السبت فبراير 28, 2026
  • وأتبع السيئة الحسنة تَمحُها

     

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا كيف ولا شكل ولا صورة  ولا هيئة ولا مكان له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمّة صلّى الله عليه وسلّم وعلى كلِّ رسول أرسله .

    أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي القدير القائل في محكم كتابه : { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } (سورة هود ءاية 114-115) .

    ويقول حبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه : “اتق الله حيثما كنت، واتبع السيِّئة الحسنة تمحُها وخالق الناس بخلقٍ حسن ” رواه الترمذي .

    يا ابن ءادم ما أكلته تفنيه

     

    با ابن ءادم ما لبسته تبليه

    يا ابن ءادم ما عملته تلاقيه

     

    يا ابن ءادم الرجوع إلى الله

    حتم مقضي يا ابن ءادم فراق الأحبة ، وعد مأتي يا ابن ءادم، الدنيا أوّلُها ضعف وفتور وءاخرها موت وقبور فاتق الله في السر والعلانية فالله لا تخفى عليه خافية ، اتق الله في مالك ، اتق الله في عملك ، اتق الله في زوجتك، في أولادك، في أهلك، في أرحامك ، اتق الله وأنت بين الناس ، وأنت في غيبتك عن أعين الناس . { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } (سورة الملك/ 12) .

    {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ} أي وهم في غيبتهم عن أعين الناس لهم مغفرة وأجر كبير، والله تعالى يحب الأتقياء الأخفياء الذين يخفون أعمالهم الصالحة الحميدة التي يعملونها قربة لله، فاتق الله أخي المؤمن حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها ،  فمن عظيم فضل الله تعالى علينا أن جعل الحسنات تضاعف للمؤمن ، فكل حسنة يعملها العبد مخلصًا لله تعالى في نيته لا يشرك فيها أحدًا غيرَ الله ، أي لا يطلب بهذه الحسنة محمدة الناس ولا أن ينظروا إليه بعين الإجلال والإكرام وكانت موافقة لما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلم تكتب بعشر أمثالها وقد تضاعف إلى أكثر من ذلك، ومن عظيم فضل الله تعالى أن جعل الحسنة الواحدة تذهب عددًا من السيئات ، ومن الحسنات ما ترفع عشر درجات لصاحبها وتمحو عشر سيئات لصاحبها، يقول الله تعالى : { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ }.

    ويقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: أيعجز أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنة يسبح الله تعالى مائة تسبيحة فيكتب له بهن ألف حسنة ويمحى عنه بهن ألف خطيئة” .

    هذا أقلّ ما يكون ، وتمحو الحسنة الواحدة أكثر من ذلك من السيئات، فكل عمل يعمله العبد المسلم لله مخلصًا في نيته فإنّ له بكلِّ حسنةٍ عشرَ أمثالها هذا أقلّ ما يكتب للعبد المسلم ثم يضاعف الله تعالى الحسنة الواحدة لمن يشاء إلى سبعمائة ضعف ويزيد من شاء على ذلك إلى أضعاف كثيرة ، قد تكتب الحسنة الواحدة بمائة ألف حسنة ، وقد تكتب بألف ألف على حسب حسن عمل الشخص وقوة يقينه وصدق نيته . من هنا قال عليه الصلاة والسلام : “سبق درهم مائة ألف درهم ، قيل كيف ذلك يارسول الله ؟ قال : رجل تصدق بمائة ألف من عرض ماله ورجل ليس له إلا درهمان تصدق بأحدهما” .

