كيف يكون صوت المرأة عورة وقد تكلم رسول الله ﷺ مع النساء؟؟!! كيف يكون عورة وقد اجتمع بهن مرات عدة بحضور بعض الصحابة!! وقد ثبت في الحديث أنه رخص لجارية في الغناء عند إهداء العروس إلى زوجها، فقد روى البخاري في الصحيح عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله ﷺ: «يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو([1])»([2])، وفي رواية الطبراني([3]) عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «ما فعلت فلانة ليتيمة كانت عندها»، فقلت – أي: قالت عائشة -: أهديناها إلى زوجها، قال ﷺ: «فهل بعثتم معها بجارية تضرب بالدف وتغني؟»، قالت عائشة: تقول ماذا؟ قال: «تقول:
أتيناكم أتيناكم
| فحيونـا نحييكم
|
وروى البخاري أيضا عن عائشة 1 قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث([4])، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ، فقال: «دعهما»، فلما غفل غمزتها فخرجتا.
قال ابن حجر في «الفتح»([5]) في شرحه لهذا الحديث: «لكن عدم إنكاره ﷺ دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره»، وقال أيضا([6]): «واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ولو لم تكن مملوكة لأنه ﷺ لم ينكر على أبي بكر سماعه بل أنكر إنكاره».
وفي «سنن ابن ماجه»([7]) أن النبي ﷺ مر ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:
نحن جوار من بني النجار | يا حبذا محمد من جار |
فقال النبي ﷺ: «الله يعلم إني لأحبكن»، وقال الحافظ البوصيري: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات».
فإن قيل: أليس في قوله تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} [سورة الأحزاب: 32] تحريم الاستماع إلى صوت المرأة؟
قلنا: الأمر ليس كذلك، فقد قال القرطبي([8]) في تفسيره: «أمرهن الله تعالى – يعني: نساء النبي ﷺ – أن يكون قولهن جزلا وكلامهن فصلا، ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين، كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه مثل كلام المريبات والمومسات، فنهان عن مثل هذا».
وقد صح عن عائشة 1 أنها كانت تدرس الرجال من وراء ستار؛ لأنه يجب على أمهات المؤمنين ستر وجوهن وهذا حكم خاص بهن، أي: وجوب ستر الوجه، وقد ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه «التلخيص الحبير»([9]) ما نصه: «فإنه ثابت في الصحيح أنهم كانوا يسالون عائشة عن الأحكام والأحاديث مشافهة».
ولا شك أن الأفضل أن يعلم النساء النساء في المكان الذي يوجد فيه من النساء من هن أهل للتعليم من حيث الكفاءة والثقة، ويبقى الجواز لتعليم النساء الرجال وتعليم الرجال النساء، فالحكمة ضالة المؤمن.
[1])) المراد باللهو في الحديث ما كان مباحا كضرب دف وغناء ليس فيه وصف للمفاتن وما يثير كوامن النفس.
[2])) صحيح البخاري، البخاري، كتاب النكاح، باب: النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها، (5/1980)، رقم الحديث: 4867.
[3])) المعجم الأوسط، الطبراني، من اسمه بكر، (3/315)، رقم الحديث: 3265.
[4])) أي: بغناء أهل بعاث. وبعاث وزان غراب هي موضع بالمدينة. المصباح المنير، الفيومي، (ص21).
[5])) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (12/234).
[6])) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (12/234).
[7])) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/112)، رقم الحديث: 1898.
[8])) الجامع لأحكام القرءان، القرطبي، تفسير سورة السجدة، (14/176).
[9])) التلخيص الحبير، ابن حجر العسقلاني، كتاب النكاح، فصل في التخفيف في النكاح، (3/297)، رقم الحديث: 1467.