السبت فبراير 28, 2026

عَذَاب الْقَبْرِ.

        يَجِبُ الإِيمَانُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ كَعَرْضِ النَّارِ عَلَى الْكَافِرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ يَتَعَذَّبُ بِنَظَرِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِمَقْعَدِهِ الَّذِى يَقْعُدُهُ فِى الآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ غَافِرٍ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أَىْ أَنَّ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَهُمْ أَتْبَاعُهُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَاتَّبَعُوهُ عَلَى الْكُفْرِ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ فِى الْبَرْزَخِ أَىْ فِى مُدَّةِ الْقَبْرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ حَتَّى يَمْتَلِئُوا رُعْبًا ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ يُقَالُ لِلْمَلائِكَةِ ﴿أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِى سُورَةِ طَه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَىْ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِى أَعْرَضَ عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَىْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالآيَةِ ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَىْ مَعِيشَةً ضَيِّقَةً فِى الْقَبْرِ وَقَدْ فَسَّرَهَا النَّبِىُّ ﷺ بِعَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِىُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ضَغْطَةُ الْقَبْرِ فَيَقْتَرِبُ حَائِطَا الْقَبْرِ مِنْ جَانِبَيْهِ حَتَّى تَتَدَاخَلَ أَضْلاعُهُ وَتُسَلَّطُ عَلَيْهِ الأَفَاعِى وَالْعَقَارِبُ وَحَشَرَاتُ الأَرْضِ فَتَنْهَشُ وَتَأْكُلُ مِنْ جَسَدِهِ وَتَدْخُلُ الأَفْعَى فِى فَمِهِ وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَهَا عَنْهُ لِأَنَّ أَعْصَابَهُ مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ تَسْتَرْخِى وَمَفَاصِلُهُ تَنْحَلُّ فَتَأْكُلُ مِنْ فَمِهِ وَأَمْعَائِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِىُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ عَقَارِبُ وَثَعَابِينُ لَوْ نَفَخَ أَحَدُهُمْ فِى الدُّنْيَا مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا تَنْهَشُهُ فَتُؤْمَرُ الأَرْضُ فَتُضَمُّ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ. وَأَمَّا عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ التَّوْبَةِ فَهُمْ صِنْفَانِ صِنْفٌ يُعْفِيهِمُ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَلا يُصِيبُهُمْ وَصِنْفٌ يُعَذِّبُهُمْ اللَّهُ فِى الْقَبْرِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَيُؤَخَّرُ لَهُمْ بَقِيَّةُ عَذَابِهِمْ إِلَى الآخِرَةِ. وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ انْزِعَاجُ بَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَوَحْشَتِهِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرِ إِثْمٍ أَىْ بِحَسَبِ مَا يَتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّاسِ لَيْسَ ذَنْبُهُمَا شَيْئًا كَبِيرًا لَكِنَّهُ فِى الْحَقِيقَةِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ لِذَلِكَ قَالَ بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ وَهِىَ نَقْلُ الْكَلامِ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِلإِفْسَادِ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ أَىْ لا يَتَنَّزَهُ مِنْهُ بَلْ يُلَوِّثُ جَسَدَهُ بِهِ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ بِعَسِيبٍ رَطْبٍ أَىْ غُصْنِ نَخْلٍ أَخْضَرَ فَشَقَّهُ اثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا أَىْ لَعَلَّ عَذَابَ الْقَبْرِ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَ هَذَانِ الشِّقَانِ رَطْبَيْنِ. فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبَاتَ الأَخْضَرَ يُسَبِّحُ اللَّهَ فَإِذَا وُضِعَ عَلَى الْقَبْرِ يُخَفَّفُ عَنْ صَاحِبِ الْقَبْرِ بِتَسْبِيحِهِ إِنْ كَانَ فِى نَكَدٍ فَيَنْبَغِى وَضْعُ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ عَلَى الْقَبْرِ لِأَنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ لَكِنْ نَحْنُ لا نَسْمَعُهُ. كَانَ فِى أَيَّامِ الصَّحَابَةِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ اسْمُهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلانِىُّ هُوَ مِنَ الأَوْلِيَاءِ الْكِبَارِ لَقِىَ الصَّحَابَةَ وَلَمْ يَلْقَ رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّةً كَانَ يُسَبِّحُ اللَّهَ بِسُبْحَةٍ فَنَامَ فَصَارَتِ السُّبْحَةُ تَدُورُ فِى يَدِهِ وَتَقُولُ سُبْحَانَكَ يَا مُنْبِتَ النَّبَاتِ وَيَا دَائِمَ الثَّبَاتِ أَىْ يَا دَائِمَ الْوُجُودِ أَىِ الَّذِى وُجُودُهُ لا نِهَايَةَ لَهُ وَلا يَتَغَيَّرُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ سَاكِنٌ بِلا حَرَكَةٍ. ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَهَا تُسَبِّحُ وَتَدُورُ عَلَى ذِرَاعِهِ فَنَادَى زَوْجَتَهُ أُمَّ مُسْلِمٍ قَالَ يَا أُمَّ مُسْلِمٍ تَعَالَىْ فَانْظُرِى إِلَى أَعْجَبِ الأَعَاجِيبِ فَلَمَّا جَاءَتْ سَكَتَتِ السُّبْحَةُ.

