خديجة 1
تحدث المصطفى ﷺ كيف كانت زوجته خديجة في نصرته ونصرة دين الله، فعن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت: فغرت يوما فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله بها خيرا منها، قال: «ما أبدلني الله خيرا منها قد ءامنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء»([1])، فكانت أول من ءامن بالله ورسوله، وصدق بما جاء به فخفف الله بذلك عن الرسول ﷺ.
عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يلحق بغار حراء فيتحنث فيه – والتحنث التعبد – الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال رسول الله ﷺ: «ما أنا بقارئ»، قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق (١) خلق الإنسان من علق (٢) اقرأ وربك الأكرم (٣) الذي علم بالقلم (٤) علم الإنسان ما لم يعلم} [سورة العلق: 1 – 5]». فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: «زملوني زملوني»، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. قال لخديجة: «أي خديجة، ما لي لقد خشيت على نفسي»، فأخبرها الخبر، قالت خديجة: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان أمرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، قال ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ خبر ما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا، ذكر حرفا([2])، قال رسول الله ﷺ: «أو مخرجي هم»، قال ورقة: نعم، لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي وإن يدركني يومك حيا أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ([3]).
وعن هشام عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول سمعت عليا بالكوفة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد». قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض([4]).
وعن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن عليها الثناء، فذكرها يوما من الأيام، فأذكرتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أخلف الله لك خيرا منها؟ قالت: فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: «لا والله، وما أخلف الله لي خيرا منها، لقد ءامنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء»، قالت: فقلت بيني وبين نفسي: لا أذكرها بسوء أبدا.
[1])) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (41/356)، رقم الحديث: 24864.
[2])) أي: وذكر ورقة بعد ذلك كلمة أخرى وهي ما جاء في الروايات الأخرى من قوله إذ يخرجك قومك.
[3])) صحيح البخاري، البخاري، كتاب التفسير، سورة العلق، (4/1894)، رقم الحديث: 4670.
[4])) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، (7/132)، رقم الحديث: 6424.