الإثنين فبراير 23, 2026
  • التمسك بالقرءان الكريم

     

    الحمد لله رب العالمين ، قيوم السموات والأرضين ، مدبر الخلائق أجمعين ، باعث الرسل صلواته وسلامه عليهم إلى المكلفين ، لهدايتهم وبيان شرائع الدين بالدلائل القطعية وواضحات الحجج ولألاء البراهين. أحمده على جميع نعمه وأسأله المزيد من فضله وكرمه ، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار ، الكريم الغفار ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله أفضل المخلوقين ، المكرم بالقرءان العزيز المعجزة المستمرة على تعاقب السنين ، وبالسنن المستنيرة للمسترشدين ، الخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين ، وءال كل وسائر الصالحين .

    أما بعد ، فيا عباد الله أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العلي العظيم والتمسك بكتاب الله الكريم . يقول الله تعالى في محكم التنـزيل : {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} سورة البقرة/2 .

    لا يوجد كتاب في الدنيا أعزّ على المسلم من كتاب الله الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، فاشتمل على أنواع البراهين والأدلة والأخبار الماضية وذكر الأمم الهالكة وقصص الأنبياء والمرسلين ومواعظمهم وصبرهم ، وصفات الله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل عليه ، وصفات الملائكة الكرام وأخبارهم ، وفيه السير والمواعظ وأخبار الدار الآخرة وأحوال المعنيين والمتنعمين فيها ، ومحاسن الآداب والشيم ، وفيه كشف أسرار المنافقين وفضحهم ، وفيه ذكر الأحكام من حلال وحرام . يقول الله تعالى: {أفلا يتدبرون القرءان} سورة النساء/82  .

    والتدبر إخوة الإيمان أن نشغل قلوبنا بالتفكر في معنى ما نتلفظ به ، فتأمل معي أخي المسلم قول الله تعالى: {الذي خلق سبع سموات طباقًا} سورة الملك/2 .

    أي أوجد وأبرز من العدم الى الوجود سبع سماوات بعضا فوق بعض.

    يقول ربنا: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} سورة الملك/3 .

    أي لا ترى يا ابن ءادم في خلق الرحمن العزيز الحكيم من تفاوت، لا ترى يا ابن ءادم في شىء ممن خلق الله عز وجل من اعوجاج ولا تناقض ولا عيب ولا خطأ .

    فحري بنا إخوة الإيمان أن نتمسك بهذا الكتاب العظيم الذي جعله الله تعالى أفضل الكتب السماوية ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه تنـزيل من حكيم حميد ، وويل لهؤلاء الضالين السفهاء الذين دنّسوا كتاب الله المقدّس ، فلا شكّ إخوة الإيمان أن من شتم القرءان أو استهزأ به أو حقّره فهذا ليس بمسلم عند الله تعالى ، وعليه غضب من الله عظيم . وهؤلاء الضالون مهما حاولوا إبعادنا عن كتاب الله لن يستطيعوا ذلك، وسنبقى بإذن الله متمسكين بإرشادات وتوجيهات رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، وما فعلوه إنما يدل على مدى كرههم وعداوتهم وحقدهم على المسلمين ولن يزيدنا ذلك بإذن الله إلا تمسكًا وتعظيمًا والسير على هداه ، ولهم الذلّّة والهوان في الدنيا والآخرة ولنا النصر والعزة بإذن الله تعالى .

    فعن أبي نجيع العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: “وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون ، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودّع فأوصِنا . قال: “أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تَأَمّر عليكم عبد حبشي فإنه من يعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عَضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة” رواه ابو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح .

    فهذا حث أكيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمّته على التمسّك بسنته أي بشريعته صلى الله عليه وسلم . وقد قال عليه الصلاة والسلام: “المتمسك بسنتي عن فساد أمتي له أجر شهيد” حديث حسن .

    وقتنا هذا ينطبق على هذا الحديث ، الفساد ذكره الذي الرسول تحقّق فهو ظاهر كالشمس في الشرق والغرب .

    فهنيئًا لمن تمسك بكتاب الله أي تمسك بالعقيدة الحقة التي توافق كتاب الله تعالى ، ودافع عنها ، ناضل عنها وثبت عليها إلى الممات . فمهما تبدّلت الأحوال والظروف فعلينا الثبات على التمسك بكتاب الله العظيم ، والحمد لله الذي حفظ القرءان من التحريف والتبديل فلا يدخله التحريف . بل هو محفوظ على مر العصور . يقول الله تعالى في القرءان الكريم: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا إليه لحافظون} الحجر/9 .

    إخوة الإيمان ، لقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على قراءة القرءان وعدم الانقطاع عن ذلك ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: “مثل المؤمن الذي يقرأ القرءان كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرءان كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها” .

    والأترجة فاكهة تشبه الحامض لونها اصفر من الخارج ، فالمؤمن الذي صدق بقلبه ويقرأ القرءان يكون جمع بين شيئين الشىء الباطني الذي هو الإيمان بالقلب، والشىء الظاهري الذي هو قرءاة القرءان ، فلذلك شبه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الفاكهة الطيبة، وورد عن ابن عباس أنه قال: “أديموا النظر في المصحف” .

    وهذا ثابت البناني التابعي الجليل كانت تُسمع قراءة القرءان من قبره ، الله تعالى أكرمه بهذا الأمر العظيم لأنه تمسك بكتاب الله وتعلّق قلبه بطاعة الله . وقال ابن رجب في كتابه أهوال القبور: “روى أبو نعيم بإسناده عن محمد بن عبد الله الأنصاري قال حدثني إبراهيم بن الصمّة المهَلّبي قال: حدثني الذين كانوا يمرون بالجص بالأسحار قالوا: كنا إذا مررنا بجنبات قبر ثابت البناني رضي الله عنه سمعنا قرءاة القرءان” .

    وبإسناده عن سيّار بن حسن عن أبيه قال: “أنا والذي لا إله إلا هو أدْخَلتُ ثابتًا البناني لحده ومعي حُمَيد ورجل غيره فلما سوّينا عليه اللبن سقطت لبنة فنـزلت فأخذتها من قبره فإذا به يصلي في قبره، فقلت للذي معي: ألا تراه ؟ قال: اسكت، فلما سوّينا عليه التراب وأفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها: ما كان عمل ثابت ، قالت: وما رأيتم ، فأخبرناها ، فقالت: كان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السَحَر قال في دعائه: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا من خلقك الصلاة في قبره فأعطينيها، فما كان الله ليردّ ذلك الدعاء” اهـ .

    ولا بدّ أيها الأحبة بعد هذا الكلام عن التمسك بكتاب الله والحث على الإقبال على تلاوته من التنبيه أنه لا بدّ لمن أراد قراءة القرءان أن يتعلم من اهل المعرفة ولا يكفيه مجرد الاعتماد على نفسه من غير تلقٍّ من أهل المعرفة فإن من اعتمد على نفسه من غير تلقٍّ من أهل المعرفة فهو مصحفي وليس بقارىء والله تعالى يقول: {يتلونه حقّ تلاوته} .

    هذا وأستغفر الله لي ولكم .

     الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

    إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الْوَعْدِ الأَمِينِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَءَالِ الْبَيْتِ الطَّاهِرِينَ وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَنِ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَعَنِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَاتَّقُوهُ.

    وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيْمِ فَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ. عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِي، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يُثِبْكُمْ وَاشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا، وَأَقِمِ الصَّلاةَ.