إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونشكره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شبيه ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له ، يا ربّ يا ربّ هوِّن سكرات الموت إذا أخرجت الروح من الجسدِ ، يا مالك يوم الدين ويا من عزّ وجلّ عن الولدِ. وأشهد أنّ سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمّدًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمّة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا من أنبيائه.
فهناك إخوة الإيمان ، تسكب العبرات وتستقال العثرات وترجى الطلبات وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم يجتمع فيه خيار عباد الله المخلصين وخواصه المقربون وهو أعظم مجامع الدنيا .
واعلموا رحمكم الله تعالى أنه ما من نبي بعد إبراهيم إلا وحج ، وإبراهيم عليه السلام لما أمره الله بأن ينادي بالحج قال: “يا رب كيف أسمعهم ؟” فقال الله له “عليّ البلاغ” (أي أنا أسمعهم) فنادى إبراهيم في مكانه: “يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج” فسمع كل روح يحج إلى يوم القيامة صوت إبراهيم عليه السلام، فالروح التي لم تسمع ذلك اليوم لا تحج .
أما الميثاق الذي أُخِذ من ذرية ءادم فهو ما ذكره الله تعالى بقوله: {وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} الأعراف/132 .
وهذا الميثاق أي العهد هو اعترافهم بعد أن استخرجهم من ظهر ءادم بعدما نزل ءادم إلى الأرض فصورهم الله وخلق فيهم المعرفة والإدراك بأنه لا إله لهم إلا الله، فجميع ذرية ءادم اعترفوا ذلك اليوم. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يُمجّسانه”.
فمعنى يولد على الفطرة أي يكون مستعدًا متهيِّئًا لقبول دين الإسلام دين الحقِّ الذي رضيه الله تعالى لعباده وجاء به كل الأنبياء، على الفطرة أي على فطرة الإسلام لأنهم يولدون على مقتضى اعترافهم وتوحيدهم الذي حصل يوم أخرجت الأرواح من ظهر ءادم بِنَعمان الأراك وهو موضع في عرفات، فإنهم سئلوا: ألست بربك؟ قالوا: بلى لا إله لنا غيرك. اعترفوا كلهم بألوهية الله.
ثم لما خرج هذا الولد من بطن أمه نسي هذا ويبقى ناسيًا إلى أن يسمع من أبويه أو من غيرهما الإسلام فيعود إلى ما كان عليه، أو يسمع من أبويه أو من غيرهما الكفر فيعتقده فيكون الآن كفر بالفعل . هذا معنى الحديث. ليس معناه أن كل مولود يعرف أول ما خرج من بطن أمه الإسلام تفصيلاً ، فإنه أول ما يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا وهو صريح الآية: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا} الآية. النحل/78 .
فالحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
فتمسكوا إخوة الإيمان بهذا الدين العظيم واثبتوا عليه إلى الممات، اثبتوا على عقيدة الأنبياء والمرسلين ، عقيدة التوحيد أن الله واحد لا شريك له، عقيدة التنـزيه أن الله منـزه عن صفات خلقه لا يشبه الشمس ولا القمر ، لا يشبه الجن ولا الملائكة ولا البشر.
وأقبلوا إخوة الإيمان في هذه الأيام العظيمة إلى طاعة الله واسألوا الله تعالى من فضله أن يفرج عن هذه الأمّة كرباتها . فعن الفضيل بن عياض رضي الله عنه أنه نظر إلى بكاء الناس بعرفة فقال: “أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل واحد فسألوه دانقًا” .
والدانق إخوة الإيمان سدس الدرهم أي شىء قليل جدًا. قال: “لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل واحد سألوه دانقًا أكان يردهم ؟ قيل لا، قال: والله للمغفرة عند الله عزّ وجلّ أهون من إجابة رجل لهم بدانق” .
اللهمّ اغفر لنا، ربِّ اغفر لنا يا الله ، ربِّ اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات.
هذا وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية :
(الأضحيـة)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله وعلى ءاله وصحبه ومن والاه .
أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم القائل في كتابه الكريم: “وفديناه بذبح عظيم” الصافات/107 .
إخوة الإيمان، فدي إسماعيل بكبش من الجنة فكانت الأضاحي إحياءً لسنة إبراهيم .
فالأضحية سنة مستحبة بأن نذبخ خروفًا أتمّ سنة أو أسقط مقدم أسنانه أو من المعز في عمر السنتين ، ومن أراد ذبح بقرة أو إبلاً ذلك أعظم وأعظم والأفضل البيضاء ثم الشقراء ثم الحمراء ثم السوداء ولا تجزىء العوراء البين عورها ولا العرجاء البين عرجها .
ويستحب للمضحي أن يذبح بيده إذا استطاع كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما من لم يحسن الذبح أوْكَلَ إلى غيره .
ولا يصح بيع الجلد ولا إعطاؤه أجرة للجزار .
ويسن أن تقسم الأضحية إلى ثلاثة : يأكل المضحي ثلثها ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث الأخير، أو يأكل بضع لقيمات ويتصدق بالباقي ابتغاء رضا الله .
واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا}. اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ. يقول الله تعالى: {يا أيها الناس اتقـوا ربكـم إنّ زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد}. اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا، فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ، ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ ، اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنّا شَرَّ ما نتخوَّفُ.
عبادَ اللهِ، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي ، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا. وَأَقِمِ الصلاةَ.