الأحد مارس 1, 2026

تفسير مختصر لسورة العصر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وصحبه الطاهرين ، أما بعد
مِنْ عادَةِ أصحَابِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا الْتَقَوا أنْ يقَرأَ بعضُهُم هذهِ السّورة ﴿وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ {3}﴾، وذلكَ لأنَّ هذهِ السّورة جامِعَة لِمَا يكونُ به العبدُ ناجِيًا مُفلِحًا في الآخرة، أوَّلُ خَصلَةٍ ذُكِرَت فيها هي خَصلَةُ الإيمان، الإيمانُ إذا أُطلِقَ يكونُ شامِلاً للإيمانِ باللهِ ورَسولِهِ كما في هذهِ الآية أمّا إذا جُمِعَ بينَ ذِكْرِ اللهِ وذِكْرِ الرّسولِ فيكونُ كلٌّ مِنَ اللَّفظَينِ لِمَعنًى خاصّ كقولِهِ تعالى ﴿تُؤمِنُونَ باللهِ ورَسُولِهِ﴾ في سورَةِ الصَّف، هُنا ﴿تُؤمِنُونَ باللهِ ورَسُولِهِ﴾ هُنا ذُكِرَ اللهُ تعالى وذُكِرَ رَسولُهُ فالإيمانُ بِهِما مُصرَّحٌ به أمّا في سورَةِ العَصْرِ فأُجمِلَتِ العِبَارة ﴿إلا الذينَ ءامَنُوا﴾.

ثم ذَكَرَ اللهُ تعالى الخَصلَةُ الثَّانِيَة وهي عمَلُ الصَّالِحات، وعَمَلُ الصّالِحات عِبارة عن أداءِ ما افتَرَضَ اللهُ على عِبَادِهِ مِنَ الأعمَالِ، ثُمَّ ذَكَرَ الخَصلَةَ الثّالِثَة بقولِ: ﴿وتَواصَوْا بالحَقِّ﴾ أي نَصَحَ بعضُهُم بعضًا بالإرشَادِ إلى عَمَلِ الخَيرِ والبِرّ، أي لا يُداهِنونَ ولا يَغُشُّ بعضُهم بعضًا.

ثُمَّ ذَكَرَ الخَصلَةَ الرابعة وهي ما في قولِهِ تعالى ﴿وتَوَاصَوْا بالصَّبرِ﴾ وذلكَ لِمعنَى التَّناهِي عَنِ المُنكَرِ أي لا يُداهِنُ بعضُهم بعضًا لأنَّ المُداهنَةَ خلافُ حالِ الصَّالِحين، الله تباركَ وتعالى أخبَرَ في هذهِ الآية بأنَّ الإنسانَ في خُسر أي في هلاكٍ إلا مَنْ جَمَعَ هذهِ الخِصَال المَذكورَة في هذهِ السّورة، والإيمانِ باللهِ أي ورَسولِهِ وعَمَلِ الصَّالِحاتِ والتَّواصي بالحَقِّ أي يَحُث بعضُهم بعضًا على عَمَلِ البر، والتَّواصي بالانكِفَاف عمَّا حرَّمَ اللهُ تعالى، لأنَّ الصَّبرَ إذا أُطلِقَ قد يكونُ شامِلاً للصَّبرِ على الطَّاعاتِ وبالصَّبرِ عن المعاصي وبالصَّبرِ على البلايا والشّدائد والمَشقّات وهذا حالُ مَن اختارَهُم اللهُ تعالى مِنَ المؤمنين بأنْ يكونوا مِنْ أحبَابِهِ وأصفِيَائِه وأوليائِه هذِهِ حالَتُهم، أمّا مَنْ ليسَ على هذهِ الحالَة فلا يكونُ مِنْ أولئك، أقلُّ أحوالِ المُسلِم أنْ يكونَ مؤمنًا باللهِ ورسولِهِ مُجتنبًا للكُفْرِ هذا أقلُّ أحوالِ المسلمِ أما الزّيادَةُ على ذلكَ بالعَمَلِ مع الخِصَالِ المَذكورَةِ في هذهِ السّورة هذا شِعَارُ الصَّالِحينَ المُفلحين النَّاجينَ يومَ القيامة مِنَ الخِزيِ والعَذاب.

والشَّرطُ في أنَّ مَحبَّةِ اللهِ تباركَ وتعالى تَثْبُتُ لِمَن يتنَاصحونَ في اللهِ تعالى هو هذا، لا يكونُ الإنسانُ مُحِبًّا لأخيهِ في اللهِ تعالى إلا إذا عَمِلَ بِهذِهِ الآية يدُلُّهُ على الخيرِ الذي يُحِبُّهُ الله مِنْ فِعلِ الواجِبِ ويَنهاهُ عمَّا يكرَهُ اللهُ تعالى مِنَ المُحرَّماتِ، هذهِ صِفَةُ المُتحابِّينَ في اللهِ والذينَ وَرَدَ في الحديثِ الصَّحيحِ الذي رواهُ البيهقِيُّ والحاكمُ وابنُ حِبّان وغيرُهم (حقَّت مَحبّتِي للمُتحابين فِيَّ) ثُمَّ أتبَعَ رسولُ اللهِ في هذا الحديثِ القُدسِيّ الذي يَرويهِ عن ربّهِ تبارَكَ وتعالى كَلِمَاتٍ أخرى منها قولُهُ (وحقَّت مَحبّتِي للمُتناصحين فِيَّ)، جعلَنا اللهُ مِنْ أهلِ ذلك.