واعْلَمْ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ ثَابِتٌ بِالْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ مَنْ أَنْكَرَهُ فَهُوَ كَافِرٌ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِمَّنْ نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى وُجُودِ عَذَابِ الْقَبْرِ الإِمَامُ الْكَبِيرُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ فِى الإِبَانَةِ وَالإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ وَابْنُ الْقَطَّانِ فِى كِتَابِهِ الإِجْمَاعُ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ فِى كِتَابِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ وَقَطَعُوا أَىْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِأَنَّ الْمُنْكِرِينَ لِعَذَابِ الْقَبْرِ يُعَذَّبُونَ فِى الْقَبْرِ أَىْ لِكُفْرِهِمْ وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ الشَّافِعِىُّ فِى الْعُدَّةِ فِى شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِى أَحَادِيثِ الأَحْكَامِ مَا نَصُّهُ فَقَوْلُهُ ﷺ عِنْدَ مُرُورِهِ بِالْقَبْرَيْنِ (أَىْ قَبْرَىِ اثْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ) إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُ حَقِيقَتِهِ وَهُوَ مِمَّا نَقَلَتْهُ الأُمَّةُ مُتَوَاتِرًا فَمَنْ أَنْكَرَ عَذَابَ الْقَبْرِ أَوْ نَعِيمَهُ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ فِى خَبَرِهِمَا. وَالْكَافِرُ الْمُكَلَّفُ الَّذِى مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنْ كُفْرِهِ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ وَيَكُونُ عَذَابُهُ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ غَافِرٍ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أَىْ أَنَّ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَهُمْ أَتْبَاعُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَأَشْرَكُوا بِعِبَادَتِهِمْ لِفِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ وَهَذَا قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ أَىْ فِى مُدَّةِ الْقَبْرِ بِدَلِيلِ مَا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ فِى الآيَةِ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أَىْ يُقَالُ لِلْمَلائِكَةِ ﴿أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِى سُورَةِ طَه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَىْ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِى أَعْرَضَ عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَىْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالآيَةِ ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَىْ مَعِيشَةً ضَيِّقَةً فِى الْقَبْرِ كَمَا فَسَّرَهَا النَّبِىُّ ﷺ وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِىُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ. وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِى الصَّلاةِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُدِ الآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَدْنَان إِبْرَاهِيم الَّذِى يَدَّعِى الإِسْلامَ وَيُنْكِرُ عَذَابَ الْقَبْرِ هُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ لا يَسْتَحِى مِنَ اللَّهِ وَلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الخُرُوجِ عَلَى الْقُرْءَانِ الَّذِى أَثْبَتَ عَذَابَ الْقَبْرِ وَإِلَى الْخُرُوجِ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى الْخُرُوجِ عَلَى الإِجْمَاعِ وَهَلْ بَعْدَ الإِجْمَاعِ إِلَّا الضَّلالُ.