قال ابن عقيل: لا يجوز التعوذ بالطلسمات والعزائم، وأسماء الكواكب والصور، وما على النجوم من النقوش، إذ كل هذا منهي عنه، وإنما التعوذ بالقرآن.
والنهي الوارد في الحديث الشريف هو عن التمائم والرقى التي فيها شرك أو كلام قبيح، أما الرقى التي فيها اسم الله، أو قراءة قرءان، أو ذكر الله، فلم يحرمها ولم ينه عنها.
عن عبد الله أنه دخل على امرأته، وفي عنقها شيء معقود، فجذبه، فقطعه، ثم قال: لقد أصبح ءال عبد الله أغنياء عن أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، فقلنا: هذه الرقى والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: «شيء يجعله النساء إلى أزواجهن».
وفي رواية عن أبي عبيدة عن عبد الله أنه رأى في عنق امرأة له سيرا فيه تمائم، قال: فمده مدا شديدا حتى انقطع السير، وقال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، ثم قال: إن التولة والتمائم والرقى لشرك، فقالت امرأة: إن إحدانا لتشتكي رأسها، فتسترقي فإذا استرقت ظنت أن ذلك قد نفعها. قال عبد الله: ذلك الشيطان إذ يأتي إحداكن، فينخس في رأسها، فإذا استرقت خنس، فإذا لم تسترق لم يخنس، فلو أن إحداكن تدعو بماء، فينضح في وجهها ورأسها، ثم تقول: «بسم الله الرحمٰن الرحيم، وتقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، نفعها ذلك إن شاء الله تعالى».
وعن زينب امرأة عبد الله قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطا، قال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت خيط أرقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه ثم قال: إن ءال عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، قالت: فقلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها وكان إذا رقاها سكنت، قال: إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقيتها كف عنها إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله ﷺ: «أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما»([1]).
ثم إن التمائم التي نهى رسول الله ﷺ عنها هي خرزات، إذ العرب الذين كانوا مشركين – قبل أن يسلموا ويؤمنوا بالرسول – كانوا يعلقونها على أولادهم، فيعتقدون أنها تدفع العين دون مشيئة الله، ولا يعتقدون أن الله بمشيئته يدفع الأذى عمن يعلق الخرزات، فاعتقادهم كان أنها تدفع الأذى بذاتها، وهذا ضلال مبين.
فالحديث الذي رواه أبو داود([2]): «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» ليس فيه ما يذكره البعض من أن من علق الحرز الذي فيه قرءان فقد أشرك ولو كان اعتقاده أن الضار والنافع في الحقيقة هو الله، وكلامهم هذا مخالف للشرع، فهم وضعوا الحديث في غير موضعه وحرفوا معناه.
وإنما معنى الحديث ما ذكره المناوي في «شرح الجامع الصغير»([3]) ونص عبارته بعد إيراده للحديث: «أي من الشرك، سماها شركا؛ لأن المتعارف منها في عهده ما كان معهودا في الجاهلية وكان مشتملا على ما يتضمن الشرك أو لأن اتخاذها يدل على اعتقاد تأثيرها ويفضي إلى الشرك ذكره القاضي، وقال الطيبي رحمه الله: المراد بالشرك اعتقاد أن ذلك سبب قوي وله تأثير وذلك ينافي التوكل والانخراط في زمرة الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون؛ لأن العرب كانت تعتقد تأثيرها وتقصد بها دفع المقادير المكتوبة عليهم فطلبوا دفع الأذى من غير الله تعالى وهكذا كان اعتقاد الجاهلية فلا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه ولا من علقها بذكر الله تبركا عالـما أنه لا كاشف للضر إلا الله فلا بأس به.
وقال الشيخ أحمد عبد الرحمٰن البنا الشهير بالساعاتي ما نصه: «والتمائم» جمع تميمة وأصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد لدفع العين ثم توسعوا فيها فسموا بها كل عوذة، «والتولة»؛ كعنبة ما يحبب المرأة إلى الرجل من السحر، أي: من الشرك، سماها شركا؛ لأن المتعارف منها في عهد الجاهلية كان مشتملا على ما يتضمن الشرك، أو لأن اتخاذها يدل على اعتقاد تأثيرها ويفضي إلى الشرك أو ينافي التوكل والانخراط في زمرة الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون؛ لأن العرب كانت تعتقد تأثيرها وتقصد بها دفع المقادير المكتوبة عليهم فطلبوا دفع الأذى من غير الله تعالى، وهكذا كان اعتقاد الجاهلية، فلا يدخل في ذلك ما كان من أسماء الله وكلامه ولا من علقها تبركا بذكر الله أو باسم من أسمائه عالـما أنه لا كاشف له إلا الله فلا بأس به.
وقال اللغوي أبو منصور الأزهري([4]) ما نصه: «قلت: التمائم واحدتها تميمة وهي خرزات كانت الأعراب يعلقونها على أولادهم يتقون بها النفس والعين بزعمهم، وهو باطل».
وقال ابن الأثير([5]) ما نصه: التمائم جمع تميمة وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام، وكذا ذكر البغوي.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني([6]) في «شرح البخاري» ما نصه: «والتمائم» جمع تميمة وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات، «والتولة» بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك؛ لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه.
وقال المفسر أبو عبد الله القرطبي([7]) ما نصه: الخامسة: قال مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقها بتعليقها مدافعة العين، وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين، وعلى هذا القول جماعة أهل العلم لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني ءادم شيء من العلائق خوف نزول العين، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله تعالى فهو كالرقى المباحة التي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها. وقد روى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: إذا فزع أحدكم في نومه فليقل: «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر الشياطين وأن يحضرون»، وكان عبد الله يعلمها ولده من أدرك منهم، ومن لم يدرك كتبها وعلقها عليه.
[1])) مسند أحمد، أحمد، (6/110)، رقم الحديث: 3615.
[2])) سنن أبي داود، أبو داود، كتاب الطب، باب: في تعليق التمائم، رقم الحديث: 3885.
[3])) فيض القدير، المناوي، حرف الهمزة، (2/341).
[4])) تهذيب اللغة، أبو منصور، (1/5).
[5])) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، مادة: (ت م م)، (1/179).
[6])) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (3/330).
[7])) الجامع لأحكام القرءان، القرطبي، سورة الإسراء، (10/319).