الجمعة فبراير 13, 2026

جواز البكاء على الـميت

عن ابن عباس قال: لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأة: هنيئا لك الجنة عثمان بن مظعون، فنظر رسول الله ﷺ إليها نظر غضبان فقال: «وما يدريك»، قالت: يا رسول الله فارسك وصاحبك، فقال: رسول الله ﷺ: «والله إني رسول الله وما أدري ما يفعل بي»([1])، فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب ابنة رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ: «الحقي بسلفنا الصالح الخير عثمان بن مظعون»، فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فأخذ رسول الله ﷺ بيده وقال: «مهلا يا عمر»، ثم قال: «ابكين وإياكن ونعيق الشيطان»، ثم قال: «إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله  ومن الرحمة وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان»([2]).

وقد قال الفقيه الحنفي ملا علي القاري في «شرح مشكاة المصابيح» في هذا الحديث ما نصه: «مهما كان البكاء من العين، أي: من الدمع ومن القلب، أي: من الحزن، فمن الله ، أي: محمود ومرضي من جهته وصادر من خلقته ومن الرحمة، أي: وناشئ من رحمة صاحبه، وما كان – ما شرطية – أيضا من اليد؛ كالضرب على الخد وقطع الثوب ونتف الشعر ومن اللسان، أي: بطريق الصياح وعلى وجه النياح أو يقول مما لا يرضى به الرب فمن الشيطان، أي: من إغوائه أو برضائه»، وليس معنى الحديث أن مجرد البكاء على الميت بخلق الله وغير ذلك مما هو منهي عنه بخلق الشيطان، إذ لا يخفى على ذي لب أن الله تعالى خالق الخير وخالق الشر، خالق الإيمان وخالق الكفر، خالق الطاعة وخالق المعصية، قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [سورة الفرقان: 2]، والشيء يشمل الخير والشر بخلق الله هو من أصول الإيمان الستة، قال ﷺ حينما سأله جبريل عن الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»([3])، أي: بالمقدور وهو الخير والشر بأنهما من عند الله، فالخير بخلق الله تعالى وهو بمحبته ورضاه، والشر بخلق الله كذلك إلا أنه لا يحبه الله ولا يرضى به.

وعن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»([4]).

وعن جابر بن عبد الله قال: أخذ النبي ﷺ بيد عبد الرحمٰن بن عوف فانطلق به إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه فأخذه النبي ﷺ فوضعه في حجره فبكى فقال له عبد الرحمٰن: أتبكي؟ أولم تكن نهيت عن البكاء؟ قال: «لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان»([5]).

وعن أنس بن مالك  قال: دخلت على رسول الله ﷺ وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمٰن بن عوف : وأنت يا رسول الله! فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ: «إن العين تدمع وإن القلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون»، ولنا في الرسول المربي الأسوة الحسنة ﷺ الصورة القدوة لكل مؤمن ومؤمنة عند فقد الأعزاء.

وعن حفصة عن أم عطية قالت: كنت فيمن بايع النبي ﷺ وكان فيما أخذ علينا أن لا ننوح، ولا نحدث من الرجال إلا محرما.

وعن أبي مالك الأشعري  قال: قال رسول الله ﷺ: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب»([6]).

فعلى المرأة المسلمة التي فقدت أحد أقاربها أن تعتدل في مظاهر الحزن، وتحذر من العادات الجاهلية التي تتنافى مع خلق المؤمن مثل النياحة ورفع الصوت بالبكاء، ولطم الخدود وشق الجيوب، وأمثالها من الأفعال الضارة التي تثير الآلام وتعرض لأزمات النفسية، والتي نهى عنها الرسول الهادي ﷺ.

[1])) معناه: أن الرسول ﷺ لا يعلم بتفاصيل ما يفعله الله به؛ لأن الغيب كله لا يعلمه إلا الله، وليس معناه: أن الرسول يخاف على ءاخرته أو أنه يتوقع العذاب له في الآخرة، حاشا وكلا، فالرسول جازم ومتيقن بأنه في أعلى المراتب وفي نعيم وأمان؛ لأن الله قال: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها} [سورة الأنبياء: 101، 102]، وقال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [سورة يونس: 62]، ومن جوز حصول العذاب لرسول الله أو غيره من الأنبياء في الآخرة فهو كافر بالله ورسوله. ويجب التحذير من الحديث المكذوب والمدسوس على كتاب صحيح ابن حبان في النسخ المطبوعة والموجودة في الأسواق، وفيه أن خمسة من الأنبياء كل منهم يقول: أخاف أن يطرحني ربي في النار، وعلى واضعه من الله ما يستحق، ونعوذ بالله من هذا الكفر.

[2])) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (4/31)، رقم الحديث: 2127.

[3])) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الإيمان، باب: معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامة الساعة، (1/28)، رقم الحديث: 102.

[4])) صحيح البخاري، البخاري، كتاب الجنائز، باب: ليس منا من شق الجيوب، (1/434)، رقم الحديث: 1232.

[5])) سنن الترمذي، الترمذي، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت، (3/328)، رقم الحديث: 1005.

[6])) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة، (3/45)، رقم الحديث: 2203.