الإثنين فبراير 23, 2026
  • الشتاء بستان الطاعة وميدان العبادة الشتاء ربيع المؤمن

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تبصرة لأولي القلوب والأبصار، أحمده سبحانه “رب المشرقين ورب المغربين”، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مثيل له، ولا ضد ولا ند له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وحبيبه صلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم القائل في كتابه الكريم: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم } (سورة فصلت/30-31-32) .

إخوة الإيمان: الكيس من خاف ربه ودان نفسه وعمل لما بعد الموت، الذي لازم الشرع بأمر الظاهر والباطن، وحفظ قلبه من نسيان ذكر الله وبادر دائما بالسرعة للعمل الصالح من غير كسل ولا ملل.

وسيكون كلامنا في هذه الخطبة عن العبادة في الشتاء، والكلام عن الأمر يطول، فإذا اقبل الشتاء فخرجنا بغنيمة العابدين وربيع المؤمنين، كنا من الفائزين بإذن الله. وقد روى الترمذي في سننه عن عامر بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء .

وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: “ألا أدلكم على الغنيمة الباردة، قالوا: بلى، فيقول: الصيام في الشتاء”.

ومعنى الغنيمة الباردة: أي السهلة، ولأن حرارة العطش لا تنال الصائم فيه.

وقال ابن رجب الحنبلي: “قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف”.

وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “الشتاء غنيمة العابدين” رواه ابو نعيم بإسناد صحيح.

وأخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الشتاء ربيع المؤمن ، وأخرجه البيهقي ، وزاد فيه: طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه .

فكيف يستغل المسلم ليل ونهار الشتاء؟

وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح فيه في ميادين العبادات، وينزه قلبه في بساتين الطاعات الميسرة فيه، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة شديدة، ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد، فلا يحس فيه بمشقة كبيرة للصيام. وقد أكد الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك، وكانوا يعتنون بالشتاء ويرحبون بقدومه ويفرحون بذلك ويحثون الناس على اغتنامه.

فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مرحبا بالشتاء، تنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام .

ولله در الحسن البصري من قائل: “نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه”.

وكان أحد الصالحين إذا جاء الشتاء يقول: “يا أهل القرءان، طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا”.

فإذا لم نصم صيام داود، أفلا نصوم الاثنين والخميس ؟ وإذا لم نصم الاثنين والخميس، أفلا نصوم أيام البيض ؟ وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر قمري!.

أحبابنا الكرام: فرصة ذهبية للمشتغل الذي يبتغي الأجر من الله رب العالمين وغنيمة باردة له، ولمن عليه قضاء، أو من عليه كفارات فليغتنموا جميعا هذه الغنيمة الباردة.

وأما قيام ليل الشتاء فلطوله، ففيه قد تأخذ النفس حظها من النوم، ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلي ورده، وقد أخذت نفسه حظها المحتاجة إليه من النوم، مع إدراك ورده، فيكمل له مصلحة دينه وراحة بدنه. وقد جاء عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: “نعم ندمان المؤمن الشتاء، ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه”.

إن الشتاء أمره عجيب لمن تذوق فيه طعم العبادة، وقد ذكر الله تعالى من أوصاف أهل الجنة انهم {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} (الذاريات/17) .

الهجوع : النوم ليلا .

وقد ورد أن معاذ بن جبل رضي الله عنه بكى عند مشهد الاحتضار، فقيل له: أتجزع من الموت وتبكي ؟! فقال: ” مالي لا أبكي، ومن أحق بذلك مني ؟ والله ما أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على دنياكم، ولكني أبكي على ظمإ الهواجر وقيام ليل الشتاء ” .

وليس هذا بغريب، فإن للعبادة لذة، من فقدها فهو محروم. قال عبد الله ابن وهب: “كل ملذوذ إنما له لذة واحدة، إلا العبادة فإن لها ثلاث لذات: إذا كنت فيها، واذا تذكرتها، وإذا أعطيت ثوابها”.

وكان ابو هريرة رضي الله عنه يقسم ليله ثلاثة أقسام بين القيام والنوم وطلب العلم، وكان يقول: “جزأت الليل ثلاثة أجزاء: ثلثا أصلي، وثلثا أنام، وثلثا اذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم” .

وقد احسن من قال:

إذا كنت تأذى بحر المصيف
ويلهيك حسن زمان الربيع

 

 

ويبس الخريف وبرد الشتا
فأخذك للعلم قل لي متى

 

وإنما الأيام مراحل يقطعها المسلم مرحلة مرحلة، وأفضل الناس من أخذ من كل مرحلة زادا للآخرة.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الهمة على الطاعة، ويرزقنا الاخلاص والقبول، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى إنه سميع مجيب.

هذا وأستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى إخوانه النبيين والمرسلين. ورضي الله عن أمهات المؤمنين وءال البيت الطاهرين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الأئمة المهتدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعن الأولياء والصالحين أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم فاتقوه.

واعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم، أمركم بالصلاة والسلام على نبيه الكريم فقال ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد، يقول الله تعالى ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾، اللهم إنا دعوناك فاستجب لنا دعاءنا فاغفر اللهم لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين اللهم استر عوراتنا وءامن روعاتنا واكفنا ما أهمنا وقنا شر ما نتخوف. عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم يثبكم واشكروه يزدكم، واستغفروه يغفر لكم واتقوه يجعل لكم من أمركم مخرجا، وأقم الصلاة.