الجمعة فبراير 13, 2026

تحريم ما يسمى بتأجير الأرحام

هذه المسألة تنتشر بين السفهاء والساقطين من الناس باسم «إباحة تأجير الأرحام» وهي أن يؤخذ مني رجل ويوضع مع مني غير زوجته الذي يسميه كثير من أطباء هذا العصر «البويضة»، ثم يوضع في رحم هذه المرأة التي هي ليست زوجة لهذا الرجل صاحب المني، وهذا الفعل حرام مؤكد لما فيه من تضييع الأنساب وكشف للفروج وباقي الجسد عند الأطباء لغير ضرورة شرعية. وهذا الفعل يفتح أبوابا من الفساد للماجنين، فماذا يقول هؤلاء الأطباء أو المشايخ أو الدكاترة أو الدعاة الذين يبيحون هذا الفعل؟ هل يرضون لأمهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم وبناتهم أن يكشفن فروجهن وأن يعرضن للريبة والتهمة بحجة أن تؤجر رحمها فتصير مشابهة للزانيات اللواتي يمنى فيهن؟ أو أن يصرن كسلعة رخيصة تستأجر فتمتهن وتنتهك حرمتها وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن الـمؤمن أعظم حرمة عند الله من الكعبة» رواه ابن ماجه وغيره.

وهذا التهتك فهي ارتكاب لمحرمات عديدة، وقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي عبد الله النعمان بن بشير  قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وقال النووي في «شرح صحيح مسلم»: أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. وهذا من الحرام البين الذي لا يشك فيه ولا ينكره إلا جاهل أعمى القلب بعيد عن علم الدين والفقه.

فماذا يقول هذا الدكتور أو هذا الشيخ أو هذا الداعية أو هذا القاضي أو هذا المفتي الذي يبيح هذا الفعل؟ هل يرضى لأمه إن كانت مطلقة أو أرملة وجاءته وهي حامل، أو جاءت زوجته التي مضت عليه مدة لم يجامعها بحيث لم تحمل منه وهي حامل، أو جاءته أخته المطلقة أو الأرملة وهي حامل، أو جاءته ابنته المطلقة أو الأرملة وهي حامل فماذا يفعل في هذه إن قالت له: أنا عملا بفتواك ءاجرت رحمي وحملت من مني رجل غريب؟ وهي كانت قد زنت وتسترت بفتواه هذه. فماذا سيفعل بأمه أو أخته أو زوجته أو ابنته؟! وكيف سيعرف أن الأولاد الذين يظنهم أولاده منه أو من غيره؟! وكيف هو سيعرف نفسه أنه ابن هذا الرجل الذي هو بحسب الظاهر أبوه وليس من مني البقال الذي تحت بيتهم أو الجزار الذي على قارعة الطريق أو بائع الخضار الذي في رأس الشارع أو الناطور الذي في مبنى أمه.

وهذا فيه تشجيع لبعض النساء على الزنى، وجر لهن للعمل بالدعارة ثم إذا كلمت تقول أنا مطلقة أو أرملة وقد ءاجرت رحمي ولم أمارس الزنى، وبهذا يكون قد شجعها أولئك المتجرؤون على دين الله، على ارتكاب الفواحش والموبقات بسبب هذه الفتوى الجائرة. ألا فليقف العقلاء عند حد الشرع فإنه باتباع الشرع السلامة، ثم إن هؤلاء ينطبق عليهم حديث رسول الله ﷺ: «من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض» رواه الحافظ ابن عساكر. فبفتواهم هذه كأنهم بزعمهم يستدركون على الله وعلى رسوله وعلى دينه. والسلامة كل السلامة في أن يعرف الإنسان قدره فيعمل بما فرض الله عليه ويجتنب ما حرم الله وأن لا يتجاوز قدره فيهلك ويزيغ وينحرف عن الحق والصواب. قال عليه الصلاة والسلام: «هلك الـمتنطعون هلك الـمتنطعون هلك الـمتنطعون». رواه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده وأبو داود عن ابن مسعود، قال القاضي عياض والإمام النووي في شرحيهما لهذا الحديث: «قوله ﷺ: «هلك الـمتنطعون»، أي: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم».

