الإثنين فبراير 23, 2026
  • السلوك والتسليك

     

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحقّ المبين ، وأشهد أنّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين وحبيب ربِّ العالمين وإمام الأتقياء والمجاهدين وقائد الغرّ المحجّلين من أرسله الله رحمة للعالمين صلّى الله عليه وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين .

    أما بعد عباد الله ، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ العظيم . يقول الله تعالى في القرءان الكريم : {إنَّ سَعْيَكُم لشتَّى . فأمّا من أعطى واتقى . وصدّق بالحسنى . فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى} سورة الليل الآية: 4-5-6-7 .

    فأمّا من أعطى حقّ الله ، فأمّا من اتقى الله ، فأمّا من سلك مسلك رسول الله ، فأمّا من سلك مسلك أولياء الله أحباب الله . قال ربّ العزّة: {فسنيسّره لليسرى} ربِّ يسِّر لنا اليسرى يا أرحم الراحمين وأعنّا أن نسلك مسلك الصالحين يا الله .

    فمن يُسِّر لليسرى أي أرشده الله لأسباب الخير والصلاح وهيّأه للجنّة فهذا الذي سلك دربَها ففاز وربح ، وأيُّ ربحٍ وأيُّ فوزٍ ، فإنّ الجنّة عرضها عرض السماوات والأرض فيها ما تشتهي الأنفس وأدنى أهل الجنّة منـزلة له عشرة أمثال الدنيا. وليعلم أنّ نبيّنا عليه الصلاة والسلام أخبر أن طريق الجنّة حُفّت بالمكاره وطريق النار حُفّت بالملذّات .

    وكلامنا اليوم عن الطريق الذي علينا أن نسلكه للوصول إلى تقوى الله ، للوصول إلى مرضاة الله ، وكلّ واحد منّا فليحدِّث نفسه كيف أسْلُكُ طريق النجاة ؟ وأساعدُ أهلي وإخواني وأحبابي ومَن حولي ، كيف أساعدهم حتى يسلكوا الطريق المحبوب ؟ فقد ءان الأوان لأن تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى متقدّمة في أداء الطاعات واجتناب المحرّمات والازدياد من النوافل ، وقد قال حبيبنا المصطفىصلوات ربِّي وسلامه عليه: “الناس غاديان فغاد في فكاك نفسه فمعتقها وغاد فموبقها” . فساعٍ في فكاك نفسه وساعٍ في عطبها في هلاكها.

    ألا تريد الوصول إلى برِّ الأمان ، إلى شاطىء الأمان ؟ بلى والله ، ألا تريد النجاة في الآخرة ؟ بلى والله ، وهذا يكون بسلوك الطريق الصحيح المؤدِّي إلى الهدى ، والطريق الصحيح العلم والعمل ، العلم والعمل .

    {فأمّا من أعطى واتقى} . فالتقوى مدارها على أمرين عظيمين ، أداء الواجبات واجتناب المحرّمات . فيا أخي المؤمن أدِّ ما أوجب الله عليك، أدِّ حقّ الله عليك من صلاة وصيام وصلة الأرحام وحقِّ أهلك عليك وغير ذلك مِمّا أوجب الله عليك، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واجتنب ما حرّم الله ، فحبّ الدنيا رأس كل خطيئة، واعلم أنك في الدنيا ضيف وما في يدك عارية وأنّ الضيف مرتحل والعارية مردودة وأفسد الموت على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيمًا لا موت فيه.

    وليعلم أنّ للسلوك والتسليك أمورًا تساعدك، صاحب الأخيار، تَتبّع ءاثار الصالحين وأحوالهم وأقوالهم وانشغل بعيوبك عن عيوب الناس فكما لك عينٌ فلغيرك عيون، فنظرك فيك يكفيك وابتعد عن الأشياء التي قد تجرّك للوقوع في المعصية وانظر حولك جيِّدًا، انظر في بيتك، انظر في عملك، في جامعتك، في مدرستك وبادر إلى الأمور التي تعينك على الاستقامة والزم أذكارًا واظب عليها رسول الله محمّد صلّى الله عليه وسلّم وقم بالنوافل وأكثر منها ليلاً ونهارًا، يقول الصادق المصدوق صلّى الله عليه وسلّم: “من كانت الآخرة هَمَّه جمع الله شملَه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا راغمة ومن كانت الدنيا هَمَّهُ شتّتَ الله شملَه وجعل فقره بين عينيه ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّر له والسعيد من اختار باقيةً يدوم نعيمُها على بالية لا ينفذ عذابُها” .

    فاعمل بهذا الطريق لنفسك وأهلك تفُز وتربح بإذن الله ربِّ العالمين ، وتعلّم علم الدين الذي من سلك دربَه يجد الفلاح واحفظ قلبك وجوارحك من سلوك ودرب الخاسرين واسمع معي جيِّدًا قول الله تعالى في محكم التنْزيل : {وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون . كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} .

    فوالله ثُمّ والله من سلك طريق الخسران فهو الخاسر ولن يضرّ الله شيئًا من استهزأ بأنبياء الله بأيِّ نبيٍّ من أنبياء الله ، من استخفّ بشرع الله ، من اعتقد بالله ما لا يليق بالله كالجهل والعجز واللون والجسم والصورة والمكان هو الخاسر والله ، ومن سلك طريق العلم والعمل وكسر النفس والابتعاد عن الشهوات المحرّمات وألْزَمَ نفسه سلوك درب الأولياء الصالحين هو الرابح والله ، فلمّا مات ابن عباس رضي الله عنه تُلِيتِ الآية: {يا أيّتها النفس المطمئنّة . ارجعي إلى ربِّك راضية مرضيّة . فادخلي في عبادي . وادخلي جَنّتي} .

    تُلِيت هذه الآية عند قبره ولا يُدرى من تلاها .

    اللهمّ وفِّقنا لسلوك درب الصالحين يا أرحم الراحمين .

    هذا وأستغفر الله لي ولكم .

     

    الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

    إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الْوَعْدِ الأَمِينِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَءَالِ الْبَيْتِ الطَّاهِرِينَ وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَنِ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَعَنِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَاتَّقُوهُ.

    وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيْمِ فَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ. عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِي، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يُثِبْكُمْ وَاشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا، وَأَقِمِ الصَّلاةَ.