الجـــار
ـــــــــــــــــــــــــ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا كيف ولا شكل ولا صورة ولا هيئة ولا مكان له ، وأشهد أنّ سيّدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمّدًا عبده ورسوله وصفيّه وحبيبه، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة صلى الله عليه وعلى كل رسول أرسله.
أما بعد عباد الله ، فإنّي أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ القدير القائل في محكم كتابه: { وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا } (سورة النساء/ ءاية 36) .
وعن ابي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله علي وسلم قال: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت “ . حديث متفق عليه.
يقول الله تعالى : { وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} أي الجار القريب لك بالنسب والجار الغريب الذي ليس بينك وبينه نسب .
فقد أمر تبارك وتعالى بحفظ الجار والقيام بحقه ، وكذلك حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أمر بعدم ايذاء الجار بقوله عليه الصلاة والسلام: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره” .
وها نحن اليوم نضرب لكم أمثلهً عن معاناة كثير من الناس وهذا من باب التعليم والتنبيه ولعل البعض يقول نتكلم بلسان حالنا وكأنك تعيش معنا. نعم إخو الإيمان ، وما سبب ذلك إلا الغفلة وشدة الغفلة والبعد عن مجالس علم الدين.
فتنبه أخي المسلم ونبه جيرانك بالحسنى إلى ترك ما يسبب الإزعاج للجيران كالضرب والخبيط على أرض المنْزل مما يزعج من في الأسفل أي ما يسمى “الدبيك في المنْزل” واللعب بالفوتبول داخل المنْزل ورفع صوت التلفزيون أو الاستيريو وكأنه لا يريد أن يسمع وحده بل يريد إسماع كل الحي . تنبه أخي المؤمن لذلك ، قد يكون من جيرانك من هو مريض أو عنده امتحانات أو نحو ذلك.
ولا تترك أكياس الزبالة مفتوحة فتطلع الرائحة على الجيران على الدرج أو في الكاراج، ومن باب الأولى لا ترم زبالتك في المصعد (الأصنصير) او على الدرج كما اترك جر الأثاث “العفش” في المنْزل ، ودق الثؤم (دق الثوم) في الليالي والنّزول على الدرج بخبيط أو إعلاء الصوت أثناء خروج الأولاد للمدرسة في الصباح الباكر .
اترك مثل هذه الأمور وما أكثرها والأمثلة عليها كثيرة مما يؤدي إلى قطيعة أحيانًا بين الجيران بل إلى عراك ومشاكل ومنها طبش الأبواب بقوة صباحًا ومساءً أو إدارة موتور المياه بعد منتصف الليل أو عند الصباح الباكر أو التزمير بالسيارة أو الصريخ للنداء لأحد لينْزل اليك أو تدور بدراجتك “الموتوسيكل” وصوته قوي في وقت متأخر من الليل .
فالجار له حق عليك بل حقوق ، فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه” .
فينبغي للمؤمن أن يحذر إذاء جاره ولا يزعج جيرانه وأن يوجه أولاده وأهله كيف يراعون الجيران . فبعض الأهل لا يربون أولادهم على حسن الحوار فترى بعض الأولاد يرنون الجرس ويهربون أو الإنترفون ولا يردون، بل البعض يرمي الحجارة على شبابيك الجيران أو يضربونها بالخردقة وما أشبه ذلك .
وأحيانًا بسبب هذه التصرفات ينتقل نزاع الأطفال إلى نزاع بين الأهل فلعب الأولاد أثناء النهار أو بعد الظهر في كاراج البناية يسبب إزعاجًا للسكان وخصوصًا الطابق الأول، وترى بعض الأولاد يزعجون الناطور ويتعاطون معه بأسلوب أخذوه من أهاليهم كيف تعاطوا معه أنه دونهم وقد قال ربنا: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ } .
فمهم جدًا ان تراعي جيرانك بكل أحوالك حتى إن كان عندك هرة أو كلب أنتبه أن لا تؤذي جارك برائحة هذه الحيوانات أو أن يخاف جارك من فلتان الكلب الذي عندك أمامهم أو في الكاراج أو عند مدخل منْزلك، ولا تترك أولادك يلعبون بالأسهم النارية وما يسمى “الترابيل” في الليالي بمناسبة وبغير مناسبة ، كما اترك توليع الفحم على الدرج كي لا تدخل الرائحة على البيوت فتزعج المرضى وغير المرضى .
ولا تقطع علاقتك بجيرانك أي لا تقاطعهم لأسباب دنيوية أو مشاكل سياسية بلا عذر شرعي مما يسبِّب في البناية قطيعة بين الجيران ويؤدي إلى خراب لجنة البناية كما يحصل من بعض الجيران يلصقون صورًا على الجدار المشترك بينه وبين جيرانه مما يؤدي إلى احتكاك فيما بينهم .
كما امنع أولادك الشباب من السهر في الشارع مع لعب الورق وشرب الأراكيل وتلطيش البنات فإن للشارع حقوقا أخبر عنها حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: “إياكم والجلوس على الطريق” قيل يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها ، قال: “أما إذا أبيتم فأعطو الطريق حقه” ، قيل: وما حقه يا رسول الله؟ قال: “غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” .رواه أحمد .
فالمطلوب من المسلم إخوة الإيمان أن يلتزم هذه الآداب التي هي مأخوذة من تعاليم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، فوالله ديننا عظيم فاحفظ هذه الآداب أخي المسلم ، حافظ على هذه الآداب أخي المسلم ، واسِ جيرانك بالأحزان وشاركهم أفراحهم ، راعِ حقوقهم وتذكر قول النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: “ما ءامن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به” أي لا يكون كامل الإيمان من فعل ذلك.
فعليكم أخوة الإيمان بالعمل بالخصال الحميدة التي حث عليها شرعنا الحنيف ، ولقد قيل : (الجار قبل الدار) ويريدون به أنِ ابحث عن الجار الصالح قبل أن تشتري الدار . حتى إنه يروى أنه كان يقال من يشتري دارا جاره فلان ويكون فلان من الصالحين . ولقد استعمل الناس أمثلة للتنفير من الجار السىء حتى قالوا (كومة حجار ولا هالجار) .
اللهم إنا نسألك حسن الحال وحسن الجوار وحسن الختام وأن نتخلق بالأخلاق الحميدة الحسنة وأن تجعلنا من الجيران الصالحين الذين مدحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنك على كل شىء قدير.
هذا وأستغفرالله لي ولكم
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الْوَعْدِ الأَمِينِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَءَالِ الْبَيْتِ الطَّاهِرِينَ وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَنِ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَعَنِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَاتَّقُوهُ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيْمِ فَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ علَى سَيّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلاَ مُضِلِّينَ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّف. عِبادَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِي، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يُثِبْكُمْ وَاشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا، وَأَقِمِ الصَّلاةَ.