الزهد وبذل المال للآخرة
إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات اعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله من بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا بلغ الرسالة وادى الامانة ونصح الامة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا من انبيائه صلوات الله وسلامه عليه وعلى كل رسول ارسله.
أما بعد فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم، يقول الله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين . من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات الا ما كانوا يعملون} (سورة القصص 83-84) .
اخوة الإيمان ، هذه الدنيا ممر والآخرة هي دار المقر، فهنيئا لمن عمل للآخرة ولم يتعلق بالدنيا، ترك التنعم او خفف، فترك التنعم عباد الله خير عند الله لأن التنعم اذا التزمه الشخص يصير لا يواسي غيره من المحتاجين لأنه يسعى بالمحافظة بما هو عليه من التنعم، لذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لَما وجه معاذ بن جبل الى جهة ليدعو الى الدين قال له: “إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين” .
نعم ، عباد الله ، أنبياء الله وأولياؤه ما كانوا يتنعمون ، هذا سيدنا سليمان كان يأكل خبز الشعير ، وسيدنا عيسى عليه السلام كان يأكل من بقول الأرض ، ما كان يأكل الطبيخ . فاقتد اخي المؤمن واترك التنعم واقتد بأصحاب رسول الله فإنهم لو كانوا متنعمين ما استطاعوا ان يفتحوا البلاد التي فتحوها من المغرب الى الصين . نعم فالرسول في حياته فتح الجزيرة العربية فكانت تحت سلطته، وهذا خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في بادىء امره عاش في تنعم ، كان في رفاهية ، ثم لَما استلم الخلافة ترك التنعم وصار من الزاهدين الصالحين . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب بالأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عارف بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة” .
الجعظري الجواظ هو الغليظ الجاف المتكبر . ويقال عن الجعظري هو الجموع المنوع، معناه همه في الليل النوم وفي النهار الأكل كالحمار، عارف بأمر الدنيا يتقنها اما امور الآخرة تراه جاهلا بها. هؤلاء الله يكرههم .
لذلك اخوة الإيمان ، علّق قلبك بالآخرة، تعلم علم الدين ، فأهم شىء اليوم هو علم الدين هذا العلم هو العلم النافع في الدنيا والآخرة ولا تتعلق بالدنيا وجمع الأموال وانظر لمن هو دونك من المسلمين من هم من اهل الفاقة والأرامل والأيتام وأحسن اليهم وراع احوال المحتاجين لا تقل أجمع المال لأولادي واترك لهم الملايين فوق حاجاتهم وانت تعلم ان بين المسلمين من هو بحاجة ، فهذا امر لا يجبه الله ، ثم كثير من الاولاد يطلعون فاسقين . نعم قليل النوم اذا فرغ من عمله يستغفر لوالديه ويترحم عليهم ، اكثرهم اليوم يشتغلون بالتلفزيون بدلا من ان يشتغلوا بما ينفعهم لآخرتهم ، فتذكر اهل الضرورات . قال تعالى : {والذين في اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ان عذاب ربهم غير مأمون} (سورة المعارج 25-26-27-28) .
فليس الفرض اخوة الايمان الزكاة فقط ، فالآن هناك ضرورات كثيرة منها نشر الدعوة الحقة والتحذير من الكفر، ومن الضرورة تزويج هؤلاء الذين بلغوا الثلاثين او خمسا وعشرين ولم يتمكنوا من الزواج وتأمين نفقات الزواج مع حاجتهم للزواج . في بلاد العجم كان هناك رجل يقال له طلحة بن عبيد الله كان حاكمًا عدلاً كريمًا في بلاد فارس زوج مائة رجل وكفاهم مؤنهم من ماله، من شدة ما أحبوه سموه طلحة الطلحات لأن قبله كان خمسة اسمهم طلحة كرماء ، طلحة بن عبيد الله كان كريما للغاية معروفًا بالكرم . طلحة الطلحات يعني مبرز بين الطلحات وفيه قال الشاعر:
رحم الله أعظُمًـا دفنوهـا بسجستان طلحة الطلحات
فكم تحتاج الأمة الى مئات الطلحات يؤثرون ما يبقى على ما يفنى ، يؤثرون الآخرة على الدنيا .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الْوَعْدِ الأَمِينِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَءَالِ الْبَيْتِ الطَّاهِرِينَ وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَنِ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَعَنِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَاتَّقُوهُ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيْمِ فَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ. عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِي، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يُثِبْكُمْ وَاشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا، وَأَقِمِ الصَّلاةَ.