السبت فبراير 14, 2026

3 من معجزات النبي محمد عليه الصلاة والسلام – الحلقة

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

كنت وصلت معكم في الحلقة الأخيرة في الكلام عن سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام عن زواج النبي بخديجة رضي الله عنها. النبي تزوج خديجة وكان له من السن خمس وعشرون سنة. لما بلغ أربعين سنة نزل على سيدنا محمد الوحي. كان قبل ذلك حبب إليه الخلاء. كان يذهب إلى غار حراء يمكث نحو الشهر يتحنث فيه، يتعبد فيه، ثم يرجع إلى أهله. لما صار عمره أربعين سنة نزل عليه الوحي عندما كان في غار حراء. جاءه جبريل قال له: اقرأ. النبي عليه الصلاة والسلام قال “ما أنا بقارئ” جبريل غطه، ضمه إليه وهذا قوى النبي لتلقي الوحي. فعل ذلك ثلاث مرات. ثم ذكر جبريل الآيات من سورة العلق أول خمس آيات من سورة العلق إلى قوله تعالى: {علم الإنسان ما لم يعلم}. فثبتت هذه الآيات في قلب النبي محمد عليه الصلاة والسلام. وعلمه جبريل الوضوء والصلاة ثم رجع النبي إلى السيدة خديجة وهو يقول “زملوني زملوني” ثم حكى للسيدة خديجة ما حصل معه. فالسيدة خديجة فورا صدقته، فكانت هي أول من آمن، وقالت له كلاما فيه تشجيع له، ثم أخذته إلى قريب لها يقال له ورقة بن نوفل كان قد قرأ الكتب القديمة وكان يعرف العبرانية. فوصفت له ما جرى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال له: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، قال يا ليتني أكون قويا حين يخرجك قومك. فقال له النبي: “أومخرجي هم ؟” فقال له: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي (معناه أنا كبير في السن ضعيف يا ليتني أحيا إلى وقت يخرجوك فأنصرك).

ثم أقام النبي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى توحيد الله فتبعه على ذلك قوم ولقي تكذيبا كثيرا من بعض مشركي مكة. بعض مشركي مكة كانوا قساة مكذبين له.

في خلال هذه المدة صاروا يضطهدون المسلمين وكان النبي له عشيرة تحميه وبعض المسلمين هكذا كان لهم في عشيرتهم حماية لهم. أما الضعفاء فواجهوا أذى كثيرا عذبوا وطردوا وأخذ مالهم بعضهم مات تحت التعذيب، ولا يخفى عليكم ما حصل مع سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنه، وأهله، وما حصل مع بلال رضي الله عنه، وغيرهم. لكن الإسلام انتشر.

ثم النبي عليه السلام أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة قال لهم فيها ملك لا يظلم عنده أحد. فهاجر المسلمون هجرتين إلى الحبشة، منهم من توفي هناك ومنهم من رجع بعد ذلك. وممن أسلم في تلك المدة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ولإسلامه قصة.

مر به النبي وسيدنا أبو بكر وهو يرعى غنما. فقال النبي: “هل عندك واحدة تدر اللبن؟” قال هذه ليست لي أنا مستأجر، فقال النبي: “فهل عندك شاة لم ينز عليها الفحل؟” (يعني بعد لا تخرج الحليب)، قال نعم، فأتاه بواحدة فوضع يده على ضرعها وسمى الله تعالى ثم حلب، فنزل اللبن.

فرأى ذلك عبد الله بن مسعود فقال له علمني مما علمك الله. آمن فقال النبي: “إنك غلام معلم” وهكذا كان.

وأول من دخل في الإسلام من الرجال أبو بكر. ما إن أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي عليه حتى صدق مباشرة وذلك لما كان قد رأى من النبي قبل ذلك من العلامات وعرف من الأمور التي تمهد لذلك.

وأما من الأطفال فأول من أسلم كان سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لأن عليا كان عند النبي بعد موت والده.

وكذلك أول من أسلم زيد بن حارثة من العبيد، وذلك أن زيدا كان عبدا عند خديجة رضي الله عنها أهدته للنبي. وكان زيد قد اختطف من بين أهله ثم بيع عبدا كما كان يحصل في الجاهلية. أهله كانوا يبحثون عنه عرفوا أنه عند النبي فجاءوا إليه فقالوا له: ولدنا عندك، ماذا تريد له فداء نعطيك؟ كم تريد من المال نعطيك حتى تعطينا الولد؟ أبوه وعمه، قال النبي: “لا أفعل إنما تسألونه إذا كان يريد أن يذهب معكم يذهب من غير مال أما إذا اختار البقاء معي فما أنا بمختار على من اختارني أحدا” يعني إذا اختار البقاء معي لا أسلمكم إياه، قالوا أنصفت وزيادة.