وما يسمى بتأجير الأرحام لوضع النطف فيها لم يشرعه الله ولا توجد امرأة فاضلة خيرة مؤمنة تقية تضع في رحمها نطفة أجنبي وإنما تفعل ذلك إما فاسقة جاهلة أو فاجرة كافرة استحلت ما حرم الله.

ومسألة وضع النطف خاصة مني الرجل في أرحام بعض النساء، ليست مسألة حديثة كما يظنها البعض، وإنما هي مسألة قديمة فعلتها بعض القابلات – الدايات – الفاجرات من قبل أن تظهر في شكلها الأكاديمي الحديث بعشرات السنين. فكانت القابلة تستمني رجلا ما في قطعة من الصوف دافئة ثم تنكفئ بها في أقل وقت ممكن إلى فرج امرأة أجنبية عن صاحب المني، فربما كان منه الولد. ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

إذا الشرع حث على وضع النطف في الأرحام كما أمر الله I بالطريق المشروع وذلك لطلب الولد. فاتصال رجل بامرأة في الإسلام أو إيصال النطف إلى الأرحام بوسيلة أو بأخرى هو دين مشروع موقوف على الكتاب أو السنة أو الإجماع، وليس أمرا من أمور الدنيا المباحة. فلا يحل رحم امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، ولا ينعقد النكاح إلا بقول أو فعل يدل على مقصود عقد النكاح تمييزا له عن السفاح كما قال تعالى: {محصنين غير مسافحين} [سورة النساء: 24]، فإذا سألنا أحد المشايخ المتنطعين هل يجوز أو هل يصح أن تضع أنت نطفتك سواء ملقحة بما يسمى بويضة أو غير ملقحة في رحم أمك؟ فإن قال: نعم، فإنه يكون بذلك خسيسا خبيثا لا يغار على عرضه ومحارمه، وإن قال: لا، قلنا له: لم؟ فإن قال: هي من المحرمات بالكتاب والسنة والإجماع، قلنا: وكذلك حليلة غيرك هي أيضا من المحرمات بنفس الكتاب وبنفس السنة وبنفس الإجماع، وفي نفس المواضع التي فيها حرمت عليك أمك وابنتك وأختك وعمتك وخالتك إلى غير ذلك من المحرمات. فكل رجل بينه وبين صاحبة رحم مانع من موان النكاح حرم الانتفاع برحمها، وموانع النكاح كثيرة لكنها والحمد لله محصورة ومعروفة ولا إبهام فيها فقد حبى الله هذه الأمة بتفصيل هذه المسالة في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ. ثم إذا استحلت الأرحام بغير ما شرع الله اختلطت الأنساب والأصهار. قال الفراء كما في «فتح الباري»: «النسب لا يحل نكاحه والصهر من يحل نكاحه». قال الله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا} [سورة الفرقان: 54]، فإذا عمل بهذه الفتوى الباطلة وهي استباحة الأرحام بغير الطريق الشرعي فلا يعرف النسب من الصهر وتتقطع الأرحام وتضيع الحقوق، ومن عرف أخاه أو قريبه من رحم محرمة مؤجرة استحى منه وابتعد حتى عن سماع سيرته وأخباره، ولا شيء أكبر في تقطيع الأرحام واختلاط الأنساب بالأصهار من هذا الفعل المحرم – الذي يشبه الزنى من بعض النواحي – الذي يسمونه تأجير الأرحام. وقد رفع الله من شأن وقيمة الأرحام – أي: القرابة – في مواضع كثيرة. فقال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا اللـه الذي تساءلون به والأرحام إن اللـه كان عليكم رقيبا} [سورة النساء: 1].