرى فقال (وإذا تخللت) أى صارت خلا (الخمر) وهى المتخذة من ماء العنب محترمة كانت وهى التى عصرت لا بقصد الخمرية أم لا وكانت صيرورتها خلا (بنفسها طهرت) وكذا لو تخللت بنقلها من شمس إلى ظل وعكسه (وإن) لم تتخلل الخمرة بنفسها بل (تخللت بطرح شىء فيها) وإن لم يكن له أثر فى التخمر كحصى (لم تطهر) لأن الخل تنجس عندئذ بالمطروح الذى كان تنجس بالخمر. وإذا طهرت الخمرة بانقلابها خلا طهر دنها تبعا لها