    فمعنى كلام المصطفى صلّى الله عليه وسلّم أنّ هذا الذي يملك درهمين فقط فتصدق بأحدهما لوجه الله تعالى دليل على صدق نيته وقوّة يقينه فبذلك زاد أجر هذا الدرهم الواحد على أجر مائة ألف درهم يتصدق بها الرجل الموسر الغني من عرض ماله أي يكون المائة ألف بالنسبة إلى كثرة ماله قليلا من كثير ، فهذا الذي تصدق بدرهم واحد زاد عليه بقوة اليقين لأنه لولا قوة اليقين لا يتصدّق بنصف ما يملكه ، لولا قوة يقينه بالله واليوم الآخر والثواب من الله تعالى وإقبال قلبه على الآخرة فلذلك زاد هذا الدرهم على المائة ألف درهم ، فقد تكتب الحسنة الواحدة بألف ألف على حسب حسن عمل الشخص وقوة يقينه وصدق نيته ، وثبت بالإسناد الصحيح أن من قال: “أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه يُغفر له وإن كان فرّ من الزحف” .

    والفرار من الزحف من أكبر الكبائر ، فإذا كان بهذه الكلمة من الاستغفار “أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه” يُمحى من الكبائر ما شاء الله تعالى ، فلا مانع من أن يمحى بالتسبيح ونحوه بعض الكبائر .

    فهنيئًا لمن ثبت على الإسلام وأحسن نيته أخلص نيته لله تعالى ووافق في عمله شرع الله الذي جاء به نبيه المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وأدّى ما أوجب الله عليه واجتنب ما حرّم الله ، فالله تعالى شكور وهو أكرم من أعطى فإنه يحشر الأتقياء وهم يركبون نوقًا لم ير الخلائق مثلها ، عليها رحائل الذهب ولا يصيبهم أدنى خوف ولا أدنى فزع ولا يصيبهم ظمأ ولا جوع ولا أدنى نكد ويدخلون الجنة ويجدون هناك ما أحصى الله لهم من النعيم الذي لم يطلع عليه ملكًا ولا رآه خلق من خلق الله .

    يارب إن عظمت ذنوبي كثرة

     

    فلقد علمت بأن عفوك أعظم

    إن كان لا يرجوك إلا محسن
     

     

    فبمن يلوذ ويستجير المجرم

    أدعوك ربي كما أمرت تضرعًا

     

    فإذا رددت يد فمن ذا يرحم

    مـالي إليك وسيلة إلا الرجا

     

    وجميل عفوك ثم إني مسلم

    فاغفر لنا يا ربّ العالمين

    هذا وأستغفر الله لي ولكم

     

     

     

    الخطبة الثانية:

    التحذير من الاعتراض على الله

     

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله وعلى ءاله وصحبه ومن والاه  .

    أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ العظيم القائل في محكم كتابه: {يا أيها الناس اتقوا ربّكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم . يوم ترونها تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت وتضع كلّ ذات حملٍ حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد} .

    اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك بجاه محمّد يا أرحم الراحمين .

    أخي المؤمن ، اعمل لآخرتك حتى تكون مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في الجنة وعلى من أصيب يومًا بمصيبة أن يذكر موت النبي صلّى الله عليه وسلّم وأن يذكر صبر النبي على المصائب والشدائد .

    وتذكّر أخي المؤمن أن هذه الدنيا دار بلاء وعمل واستعداد لِما بعد الموت، فإذا ابتليت ببلاء ، فإذا ابتليت بمصيبة قل إنّا لله وإنّا إليه راجعون وإيّاك والاعتراض على الله فإنّ من اعترض على الله خرج عن دين الله ، فيا عجبًا كيف أنّ بعض الناس إذا مات لهم ولد أو حبيب أو قريب أو ذهب مالهم يعترضون على الله وكأن هذا الولد يرجع أو هذا الحبيب يرجع إذا هم اعترضوا على الله والعياذ بالله .

    أما إذا إنسان مسلم ابتلي فصبر فقال الحمد لله على كل حال لله ما أعطى ولله ما أخذ ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، لا حول ولا قوّة إلا بالله ، اللهمّ لا تجعل مصيبتي في ديني له أجر عظيم عند الله .

    اللهمّ لا تجعل مصيبتنا في ديننا وتوفّنا وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين .

    واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا} اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ  على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: {يا أيها الناس اتقـوا ربكـم إنّ زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد}، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فبجاه محمّد استجبْ لنا دعاءَنا ، اللهم بجاه محمّد اغفرِ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون . اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.