فذهبوا إليه، قال النبي: “تعرفهما؟” قال نعم هذا أبي وهذا عمي، قال: “فهما يريدانك أن تذهب معها” قال ما أنا بمختار عليك أحدا. ثم قال لهما: إني رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بمختار عليه أحدا من البشر. فعند ذلك النبي خرج إلى الناس وتبناه، وكان هذا قبل نزول الوحي، يعني قبل نزول تحريم التبني. فصار يقال له زيد بن محمد، إلى أن نزل الوحي ثم بعد ذلك نزل تحريم التبني فرجع يدعى زيد بن حارثة.

والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم

 

دحض ما لحق بالشيخ محيي الدين بن عربي من شبهات وبراءته من عقيدة الحلول والاتحاد

إن مما ابتلينا به في هذا العصر اناسًا يروجون الاكاذيب الملفقة والاقاويل الفاسدة باسم الصوفية وهم في الحقيقة ما عرفوا من الصوفية الا الاسم بل هم بعيدون كل البعد عن التصوف كما نرى اناسًا اخرون يذمون الصوفية بالاطلاق ويعتبرون التصوف كفرًا وزندقة ليست الصوفية مذمومة على الاطلاق بل المذموم هو من ادعى التصوف ثم خالف الشريعة وترك العمل بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لانّه لا بد للصوفي ان يعمل بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا ليس كما يقول بعض مدعي التصوف عن الذين يشتغلون بالعلم انتم اهل الظاهر اما نحن اهل الباطن يقولونها على معنى الذم وهذا فساد لا يقبله الدين.

فالتصوف هو صفاء المعاملة مع الله والصدق بالقول والعمل والنية، واجتناب المحرم والتزام الواجب والاكثار من نوافل الطاعات وتعليق القلب بالاخرة والعطف على الفقراء والمساكين ومساعدة الارامل والمحتاجين وعدم تعلق القلب بالدنيا وزينتها مع التواضع والانكسار وغض البصر وحفظ الجوارح مع الحلم والتأدب بآداب الشريعة واتباع الرسول في كل صغيرة وكبيرة، والعمل بقول الله تعالى (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).

الصوفية هم الذين صفّت نفوسهم وزكت اعمالهم فمن كان بهذه الصفة فهو من احباب الله تعالى، وقد كان اول الصوفية ابو بكر الصديق رضي الله عنه ثم اشباهه في سيرته التي هي صفاء المعاملة واتباع الرسول فمن اداى الواجبات واجتنب المحرمات واخلص لله في سره واحسن نيته فذلك هو الصوفي الذي تستنزّل الرحمت بذكره، ليس التصوف مجرد لبس الثياب الرثة وعدم الاكتراث الى صنوف الملذات بل لا بد من التقوى قبل كل ذلك، فكم من اناس يظهرون انفسهم بمظهر التصوف ثم نراهم يحرفون دين الله تعالى بل ومنهم من يعتقد الحلول والاتحاد اي على زعمهم ان الله حل فيهم وهذا كفر وضلال، فمثل هؤلاء هم من اساءوا الى التصوف حتى ظن بعض الناس ان الصوفية كلهم على هذا الاعتقاد.

ومن الكتب التي يجب التحذير منها كتاب ، كذا يجب التحذير من كتاب -فصوص الحكم- وبعض غيرها من مؤلفات الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه.

واما الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه فاعتقادنا فيه انه من العلماء الصالحين والصوفية الصادقين الزاهدين، ترجمه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان(2)، وذكر انه اعتد به حفاظ عصره كابن النجار.
واكثر ما في كتابيه المذكورين مما هو مدسوس عليه مما ليس من كلامه كلمات الوحدة المطلقة، ففي كتابه -الفتوحات المكية- ما يخالف ذلك فان فيها ذم عقيدة الوحدة المطلقة، وذم عقيدة الحلول، فمما فيه لابطال الوحدة المطلقة والحلول قوله في الفتوحات المكية (من قال بالحلول فدينُه معلول وما قال بالاتحاد الا اهل الالحاد). اهـ

فبعد هاتين العبارتين الصريحتين في ابطال عقيدة الوحدة المطلقة وعقيدة الحلول، لا يجوز ان يصدق على الشيخ محيي الدين ما في بعض المواضع الاخرى من هذا النوع.

ومعناه من اعتقد بالحلول او الاتحاد فهو كافر ملحد والعياذ بالله وكان من هؤلاء رجل اسمه الحلاج كان يدعي التصوف ثم يقول ما في الجبة الا الله وانا الله وقد بعث مرة برسالة الى احد مريديه يقول له فيها من الرحمن الرحيم الى فلان، والعياذ بالله من هذا الكفر.

فالتصوف بريء من مثل هذا الرجل الذي تفرس فيه الجنيد امام الصوفية العارفين حيث قال له: لقد فتحت في الاسلام ثغرة لا يسدها الا رأسك، تحققّت فراسة الجنيد بالحلاج الذي قتل على يد الخليفة المقتدر بالله فأراح الله المسلمين من فساده وشره، وقد قال سيدنا احمد الرفاعي الكبير عن الحلاج (لو كان على الحق ما قال انا الحق) وليعلم ايضا انه ليس من التصوف الاجتماع باسم الطريقة بدعوى الذكر كما يفعل بعض المنتسبين الى بعض الطرق ثم نراهم يحرفون اسم الله كأن يقولوا اللا بدل الله ثم يقولون بعد ذلك اه اه فذلك من الحرام الذي لا يرضى الله به لان فيه تحريفًا لاسم الله والله تعالى يقول (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه).

