الأربعاء يناير 28, 2026
  • التتميم والتهذيب لشرح ابن قاسم الغزى

    على متن الغاية والتقريب

     

    بسم الله الرحمٰن الرحيم

     

         قال الشيخ الإمام القاضى الزاهد أبو الطيب المشهور بأبى شجاع شهاب الملة والدين أحمد بن الحسين بن أحمد الأصفهانى المتوفى بعد الخمسمائة من الهجرة سقى الله ثراه صبيب قوله (صبيب) فعيلٌ بمعنى مفعول أى مصبوب. الرحمة والرضوان وأسكنه أعلى فراديس الجنان.

         (بسم الله الرحمٰن الرحيم) أبتدئ كتابى هذا. والله اسمٌ للذات الواجب الوجود المستحق لنهاية التعظيم. والرحمٰن الكثير الرحمة للمؤمنين والكافرين فى الدنيا وللمؤمنين خاصة فى الآخرة وهو أبلغ من الرحيم فإن الرحيم معناه الكثير الرحمة للمؤمنين.

         (الحمد) وهو لغة الثناء باللسان على الجميل الاختيارى على جهة التعظيم وعرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعمٌ على الحامد أو غيره. والحمد مستحق (لله رب) أى مالك (العالمين) بفتح اللام وهو كما قال ابن مالك فى شرح التسهيل اسم جمع خاص بمن يعقل لا جمع عالم لأن العالم عام والعالمين خاص وليس ذلك شأن الجموع (وصلى الله على سيدنا محمد) وسلم أى زاده الله شرفا أي عظمة وسلمه مما يخاف على أمته (النبى) وهو بالهمز وتركه إنسانٌ ذكر أوحى الله إليه باتباع شرع وبتبليغه فإن اختلفت بعض أحكامه عن شرع النبى الذى قبله فنبى رسول وإلا بأن أمر باتباع شرع الرسول الذى قبله فنبى غير رسول قال الغزي النبي هو إنسان أوحي إليه بشرع يعمل به وإن لـم يؤمر بتبليغه فإن أمر بتبليغه فنبـي ورسول أيضا اهـ والصواب ما أثبته هنا قال البيضاوي فى تفسيره أنوار التنـزيل وأسرار التأويل ما نصه الرسول من بعثه الله بشريعة مـجددة يدعو الناس إليـها والنبـي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بنـي إسرائيل الذين كانوا بيـن موسى وعيسى عليهم السلام اهـ وقاله عدة غيـره وهو الصواب. قال الله تعالى في سورة الـحج (ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلآ إذا تمنىٰٓ) الآية وهذا صريح فى إرسالـهما حقا وكذلك حديث البـخاري مرفوعا “وكان النبـي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة” صريـح في إرسالـهما وهو مقتض للتبليغ اهـ أفاده شيخنا رحمه الله. ومراد المصنف رحمه الله إنشاء الصلاة والسلام على سيدنا محمد الذى هو ءاخر الأنبياء وأفضلهم. واسم محمد علم العلم اسم يدل على معيـن بحسب وضعه بلا قرينـة كـخالد وفاطمة ودمشق والنيل ومنه أسـماء البلاد والأشخاص والدول والقبائل والأنـهار والبحار والـجبال فالاشتـراكاتفاقا لا وضعا لا يضر كـخالد الـمسمى به أشخاص كثيـرون والتعييـن بلا قرينة يفرق بينه وبيـن باقي أسـماء الـمعارف أى الضميـر والإشارة والـمعرف بأل والنكرة الـمقصودة والـمضافة إلى معرفة منقولٌ من اسم مفعول المضعف العين أى الذي شدد فيه الـحرف الثاني من حروفه والنبى بدلٌ منه أو عطف بيان عليه (و)على (ءاله) أى أهل بيته وهم كما قال الشافعى أقاربه المؤمنون من بنى هاشم وبنى المطلب وقيل (الطاهرين) من الشرك كما قال تعالى ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ واختار النووى فى شرح مسلم أن الآل فى مثل هذا الموضع يشمل كل مسلم تقى (و)على (صحابته) جمع صاحب وهو كل من اجتمع به ﷺ على سبيل العادة مؤمنا به ومات على ذلك (أجمعين) تأكيدٌ.

