اعلمي رحمك الله أن دين الله بين الغالي والـمـقصر فلا إفراد ولا تفريد؛ بل اعتدال وحكمة، فمن التفريط والتقصير إنكار فرضية الحجاب كما ذكرت، ومن الإفراط والغلو إيجاب ما لم يجب كوضع النقاب، أي: ستر الوجه على المرأة فهذا ليس واجبا على عموم المؤمنات، فعن عائشة 1قالت في قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [سورة النور: 31]: الوجه والكفان([1])، فعورة المسلمة البالغة أمام الأجانب جميع بدنها سوى الوجه والكفين. وعورة المرأة أمام المرأة كعورة الرجل أمام الرجل من السرة إلى الركبة.
فلتعلم المرأة أنها إذا ميزت البنت لم يجز لأمها ولا لأبيبها ولا لأختها ولا لبنتها أن ينظروا إلى عورتها. ولا يجوز النظر إلى العورة مطلقا، أي: بشهوة أو بلا شهوة.
وأما عورة المرأة أمام محارمها فما بين السرة والركبة، ولا عورة بين الرجل وزوجته فيجوز أن ينظر منها ما شاء ويكره النظر إلى الفرج ولا يحرم.
ولا بد في ستر العورة من ستر لون الشعر والبشر، ففي سنن أبي داود أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفيه([2])، وهذا الحديث مشهور.
وقال النووي في «روضة الطالبين»([3]) ما نصه: «وأما المرأة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين ظهرهما وبطنهما إلى الكوعين»، والكوع هو طرف الزند الذي يلي الإبهام.
وأما النقاب وهو ما تستر المرأة به وجهها فليس واجبا، وهو جائز من غير وجوب ويسن للمرأة، وقد كانت أمهات المؤمنين، أي: زوجات النبي ﷺ تسترن وجوههن أمام الأجانب وهذا وجوب خاص بهن فقد قال الله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن} [سورة الأحزاب: 32]، فأمهات المؤمنين لهن أحكام خاصة بهن.
ومما يستدل به العلماء على أن وجه المرأة ليس عورة ما رواه ابن حبان مرفوعا من حديث ابن عباس قال: كانت تصلي خلف رسول الله ﷺ امرأة حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم – أي: من المصلين – يتقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فكان إذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله في شأنها قوله تعالى: {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} [سورة الحجر: 24]، فالرسول ﷺ لم يقل لتلك المرأة الحسناء: ممنوع عليك الخروج من بيتك، ولا منعها عن حضور الصلاة، ولا أمرها بتغطية وجهها، ولو كان ذلك واجبا لأمرها رسول الله ﷺ بذلك، وهو الذي لا يسكت عن أمر بمعروف ولا نهي عن منكر.
ومن الأدلة على أن وجه المرأة ليس عورة حديث الخثعمية الذي أخرجه البخاري([4])، ومسلم([5]) وغيرهما عن ابن عباس قال: «جاءت امرأة خثعمية – من بني خثعم – غداة العيد، فسألت رسول الله ﷺ بقولها: يا رسول الله إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «حجي عنه»، قال ابن عباس: وكانت شابة وضيئة، فجعل الفضل – ابن عم الرسول ﷺ – ينظر إليها أعجبه حسنها فلوى رسول الله ﷺ عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله لـم لويت عنق ابن عمك؟ فقال ﷺ: «رأيت شابا وشابة فلم ءامن الشيطان عليهما»([6])، قال ابن عباس: وكان ذلك بعد ءاية الحجاب. وهذا الحديث فيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ستر الوجه كزوجات النبي ﷺ إذا لو كان يلزمهن ذلك لأمر النبي ﷺ الخثعمية بالستر ولما لوى عنق ابن عمه.
فلتحذر نساء أمة محمد ﷺ من ارتداء الألبسة المحرمة، والظهور بمظاهر التحلل من القيم والانحراف في السلوك، وقد حرص أعداء الإسلام في القديم والحديث على إبعاد المسلمين عن دينهم وقيمهم وفضائل ءادابهم، وإضعاف انتمائهم، ودعوتهم للميوعة والتخنث، وإغرائهم بالشعارات الخادعة في حملاتهم الإعلامية الفاجرة والدعوات الهدامة، وخاصة في عصرنا الحاضر بعد تسلط الاحتلال الأجنبي على كثير من بلاد المسلمين، حيث تعاونت قوى الشر والفساد لتحقيق أغراضهم الخبيثة، فحاولوا إلباسنا لباس التبعية وتعميمه على شعوب الأمة الإسلامية، ودعوا لنزع الحجاب عن رؤوس النساء؛ بل وإنكار وجوبه، وأغروهم بلباس الزينة واللباس الماجن، مما فتح الأبواب والمنافذ لانتشار الفساد والفواحش وكثرة الجرائم اليومية.
[1])) سنن البيهقي، البيهقي، كتاب الحيض، باب: عورة المرأة الحرة، (2/226)، رقم الحديث: 3033.
[2])) سنن أبي داود، أبو داود، كتاب اللباس، باب: فيما تبدى المرأة من زينتها، (4/106)، رقم الحديث: 4106.
[3])) روضة الطالبين، النووي، (1/412).
[4])) صحيح البخاري، البخاري، كتاب الحج، باب: وجوب الحج وفضله، (2/551)، رقم الحديث: 1442.
[5])) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت، (4/101)، رقم الحديث: 3315.
[6])) سنن الترمذي، الترمذي، كتاب الصوم، باب: ما جاء أن عرفة كلها موقف، (3/232)، رقم الحديث: 885.