ومما في الفتوحات المكية مما لا يصدق عليه ما نقله بعض اهل عصرنا وهو محمد الهاشمي التلمساني نزيل دمشق في رسالة الفها عن الفتوحات المكية:
كل كلام في العالم كلامه القول كله حسن فما وافق الغرض فهو احسن. اهـ وقد حضرت مجلس الشيخ الولي احمد الحارون الدمشقي رحمه الله وكان معروفا في بلده دمشق بالكشف فسألته ان الشيخ محمدا الهاشمي الف رسالة ذكر فيها نقلا عن كتاب الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية هذه العبارة المذكورة فقال الشيخ احمد: هذا الشيخ ما له حق في ان يذكر هذا، الفتوحات المكية فيها دس كثير. اهـ

وقد قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه لطائف المنن والاخلاق مما يؤيد ما ذكرنا ما نصه(3):
وقد نقل الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية اجماع المحققين على ان من شرط الكامل ان لا يكون عنده شطح عن ظاهر الشريعة ابدا بل يرى ان من الواجب عليه ان يحق الحق ويبطل الباطل، ويعمل على الخروج من خلاف العلماء ما امكن. انتهى

هذا لفظه بحروفه ومن تأمله وفهمه عرف ان جميع المواضع التي فيها شطح في كتبه مدسوسة عليه لا سيما كتاب -الفتوحات المكية- فانّه وضعه حال كماله بيقين، وقد فرغ منه قبيل موته بنحو ثلاث سنين، وبقرينة ما قاله في الفتوحات المكية في مواضع كثيرة من ان الشطح كله رعونة نفس لا يصدر قط من محقق، وبقرينة قوله ايضا في مواضع (من اراد ان لا يضل فلا يرم ميزان الشريعة من يده طرفة عين بل يستصحبها ليلا ونهارا عند كل قول وفعل واعتقاد). انتهى
انتهى كلام الشعراني.

ثم قال الشيخ الشعراني في لطائف المنن ما نصه (4):
وليحذر ايضا من مطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه لعلو مراقيها، ولما فيها من الكلام المدسوس على الشيخ لا سيما الفصوص والفتوحات المكية، فقد اخبرني الشيخ ابو طاهر عن شيخه عن الشيخ بدر الدين بن جماعة انه كان يقول: جميع ما في كتب الشيخ محي الدين من الامور المخالفة لكلام العلماء فهو مدسوس عليه، وكذلك كان يقول الشيخ مجد الدين صاحب القاموس في اللغة.
قلت [الشعراني]: وقد اختصرت الفتوحات المكية وحذفت منها كل ما يخالف ظاهر الشريعة، فلما اخبرت بانهم دسوا في كتب الشيخ ما يوهم الحلول والاتحاد ورد عليّ الشيخ شمس الدين المدني بنسخة الفتوحات التي قابلها على خط الشيخ بقونية فلم اجد فيها شيئا من ذلك الذي حذفته ففرحت بذلك غاية الفرح، فالحمد لله على ذلك. انتهى كلام الشعراني

قال الشيخ ابو الهدى الصيادي ما نصه (5):
والكثير من هذه الفرقة قام قائمهم وقعد قاعدهم منهمكا بمطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي طاب مرقده، ولا بدع فكتب الشيخ كثرت فيها الدسائس من قبل ذوي الزيغ والبهتان، وعصائب الشيطان، وهذا الذي يطيب القول به لمن يريد براءة الذمة من القطع بما لم يعلم والله تعالى قال (ولا تقف ما ليس لك به علم) الاسراء، وقد نسبوا اعني الدساسين للشيخ ما لا يصح لا عقلا ولا شرعا، ولا ينطبق على حكمة نظرية، ولا يوافق صحاح القواعد العرفانية. اهـ
ثم قال بعد كلام ما نصه (6):
والحق يقال: الذي عليه اهل الورع من علماء الدين انه لا يحكم على ابن عربي رحمه الله نفسه بشيء لاننا لسنا على يقين من صدور مثل هذه الكلمات منه، ولا من استمراره عليه الى وفاته، ولكنا نحكم على مثل هذا الكلام بأنه كفر. اهـ
وقال صاحب المعروضات المزبورة احد الفقهاء الحنفية المشهورين (تيقنا ان اليهود دسوا عليه في فصوص الحكم). اهـ

ـــــــــــــــــــ
1 الاجوبة المرضية، مخطوط (ق/172).
2 لسان الميزان (5/353).
3 لطائف المنن والاخلاق (ص/390).
4 لطائف المنن والاخلاق (ص/394)
5 مراحل السالكين (ص/61)
6 مراحل السالكين (ص/6999)