الأحد فبراير 22, 2026
    • 4- الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

    الخطبة الأولى:

    الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا أحمده تعالى وأستهديه وأسترشده وأتوب إليه وأستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد سيد ولد عدنان أرسله الله رحمة للعالمين بعثه الله مبشرا ونذيرا جاءنا بالهدى والبينات والكتاب المبين بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به عنها الغمة. أما بعد أيها الأحبة المؤمنون أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العظيم القائل في القرءان الكريم: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.

    عباد الله، قال الله تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا.

    إخوة الإيمان دلت هذه الآية الكريمة على أن من أراد النجاة عليه أن يلتزم سبيل المؤمنين أي ما أجمع عليه علماء المسلمين وأن من أعرض عن ذلك فجزاؤه جهنم وبئس المصير وجاء في الحديث الموقوف عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه قال “ما رءاه المسلمون حسنا -أي أجمعوا على أنه حسن – فهو عند الله حسن، وما رءاه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح”. ومن جملة ما ٱستحسنته الأمة أيها الأحبة وأجمعت على مشروعيته الاحتفال بذكرى ولادته صلى الله عليه وسلم فإنه من الطاعات العظيمة التي يثاب فاعلها لما فيه من إظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف، وهو وإن لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم فهو من البدع الحسنة التي ٱتفق علماء الأمة على جوازها وأول ما حدث هذا الاحتفال في أوائل القرن السابع من الهجرة أحدثه ذلك التقي العالم الـمجاهد الـمظفر ملك إربل، وجمع لهذا كثيرا من علماء عصره فٱستحسنوا فعله ومدحوه ولم ينكروه وهكذا العلماء بعدهم أيها الأحبة لم ينكر فعل المولد أحد منهم حتى ظهر في القرن الماضي جماعة من المجسمة نفاة التوسل فأنكروا فعل المولد إنكارا شديدا أي أنكروا ما ٱستحسنته الأمة جمعاء لعصور متتالية وزعموا بجهلهم وجرأتهم على الدين أنه بدعة ضلالة وٱستدلوا بحديث وضعوه في غير موضعه وهو حديث “كل بدعة ضلالة” وأرادوا أن يموهوا به على الناس وهو حديث صحيح لكن معناه أن ما ٱستحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو بدعة غير حسنة إلا ما وافق الشرع فإنه لا يكون مذموما فكلمة كل يراد بها هنا الأغلب أي أغلب البدع ضلالة وليس معنى الحديث أن جميع البدع بلا استثناء ضلالة والدليل على ذلك ما صح في صحيح مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء” ولذلك قال الإمام الشافعي رضي الله عنه “البدعة بدعتان محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم” رواه عنه الإمام البيهقي وغيره.

    ثم كيف يا أهل الفهم يقول هؤلاء المحرومون عن ٱجتماع المسلمين على قراءة القرءان وذكر الرحمن ومدح محمد سيد الأكوان مما شرعه الله والرسول وتلقته الأمة بالقبول إنه بدعة ضلال وكيف يجرؤون على ذلك. ألم يسمعوا قوله تعالى : ﴿فٱقرءوا ما تيسر من القرءان﴾ ، وقوله عز وجل ﴿يا أيها الذين ءامنوا ٱذكروا الله ذكرا كثيرا ﴾ ، ألم يرد مدح النبي عليه الصلاة والسلام في القرءان الكريم فقال الله عز من قائل عن حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم ﴿وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ ، وقال سبحانه عنه أيضا ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ ، ثم أيها الأحباب ألم يجئ في السنة المطهرة أيضا ما يدل على مدحه عليه الصلاة والسلام جماعة وفرادى بدف ومن غير دف في المسجد وخارجه، أليس ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وابن حبان أن أشخاصا من الحبشة كانوا يرقصون في مسجد رسول الله ويمدحونه بلغتهم فقال رسول الله “ماذا يقولون” فقيل له إنهم يقولون “محمد عبد صالح”، فلم ينكر عليهم صلى الله عليه وسلم ذلك. أليس قال العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم له “يا رسول الله إني ٱمتدحتك بأبيات” فقال رسول الله “قلها لا يفضض الله فاك” فأنشد قصيدة فما منعه رسول الله ولا نهاه ولا قال له حرام أن تمدحني بل ٱستحسن ذلك منه ودعا له بأن تبقى أسنانه سليمة فحفظها الله له ببركة دعاء النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم حيث توفي العباس في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهما وهو ٱبن ثمان وثمانين سنة ولم يسقط له سن ولا ضرس.

    وٱسمعوا أيها الإخوة ماذا قال الحافظ السيوطي عندما سئل عن عمل المولد الشريف في رسالة سماها “حسن المقصد في عمل المولد” قال وٱسمعوا جيدا “أصل عمل المولد الذي هو ٱجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرءان ورواية الأخبار الواردة في مبدإ أمر النبي وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم”.

    فلا يهولنكم عباد الله رحمكم الله كلام نفاة التوسل المحرومين من محبة نبينا صلى الله عليه وسلم الذين يزعمون أن أجدادي وأجدادكم وأسلافي وأسلاف المسلمين كلهم في كل أرجاء المعمورة كانوا على ضلال في ٱحتفالهم بالمولد الشريف حتى جاءوا هم فعرفوا الحق. هؤلاء جاهلون بالخالق تعالى محرومون من محبة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم لا تغتروا بشبههم ولا تلتفتوا إلى إنكارهم وٱحتفلوا بالمولد الشريف وٱقرأوا القرءان وٱقرأوا ما حصل عند مولده وما ظهر من الآيات الباهرات وٱمدحوه بحسن النية وعظموا قدره ولا تبالوا بمنكر أو جاحد.

     

    أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم.

    الخطبة الثانية

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى إخوانه النبيين والمرسلين. ورضي الله عن أمهات المؤمنين وءال البيت الطاهرين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الأئمة المهتدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعن الأولياء والصالحين أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم فاتقوه.

    واعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم، أمركم بالصلاة والسلام على نبيه الكريم فقال ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد، يقول الله تعالى ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾، اللهم إنا دعوناك فاستجب لنا دعاءنا فاغفر اللهم لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين اللهم استر عوراتنا وءامن روعاتنا واكفنا ما أهمنا وقنا شر ما نتخوف. عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم يثبكم واشكروه يزدكم، واستغفروه يغفر لكم واتقوه يجعل لكم من أمركم مخرجا، وأقم الصلاة.