” الصـدقــة “
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند ولا كيفية ولا شكل ولا صورة ولا أعضاء ولا جسم ولا جثة ولا مكان له، تنـزه الله عن صفات خلقه فهو القائل سبحانه وتعالى: {ليس كمثله شىء وهو السمبع البصير}. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمّة فجزاه الله عنا خير ماجزى نبيًا من انبيائه. اللهمّ صلِّ على محمّد صلاة تقضي بها حاجاتنا، اللهمّ صلِّ على محمّد صلاة تفرّج بها كرباتنا، اللهمّ صلِّ على محمّد صلاة تكفينا بها شر أعدائنا وسلّم عليه وعلى ءاله سلامًا كثيرًا.
أما بعد عباد الله، فإني أحبكم في الله ، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي القدير القائل في محكم كتابه : {الم . ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} البقرة/ 1-2-3 .
ويقول ربّ العزة في محكم التنـزيل : {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } الحشر/9 .
جاء ضيف إلى رسول الله ، جاء ضيف إلى حبيب الله ، إلى أفضل خلق الله فبعث إلى نسائه فقلن: “ما معنا إلا الماء” ، نساء النبي قلن: “ما معنا إلا الماء”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من يضم أو يضيّف هذا “؟ فقال رجل من الأنصار “أنا” فانطلق به إلى امرأته قال: “أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم” فقالت: “ما عندنا إلا قوت صبياني” فقال: “هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء” فهيأت طعامها وأصحبت سراجها ونوّمت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يُريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين ، أي لم يأكلا شيئًا ، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله ، قال لهذا الصحابي الذي ءاثر ضيف رسول الله على نفسه: “لقد رضي الله من فعالِكما “ (رويناها هنا بالمعنى) فأنزل الله قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } الحشر/9 .
ويؤثرون على أنفسهم بأقوالهم ، ويؤثرون على أنفسهم بمنازلهم ولو كان بهم خصاصة ، ولو كان بهم فقر وحاجة . الله تعالى بيّن في هذه الآية أن إيثارهم لم يكن عن غنى بل كانوا فقراء ، كانوا محتاجين ، من شدة فقرها واحتياجها قالت لزوجها ما عندنا إلا قوت صبياني ، ليس عندهما إلا طعام صبيانها ومع ذلك هيأت هذا الطعام وأطفات السراج فجعلا يريانه أنهما يأكلان وباتا طاويين .
فيا أيها المسلم الذي أنعم الله عليك ، تفضل الله عليك، المال مال الله ، أنت وما تملك ملك لله ، فبالصدقة قد تمسح دمعة فقير أو تبلسم جراح يتيم أو تعين أبًا في أحماله أو تخفّف بإذن الله تعالى أوجاع مريض ذرفت عيناه من أوجاعه ولا مال عنده ولا دواء .
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ولو كان بهم فقر وحاجة، فكم هو عظيم أن تتحرك نفوس المسلمين الأغنياء لنجدة الفقراء، فقد قال عليه الصلاة والسلام: “المؤمن في ظل صدقته يوم القيامة” .
معناه تحفظه من الأهوال يوم القيامة .
وروى الترمذي بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن العبد إذا تصدق بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فتقع في كف الرحمن (أي تقع موقع القبول) فيربيها له كما يربي أحدكم فَلُوّه حتى تصبح كالجبل العظيم” .
معناه إذا تصدق العبد بصدقة من حلال ولا يقبل الله إلا الحلال .
“تقع في كف الرحمن” أي تقع موضع القبول ، فالله منـزه عن الجوارح والأعضاء .
وأما قوله: فيربيها له كما يربي أحدكم فَلُوّهُ حتى تصبح كالجبل العظيم” أي أن الله تعالى يضاعف حسنات هذه الصدقة حتى تكون كالجبل العظيم، أي كأنه تصدق بقدر جبل من الصدقة .
أما المال المشبوه فليس فيه هذا الفضل العظيم ، وأما الفَلُوّ فهو ولد الفرس. قال تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .
معناه أن لا يأخذ شيئًا مما نهاه الله عنه ولا يمنع شيئًا أمره الله بأدائه، فإياك أن تأخذ من مال الزكاة وأنت لست من أهلها وإياك أن تمنع حق الله في مالِك أي مال الزكاة أي الصدقة الواجبة ونحوها.
أما صدقة التطوع من مال طيب حلال أجرها عظيم عند الله . فأنفق أخي المسلم في شهر الإحسان شهر الخيرات رمضان وتوكل على الحي الذي لا يموت وفوّض أمرك إلى الله .
وتذكّر أن الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار وأن الصدقة سبب لدفع البلاء عنك ولقضاء الحاجات، فكم من أناس سعدوا بقضاء حوائجهم بسبب صدقة تصدقوا بها لوجه الله .
وتذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا بلال رضي الله عنه: “أنفق بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً” .
اللهم اجعلنا من المتصدقين يا أرحم الراحمين .
هذا وأستغفر الله لي ولكم
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الْوَعْدِ الأَمِينِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَءَالِ الْبَيْتِ الطَّاهِرِينَ وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَنِ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَعَنِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَاتَّقُوهُ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيْمِ فَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ. عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِي، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يُثِبْكُمْ وَاشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا، وَأَقِمِ الصَّلاةَ.