اللَّهم حَقّقْنا بذلك، اللَّهم حَقّقْنا بذلك، اللَّهم حَقّقْنا بذلك. عليكم بالعملِ بهذهِ الآية وهذا الحديث تكونوا مِنَ المُفلحين النَّاجين الذين لا خَوفٌ عليهم ولا هم يَحزَنون.

الآية: ويوم نبعث في كل أمة شهيدا

يقولُ الله تبارَك وتعالى ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ {89} إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {90}﴾ سورة النحل.

إنَّ الله يُخبِرُنا بأنهُ يبعثُ على كلِّ أُمَّةٍ ﴿شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ يعنِي نَبِيَّهَم لأنه كانَ يبعَثُ أنبياءَ الأمَمِ فيهِم منهُم ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمّد ﴿شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء﴾ على أُمَّتِك ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا﴾ أي بيانـًا بليغًا ﴿لّكُلِّ شَىْءٍ﴾ أي مِنْ أمورِ الدّين أما في الأحكامِ المنصوصَةِ فظاهر، وكذا فيما ثبَتَ في السنَّةِ والإجماع أو بقولِ الصَّحابَةِ أو بالقياس لأنَّ مَرجِعَ الكلِّ إلى الكِتاب حيثُ أمرَنا فيهِ باتّباعِ رسولِهِ عليهِ السَّلام وطاعَتِهِ بقولِهِ ﴿ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ {54}﴾ سورة النور وحثَّنا على الإجماعِ فيهِ بقولِهِ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ {115}﴾ سورة النساء، وقد رَضِيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأُمَّتِهِ باتّباعِ أصحابِهِ وقد اجتَهدوا وقاسوا ووطّؤوا طُرَقَ الاجتِهادِ والقِياس مع أنه أمرَنا به بقولِهِ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ {2}﴾ سورة الحشر فكانت السنَّةُ والإجماع وقولُ الصَّحابِيّ والقِياس مُستَنِدَةً إلى تِبيانِ الكتابِ فتبيَّنَ أنه كانَ تِبيَانـًا لكلِّ شىء ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي وَدِلالَةً إلى الحقّ ورَحمَةً لهم وبِشَارَةً لهم بالجنَّة. ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي بالتسوِيةِ في الحقوقِ فيما بينكم وتركِ الظُّلمِ وإيصالِ كلِّ ذي حقّ إلى حقّهِ، ﴿وَالإِحْسَانِ﴾ أي إلى مَنْ أساءَ إليكم، ﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ أي وإعطاءِ ذي القَرابَةِ وهو صِلَةُ الرَّحِم، ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء﴾ أي عنِ الذُّنوبِ المُفرِطَةِ في القُبحِ ﴿وَالْمُنكَرِ﴾ أي ما تُنكِرُهُ العقول ﴿وَالْبَغْيِ﴾ أي طَلَبِ التَّطاوُلِ بالظُّلمِ والكِبْر، ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي تتَّعِظونَ بِمواعِظِ الله، وهذهِ الآيةُ سَبَبُ إسلامِ عثمانَ بنِ مَظعون فإنه قال (ما كنتُ أسلمتُ إلا حياءً منه عليه السّلام لكثرَةِ ما كانَ يَعرِضُ عليَّ الإسلام ولَم يستقرَّ الإيمانُ في قلبي حتى نزلَت هذهِ الآية وأنا عندَهُ فاستقرَّ الإيمانُ في قلبي، فقرأتها على الوليدِ بنِ المغيرَة فقال: والله إنَّ له لَحلاوَة وإن عليهِ لطلاوَة وإنَّ أعلاهُ لَمُثمر وإنَّ أسفَلَهُ لَمُغدِق وما هو بقولِ البشَر)، أرادَ بقولِهِ (وإنَّ أسفلُهُ لَمُغدِق) أنه كثيرُ المعاني فيهِ ما يحتاجُ الناسُ لأمرِ دينِهِم ودُنياهُم، وقال أبو جهل (إنَّ إلـٰهَهُ ليأمرُ بِمكارِمِ الأخلاق)، وهي أجمَعُ ءايةٍ في القرءانِ للخيرِ والشرّ، ولِهذا يقرؤها كلُّ خطيبٍ على المِنبر في ءاخرِ كلِّ خُطبَة لِتكونَ عِظَةً جامِعَةً لكلِّ مأمورٍ ومَنهِيّ.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات وأصلح ذات بيننا وألف بينَ قلوبِنا واجعلنا هُداةً مهديين غير ضالّين ولا مُضِلّين واستر عوراتِنا يا أرحم الراحمين