         ثم ذكر المصنف سبب تصنيف هذا المختصر فقال (سألنى بعض الأصدقاء) جمع صديق (حفظهم الله تعالى) جملةٌ خبريةٌ لفظا دعائية معنى (أن أعمل مختصرا) هو ما قل لفظه وكثر معناه (فى الفقه) وهو لغة الفهم واصطلاحا العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (على مذهب الإمام) المجتهد ناصر السنة والدين أبى عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع هو ابن السائب بن عبيد بن عبد يـزيد بن هاشم بن الـمطلب بن عبد مناف بن قصـي بن كلاب بن مـرة بن كعب بن لـؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيـمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ونسب الإمام إليه دون بقية أجداده لأنه صحابـي ابن صحابـي (الشافعى) المولود بغزة سنة خمسين ومائة والمتوفى (رحمة الله عليه ورضوانه) فى مصر يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين فجملة عمره رضى الله عنه أربعٌ وخمسون سنة بارك الله له فيه وانتشر مذهبه بعدها فى بلاد المسلمين وعليه حمل حديث الترمذى عالم قريش يملأ طباق الأرض علما.

         ووصف المصنف مختصره بأوصاف منها أنه (فى غاية الاختصار ونهاية الإيجاز) والغاية والنهاية متقاربان فى المعنى وكذا الاختصار والإيجاز (ليقرب) أى يتيسر (على المتعلم) أى مريد التعلم لفروع الفقه (درسه) أى قراءته على الشيخ ليعلمه معناه (ويسهل على المبتدئ) الآخذ فى صغار العلم وهو من لم يقدر على تصوير المسئلة (حفظه) واستحضاره عن ظهر قلب إذا أقبل على حفظ مختصر فى الفقه على العادة (و)سألنى أيضا هذا الصديق (أن أكثر) فيه (من التقسيمات) للأحكام الفقهية (و)من (حصر) أى ضبط (الخصال) الواجبة والمندوبة وغيرهما من غير أن يكون مراده بالحصر معناه الحقيقى من جمع أفراد الخصلة أو الحكم من غير إخلال بشىء منها بل المراد به الضبط بالعدد مع ذكرها على التقريب كما فعل فى سنن الوضوء مثلا حيث قال وسنن الوضوء عشرة أشياء ثم بينها من غير استيعاب لها فى الواقع وذلك تسهيلا على المبتدئ (فأجبته إلى) سؤاله (ذلك طالبا للثواب) من الله تعالى جزاء على هذا التصنيف (راغبا إلى الله سبحانه وتعالى فى) الإعانة من فضله على تمام هذا المختصر و(التوفيق) أى التسديد (للصواب) وهو ضد الخطإ أى سائلا الله تعالى أن يخلق فى القدرة على السداد بحيث لا أخطئ فى أثناء الجمع أي مع أن الـخطأ مـما لا ينـجو منه مصنفٌ عادة كما يدل عليه قوله تعالى (ولو كان من عند غير ٱلله لوجدوا فيه ٱختلٰفا كثيرا) (إنه) تعالى (على ما يشاء) أى يريد (قديرٌ) أى ذو قدرة تامة (وبعباده لطيف) كما قال الله تعالى فى سورة الشورى ﴿الله لطيف بعباده﴾ (خبير) بأحوالهم كما قال عز وجل فى سورة الأنعام ﴿وهو الحكيم الخبير﴾ فاللطيف والخبير اسمان من أسمائه تعالى معنى الأول منهما أى اللطيف الرفيق بالعباد أو العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها ويقاربه الثانى فإنه يقال خبرت الشىء أخبره فأنا به خبيرٌ أى عليمٌ اهـ فالله تعالى محسن إلى عباده عالمٌ بهم وبمواضع حوائجهم.