السبت فبراير 14, 2026

ثبوت شهر رمضان المبارك وفضائله

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضد ولا ند له، ولا أعضاء ولا جوارح له، ولا كيفية ولا جهة ولا مكان له ، هو الله وحده الأول الذي لا بداية لوجوده وما سواه حادث مخلوق، هو الله وحده الخالق الذي أبرز هذا العالم من العدم إلى الوجود وهو خالق الأجسام وأعمال الأجسام، فهو القائل: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾.

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا من أنبيائه. الصلاة والسلام عليك سيدي يا علم الهدى، يا أبا القاسم يا أبا الزهراء يا محمد، ضاقت حيلتنا وأنت وسيلتنا، أدركنا يا رسول الله، أدركنا بإذن الله.

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي القدير القائل في محكم كتابه: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ الآية [البقرة/185].

ويقول رب العزة في محكم التنزيل ﴿لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شىء قدير﴾ [البقرة/284].

رمضان موعد مع طاعة الله ومناسبة للتزود لما فيه رضا الله، رمضان شهر هو سيد الشهور، رمضان شهر ملؤه فيض السرور، رمضان فيه ليلة الليالي ليلة القدر العظيمة، رمضان شهر تطهير النفوس من الشوائب والأدران، رمضان شهر البركة والرضوان، رمضان شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وءاخره عتق من النار، رمضان شهر المواساة، شهر الإطعام، شهر الإنفاق ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [سورة البقرة].

رمضان شهر الإطعام، شهر الإنفاق، شهر المواساة، شهر قراءة القرءان، شهر العبادة، شهر الاعتكاف في المساجد، ليس شهر التخمة ولا شهر الكسل ولا شهر التوسع في المستلذات ولا شهر السهر على التلفزيون وما يسمى بالفضائيات، بل هو شهر الزهد، والزهد هو قطع النفس عن اتباع المستلذات والمستحسنات. فصيام رمضان عبادة عظيمة يكفي في بيان فضلها الحديث القدسي الذي رواه البخاري: كل عمل ابن ءادم فهو له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به“.

 فهو من أفضل الطاعات وأجل القربات وأحد أهم أمور الإسلام كما جاء في حديث الرسول الذي رواه الشيخان بني الإسلام على خمس…” وعد منها صوم رمضان.

ثم لمعرفة ابتداء رمضان وانتهائه طريقة وأحكام بينها ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبينها سبحانه على لسان نبيه الذي لا ينطق عن الهوى وإنما ينزل عليه جبريل بالسنة كما ينزل بالقرءان، ومنه صلى الله عليه وسلم أخذ المسلمون وعملوا بها من أيامه صلى الله عليه وسلم إلى أيامنا هذه، وهذه الطريقة مبنية على المراقبة للهلال بالعين في المدن والقرى والبلدات، يعرف ذلك كل من عاش في بلاد المسلمين وشهد عاداتهم من الخروج لمراقبة الهلال وتجمع الناس في المواضع التي تتوضح فيها الرؤية وإطلاق المدافع أو إيقاد النيران على رؤوس الجبال عند ثبوت الرؤية إيذانا ببدء الشهر الشريف أو حلول عيد الفطر المبارك ، عادات جميلة تمتد جذورها إلى أيام الصحابة الكرام أشرف عليها أهل العلم على مر الأزمان وحرص على المشاركة فيها أهل التقوى والفضل واستقر أمرها بين المسلمين في أنحاء الأرض.

وقد اتفق علماء المذاهب الأربعة على أن الأصل في تحديد أول رمضان هو التالي: يراقب الهلال بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان، فإن رئي الهلال كان اليوم التالي أول رمضان، وإن لم ير الهلال يكون اليوم التالي الثلاثين من شعبان والذي بعده هو أول أيام رمضان، فعلى ذلك درج المسلمون في كل بلاد الدنيا وبذلك أفتى الفقهاء ونصوا أن العمدة على هذا وأنه لا التفات إلى أقوال الحساب والفلكيين ولا عبرة بكلامهم لتحديد ابتداء الصيام أو انتهائه، فلقد قال شهاب الدين الرملي الشافعي في فتواه المشهورة في معرض كلامه عن ابتداء تحديد شهر الصيام: “إن الشارع (أي الرسول) لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية في أمر إثبات الشهور الهجرية أو القمرية بقوله صلى الله عليه وسلم نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب” (أي لا نعتمد على الكتابة ولا على الحساب لمعرفة أوائل الشهور القمرية) قال عليه الصلاة والسلام الشهر هكذا وهكذا. يعني أن الأشهر القمرية إما تسعة وعشرين يوما وإما ثلاثين يوما، ليس فيها ثمان وعشرين ولا واحد وثلاثين. وفي رواية أحمد نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين.

فنصيحتنا لكل مسلم أن يتمسك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما قاله فقهاء المذاهب الأربعة الذين أجمعت الأمة على علو شأنهم وأن يدرس أحكام الصيام قبل دخول شهر رمضان على إنسان جمع بين المعرفة والعدالة وتلقى هذا العلم عن مثله وهكذا بإسناد متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم أعنا على القيام والصيام وصلة الأرحام بجاه محمد المظلل بالغمام .

هذا وأستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى إخوانه النبيين والمرسلين. ورضي الله عن أمهات المؤمنين وءال البيت الطاهرين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الأئمة المهتدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعن الأولياء والصالحين أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم فاتقوه.

واعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم أمركم بالصلاة والسلام على نبيه الكريم فقال ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد، يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ اللهم إنا دعوناك فاستجب لنا دعاءنا فاغفر اللهم لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين اللهم استر عوراتنا وءامن روعاتنا واكفنا ما أهمنا وقنا شر ما نتخوف. عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم يثبكم واشكروه يزدكم، واستغفروه يغفر لكم واتقوه يجعل لكم من أمركم مخرجا، وأقم الصلاة.