جواز ضرب الرجل زوجته بالقيود الشرعية
كان رسول الله ﷺ أحسن الناس أخلاقا فعن عائشة 1 قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله »، رواه مسلم([1]).
وفي الحديث: «يعمد أحدكم يجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من ءاخر يومه»([2])، فاللطف أولى إذا نفع.
عن سليمان بن عمر بن الأحوص قال: حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في الـمضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يطئن فراشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن». رواه الترمذي([3])، وقال حديث حسن صحيح.
لقد حددت هذه الوصية النبوية الجامعة الأساليب التربوية الناجحة لمعالجة نشوز المرأة وتمردها على أوامر زوجها، بصفته القيم على أمرها والمسؤول عن إصلاح شأنها، وذلك بغية دوام العشرة الطبية، والعيش بأجواء السكينة والمودة، ومنع تفاقم المنازعات؛ وذلك من خلال دعوة الزوج عند نشوز زوجته لاتباع الخطوة التربوية الأولى في تقديم الموعظة الحسنة لها وتذكيرها بواجباتها الإيمانية، ودعوتها لطاعة الزوج بالمعروف في غير معصية حرصا على كيانها، فلعلها تبدي عذرا لنشوزها كألم شديد تشعر به، فإن هي بقيت على نشوزها وعصيانها لجأ الزوج بعدها إلى هجرها في المضجع داخل البيت، لعلها تشعر بخطئها وتراجع نفسها، فإن تعنتت في موقفها، فلعل التأديب بالضرب الخفيف والتهديد به يعيد إليها صوابها وتشعر بضعف محبته لها وقرب فراقه منها، فإن أطاعت زوجها وصالحته فعلى الزوج أن يتوقف عن معاقبتها وهجرها. وهذه المسألة لها ضوابط وهي المرتبة الأولى موعظة إن ظهرت أمارات النشوز ولم يتحقق نشوزها، فإن تحقق النشوز يهجرها في المضجع هذه المرتبة الثانية، أما إذا تكرر منها النشوز وهذه المرتبة الثالثة وكان الضرب يفيد بظنه انزجارا عن النشوز جاز له أن يضربها ضربا غير مبرح ولا يجب عليه ضربها إلا إن تعين طريق لإزالة المنكر ولا يؤدي إلى مفسدة أكثر، أما إن كان الضرب لا يفيد بظنه فلا يضرب.
كما شرع المولى العلي الحكيم أساليب أخرى يلجأ إليها عند زيادة الشقاق والنزاع، وهو ما أرشد إليه تبارك وتعالى بقوله: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن اللـه كان عليا كبيرا (٣٤) وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق اللـه بينهما إن اللـه كان عليما خبيرا} [سورة النساء: 34، 35].
وعندما تفشل تلك المحاولات والأساليب المتخذة وتغلق أبواب المصالحة والوفاق حتى بعد الاستعانة بالحكمين، فمن الممكن حسم الخلاف بالطلاق الذي سيتيح للزوج مراجعتها ومصالحتها قبل انتهاء فترة العدة، أو بإجراء عقد جديد ودفع مهر جديد بعد انتهاء العدة، وتعتبر بحقه طلقة واحدة، وعند تكرار الخلاف وعودة نشوبه يتاح للزوج مجالا للطلقة الثانية، حيث يحق بعدها مراجعتها أثناء العدة أو تجديد عقدها بعد انتهائها.
وهذه التدابير والأحكام فرض تربوية ومعالجات عملية للإصلاح والوفاق، فإن لجأ الزوج إلى طلقة ثالثة فلا تحل له بعدها حتى تنكح زوجا غيره لتكرر الخلاف بينهما وصعوبة الوفاق، حيث يتحرر كل منهما من الارتباط بالآخر كما قال تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما} [سورة النساء: 130]، فيا لها من أحكام حكيمة توصل إلى بر أمان في كل نزاع.
وفي «صحيح مسلم»([4]) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها». فانظر سماحة هذا الدين الذي أمر الزوج بحفظ سر الزوجة في كل الأحوال حتى عند النزاع والشقاق.
وعن محمد بن عيسى قال: أراد شعيب بن حرب أن يتزوج امرأة فقال لها: إني سيئ الخلق. فقالت: أسوأ منك خلقا من أحوجك أن تتكون سيئ الخلق، فقال: إذا أنت امرأتي.
ولا ينكر منصف أن علاج الداء جين يستفحل وتعج عنه علاجات بالعقاقير قد يتعين بالكي، أو حتى البتر، ولا يكون في ذلك إجحافا في حق المريض؛ بل مساعدة له عبر إنقاذه مما يؤذيه ويسقمه ويتلف أعضاءه، وكذا في علاج نشوز المرأة، قال الله في سورة النساء: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} [سورة النساء: 34]، فبين الله تعالى أن الناشزة أولا توعظ وتنصح وتذكر بطاعة الله والقيام بواجباتها، فإن لم تتراجع عن نشوها يهجرها الزوج في الفراش، علها تؤاخذ نفسها، وتستشعر بقيمة ما تخسر من رضا الزوج وإحسانه إليها فيظهر لها إعراضا إن أصرت على النشوز بعد الوعظ، فإن لم ينفع هذا في ردها إلى جادة الصواب جاز لزوجها ضربها ضرب تأديب وزجر لها عن معصية الله، ضربا ليس فيه كسر عظم ولا إسالة دم ولا خدش لحم مع اجتناب ضرب وجه، وليس هذا ظلما لها، ولا تعديا على حقوقها، ولا مساواة لها بالبهائم – التي لا تفهم إلا بالضرب – كما يحلو لأدعياء التحرر أن يقولوا تجييشا لكرامة المرأة وللعب على أوتارها الحساسة لتعترض وتنتقض، والحقيقة بعيدة عن كلامهم، إنه سبيل متكامل في الإصلاح بوعظ ولطف نصح، يعقبه هجر في المخدع إلا إذا أنابت، فإن قابلت المرأة كل هذه الأساليب بالصد والإصرار على معصية الله تعالى، كان الضرب زاجرا لها، مذكرا لها بعذاب الله تعالى الذي لا طاقة لها عليه في الآخرة، وأن الأحكم لها أن تتوب وتنصاع وتؤاخذ نفسها في الدنيا قبل فوات الأوان، وهو رب مقيد بشروط حكيمة.
ثم إن الضرب وسيلة يطبقها القاضي أحيانا على الزوج لزجره عن فعل أشياء محرمة نصح بتركها فأصر عليها، وقد تفعله الأم مع ولدها مع غلاوته على قلبها لشدة حرصها عليه، لا لهوانه عندها.
[1])) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الفضائل، باب: مباعدته ﷺ للآثام واختياره من المباح أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته، (7/80)، رقم الحديث: 6195.
[2])) صحيح البخاري، البخاري، كتاب التفسير، باب: تفسير سورة {والشمس وضحاها} [سورة الشمس: 1]، (4/1888)، رقم الحديث: 4658.
[3])) سنن الترمذي، الترمذي، كتاب الرضاع، باب: ما جاء في حق المرأة على زوجها، (3/467)، رقم الحديث: 1163.
[4])) صحيح مسلم، مسلم، كتاب النكاح، باب: تحريم إفشاء سر المرأة، (4/157)، رقم الحديث: 3615.